بينتو صاحب موقع «فوتبول ليكس»... مرتكب أم واشٍ؟

يخشى ترحيله من المجر إلى البرتغال بعد نشره فضائح مسؤولي الكرة وقضايا التهرب الضريبي للاعبين

بينتو لحظة توقيفه من الشرطة المجرية بناءً على طلب من السلطات البرتغالية
بينتو لحظة توقيفه من الشرطة المجرية بناءً على طلب من السلطات البرتغالية
TT

بينتو صاحب موقع «فوتبول ليكس»... مرتكب أم واشٍ؟

بينتو لحظة توقيفه من الشرطة المجرية بناءً على طلب من السلطات البرتغالية
بينتو لحظة توقيفه من الشرطة المجرية بناءً على طلب من السلطات البرتغالية

«ابقَ قوياً يا روي بينتو»، كانت هذه العبارة على واحدة من اللافتات التي ارتفعت داخل المدرجات في استاد فرايبورغ في المباراة مع فولفسبورغ في الدوري الألماني وانتهت بالتعادل الإيجابي بين الفريقين. وعلى بُعد أكثر عن 1000 ميل إلى الشرق وفي أعقاب جلسة استماع موجزة عُقدت الثلاثاء الماضي، أصدرت محكمة مجرية حكماً يقضي بتسليم شخص يبلغ 30 عاماً لم يكمل مسيرته للحصول على درجة علمية جامعية في التاريخ ومتهم بكونه العقل المدبر خلف واحدة من أكبر الفضائح في مجال كرة القدم الاحترافية والتي عُرفت باسم «فوتبول ليكس»، من منزله في بودابست.
وينحدر بينتو من فيلا نوفا دي غايا، إحدى ضواحي بورتو، ويعيش في بودابست منذ 2015، وقد وصل إلى المدينة ضمن برنامج تبادل كجزء من دراسته في التاريخ، ويرى أن بلاده لم تعد تمنحه «أي آفاق بسبب الأزمة الاقتصادية».
وبعد تثبيت نفسه في المجر، حيث يكسب قوته ويساعد والده صانع الأحذية المتقاعد، من خلال عمله في الآثار القديمة، أنشأ بينتو موقع التسريبات في 2016، وبدأ بتحميل عقود لاعبين ومدربين من نادي سبورتينغ البرتغالي والفرع المالطي من صندوق الاستثمار «دوايان»، المثير للجدل في سوق انتقالات اللاعبين.
ومع هذا، فإن بينتو صاحب الوجه الشاحب أعرب عن شكره لجماهير كلٍّ من ناديي فولفسبورغ وفيردر بريمن عبر «تويتر» لرفعهم لافتات مشابهة تحمل عبارة «ليس مجرماً». جدير بالذكر أن موقع «فوتبول ليكس» (تسريبات كروية) منذ تدشينه في سبتمبر (أيلول) 2015، نشر ادعاءات حول ما يصفها مؤسسه بأنها «ممارسات غير مشروعة تؤثر على عالم كرة القدم»، سواء كان ذلك تهرباً ضريبياً من جانب كريستيانو رونالدو وجوزيه مورينيو أو رسائل بريد إلكتروني داخلية تتهم مانشستر سيتي بانتهاك قواعد اللعب المالي النظيف التي يقرها الاتحاد الأوروبي (يويفا).
بعد قرابة ثلاث سنوات من ذكر اسم بينتو علانيةً للمرة الأولى من جانب صحيفة «ماركا» الإسبانية، جرى احتجازه بناءً على أمر أوروبي بإلقاء القبض عليه وفقاً لطلب من الشرطة البرتغالية التي كانت قد استصدرت قراراً بحق بينتو منذ عدة أسابيع. والآن، أصبح لزاماً على بينتو الرد على اتهامات موجهة إليه بممارسة «الابتزاز وانتهاك السرية والحصول على معلومات بصورة غير قانونية» داخل موطنه.
وفي تصريحات لصحيفة «دير شبيغل» الألمانية، الشهر الماضي، قال بينتو: «أشعر بالتوتر لأنني أصبحت هدفاً لهجمات، خصوصاً من جانب مشجعي بنفيكا. ومنذ الخريف الماضي، أتلقى تهديدات بالقتل عبر (فيسبوك). وأخشى من أنه بمجرد أن تطأ قدمي سجناً برتغالياً، خصوصاً داخل لشبونة، ألا أغادر المكان حياً».
كان بينتو قد عمل تحت اسم مستعار «جون» بالتعاون مع «دير شبيغل» وعدد من الأعضاء الآخرين في الشبكة الإعلامية المعروفة باسم «المتعاونين الاستقصائيين الأوروبيين (يوروبيان إنفستيغاتيف كولابريترز)» (إي آي سي غروب). وتشير تقديرات إلى أن هذه الشبكة وفرت نحو 70 مليون وثيقة و3.4 تيرابايت من المعلومات، منها رسائل بريد إلكتروني شخصية تخص بعض أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم كرة القدم. وقال بينتو: «لقد أطلقت حركة عفوية من عمليات الكشف بخصوص صناعة كرة القدم. وعليه، فأنا لست الوحيد المعنيّ بها، ذلك أنه بمرور الوقت أُضيفت مصادر جديدة تشاركت معي في مواد وزاد حجم قاعدة البيانات».
في البداية، كشفت التسريبات عن اتفاقات جرت عبر أطراف ثالثة بين نادي توينتي أنشيدة ووكيل اللاعبين «دوين سبورتس»، على نحو يخترق قواعد اتحاد كرة القدم الهولندي. وأدى هذا الكشف إلى حرمان توينتي من المشاركة في البطولات الأوروبية لمدة ثلاث سنوات. ومن المعتقد أن بينتو حوّل أنظاره باتجاه كرة القدم البرتغالية نهاية عام 2015.
وبالاعتماد على ما وصفه تقرير «ماركا» بأنه «سلسلة من أدوات القرصنة لجمع معلومات وتسريب تفاصيل تتعلق بتعاقدات اللاعبين داخل عدد من الأندية» كان بينها بنفيكا وسبورتينغ وبوروتو، تشير مزاعم إلى أن بينتو حاول بادئ الأمر ابتزاز وكالة «دوين سبورتس» عبر مطالبتها بأكثر من 500 ألف يورو كي لا يكشف عن معلومات حساسة تتعلق بلاعبين تمثلهم الوكالة قبل إقدامه على نشر المعلومات عبر موقع «ميركادو دي بنفيكا» الإلكتروني، الذي لا يزال نشطاً.
جدير بالذكر أن بورتو تعرض منذ فترة قريبة لغرامة بقيمة 50 ألف فرنك سويسري من جانب «فيفا» بسبب سماحه لـ«دوين سبورتس» بالتأثير على صفقات انتقال اللاعبين الخاصة بالنادي. وأصدر «فيفا» بياناً قال فيه إن النادي «دخل في تعاقدات للسماح لأطراف ثالثة بأن يكون لها نفوذ على استقلالية النادي وسياساته في ما يخص صفقات انتقال اللاعبين».
في تلك الأثناء، نشر موقع «فوتبول ليكس» مزاعم على درجة بالغة من الخطورة ضد شخصيات بارزة مثل رونالدو ومورينيو وليونيل ميسي على مدار الشهور الـ12 التالية لدرجة دفعت لجنة مكافحة غسل الأموال التابعة للاتحاد الأوروبي للشروع في التحقيق بشأن «وباء» التهرب الضريبي في مجال كرة القدم في سبتمبر 2017، مشيرة إلى أن الموقع كان الدافع لها وراء اتخاذ هذا القرار.
بعد عام آخر، نشرت مجلة «سابادو» البرتغالية قصة حصرية كشفت عن أن الشرطة المحلية حددت المشتبه فيه الرئيسي في قضية بنفيكا باعتباره بينتو، واصفة إياه بأنه «عبقري في مجال التعامل مع الكومبيوتر». وبعد أيام قلائل، ظهر منشور على صفحة «فيسبوك» التابعة لموقع «فوتبول ليكس» وبدا أنه يتعمد استفزاز الشرطة البرتغالية بالرسالة التالية: «الشرطة تبحث عني؟ يا له من خبر سار. اقبضوا عليّ إذن إذا استطعتم»، وإن كان بينتو ينفي وجود أي صلة بينه وبين هذه الرسالة.
وعن هذه القصة الصحافية، قال بينتو: «لقد غيّرتْ حياتي، فقد ظهرت صوري على الصفحات الأولى للمطبوعات الصحافية بمختلف أرجاء البلاد. وانهالت تهديدات بالقتل على حسابي في (فيسبوك) وعنوان بريدي الإلكتروني».
نهاية سبتمبر 2018، تراجعت كاثرين مايورغا عن اتفاق الحفاظ على السرية الذي وقّعته مع فريق المحامين الخاص برونالدو وخرجت إلى العلن بمزاعم تعرّضها للاغتصاب من جانب المهاجم البرتغالي. وتمثل عنصر محوري في الحجة التي دفعت بها في وثائق بدا أنها تدعم ادعاءاتها جرى الحصول عليها عبر موقع «فوتبول ليكس»، وإن كان محامو رونالدو قد رفضوا هذه الوثائق لاحقاً، واصفين إياها بأنها مفبركة من جانب قراصنة.
بعد ستة أسابيع وبعد أن ظل هادئاً لما يزيد على عام فيما عدا رسالة في الكريسماس قرب نهاية عام 2017، نشر «فوتبول ليكس» مجموعة جديدة من المزاعم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي استهدفت من جديد المؤسسة الحاكمة لصناعة كرة القدم. وعبر التسريبات، جرى رسم صورة رئيس «فيفا»، جياني إنفانتينو، باعتباره اضطلع بدور محوري في المفاوضات التي أدت إلى التوصل لتسوية عندما واجه كل من مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان اتهامات باختراق قواعد اللعب المالي النظيف -وهي مزاعم قوبلت بالرفض باعتبارها مجرد محاولة «لتقويض القيادة الجديدة لـ(فيفا)». في تلك الأثناء، جرى كشف النقاب عن خطط أندية الصفوة لإطلاق بطولة جديدة تحت اسم «دوري السوبر الأوروبي» بحيث تبدأ عام 2021، وذلك عبر رسائل بريد إلكتروني مسربة جرى إرسالها إلى رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز. نهاية الأمر، أُلقي القبض على بينتو في 16 يناير (كانون الثاني) في بودابست، والتي كان قد انتقل إليها منذ سنوات عدة سابقة باعتباره طالباً، وذلك بعد عودته من أحد متاجر البقالة برفقة والديه. ويصف عارفو بينتو، صاحب الوجه الطفولي، بأنه «اجتماعي وسعيد» وهو أيضاً أحد عشاق نادي بورتو ورونالدو.
من ناحيته، قال بيبو روسو، عالم الاجتماع لدى جامعة فلورنسا والمتخصص في الصفقات التجارية في مجال كرة القدم: «في اعتقادي، يبدو من الغريب حقاً أن يستغرق الأمر ثلاث سنوات للعثور على شخص معروفة صورته ومعروف أين يعيش. ومن وجهة نظري، روي بينتو ليس مجرماً وإنما مبلّغ عن جرائم وتجب حمايته بجميع السبل».
لكن المحكمة المجرية أكدت أنه «لا يمكن رفض طلب التسليم. كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يُتوقع منها التزام المعايير القضائية ذاتها»، في إشارة إلى مذكرة التوقيف الصادرة عن البرتغال، والتي تم بموجبها إلقاء القبض على بينتو. وكان بينتو الذي عارض محاموه تسليمه، رهن الإقامة الجبرية منذ أسابيع بانتظار البت في مسألة تسليمه.
وكان بينتو متفائلاً «بتجنب التسليم»، مؤكداً أنه لم يسرق رسائل إلكترونية داخلية لبنفيكا استخدمها مسؤولون في غريمه التقليدي بورتو لاتهامه بقضية محاولة السيطرة على الحكام في الدوري البرتغالي.
ومن المقرر أن يتولى الفرنسي ويليام بوردون، المحامي السابق لإدوارد سنودين الدفاع عن بينتو. من جهته، أصر بينتو على أنه لم يحصل على «سنت واحد» خلال المراسلات التي جرت مع «دوين سبورتس»، لكنه اعتراف بأنه كان «ساذجاً». وقال: «عندما أتطلع الآن نحو الماضي، أندم على هذا الأمر، لكنني أكرر بأنني لم أقترف أي عمل جنائي».
ونظراً إلى أن تداعيات الموقف لم تنتهِ بعد، يعتقد روسو أن ما يوجد على المحك هنا يتجاوز حرية شخص واحد فحسب. وقال: «هناك الكثير من المشاركين بعالم كرة القدم يرغبون في رؤيته في السجن ويأملون أن تتوقف التسريبات مع وجوده في الحبس، لكن لا أعتقد أن إيقاف شخص واحد سيوفق الأمر كله إلى الأبد، تلك مجرد أمنيات ليس إلا».
وأضاف: «ربما يمثل هذا الأمر مفترق طرق تاريخياً لكرة القدم لأنه قد يفيد في خلق إرث للمستقبل يمكّن آخرين من المضي قدماً والكشف عن مخالفات دونما خوف من التعرض لاضطهاد». إلا أنه بالنظر إلى أن المحاكم اليوم حكمت بخلاف ذلك، يقف بينتو في مواجهة عقوبة السجن التي يخشاها بشدة، معرباً عن اعتقاده أن بلاده تحاول «تخريب» تحقيقات يسهم فيها في دول أوروبية عدة بعد الكشف عن الجرائم.


مقالات ذات صلة

«البريمرليغ»: كوفنتري سيتي يكتسح نيوكاسل برباعية

رياضة عالمية ستيفن مفوني يحتفل برابع أهداف كوفنتري في مرمى نيوكاسل (رويترز)

«البريمرليغ»: كوفنتري سيتي يكتسح نيوكاسل برباعية

فاز كوفنتري سيتي على ضيفه نيوكاسل يونايتد 4-1، الاثنين، ضمن منافسات الجولة السادسة من الدوري الإنجليزي لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (كوفنتري (إنجلترا))
رياضة عالمية ساندرو كولينوفيتش فرحاً بهدف فوز تورينو على أودينيزي (إ.ب.أ)

«الدوري الإيطالي»: أودينيزي يخسر للمرة الرابعة توالياً

واصل فريق أودينيزي السقوط في فخ الخسارة للمباراة الرابعة على التوالي بالسقوط بنتيجة 1-2 أمام مضيّفه تورينو في ختام منافسات الجولة السادسة من الدوري الإيطالي.

«الشرق الأوسط» (تورينو (إيطاليا))
رياضة عالمية تعادل مثير حسم موقعة ليفانتي وإشبيلية بمدينة فالنسيا (إ.ب.أ)

«لا ليغا»: بهدف في الدقيقة «100»... ليفانتي يخطف تعادلاً مثيراً من إشبيلية

فرط فريق إشبيلية في فوز ثمين كان بمتناوله بالتعادل 3-3 مع مضيّفه ليفانتي ضمن منافسات الجولة الثامنة من الدوري الإسباني لكرة القدم، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (فالنسيا (إسبانيا))
رياضة عالمية الأسترالي غراهام أرنولد مدرب منتخب العراق (رويترز)

الاتحاد العراقي يجدد الثقة بالمدرب الأسترالي أرنولد

جدّد الاتحاد العراقي لكرة القدم الثقة بالمدرب الأسترالي غراهام أرنولد المشرف على المنتخب الوطني «لضمان التحضير الأمثل لنهائيات كأس آسيا 2027».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية الاستقلال الإيراني هزم الغرافة القطري بالدوحة (الاتحاد الآسيوي)

«النخبة الآسيوي»: الغرافة القطري يخسر على ملعبه أمام الاستقلال الإيراني

خسر فريق الغرافة القطري على ملعبه ووسط جماهيره أمام الاستقلال الإيراني بنتيجة 1 - 2 ضمن منافسات الجولة الثانية من مجموعة الغرب بدوري أبطال آسيا للنخبة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».