«فاتكا» يدفع الآلاف إلى التخلي عن الجنسية الأميركية

مصارف الخليج تبدأ تطبيق قانون الضرائب بالإفصاح

«فاتكا» يدفع الآلاف إلى التخلي  عن الجنسية الأميركية
TT

«فاتكا» يدفع الآلاف إلى التخلي عن الجنسية الأميركية

«فاتكا» يدفع الآلاف إلى التخلي  عن الجنسية الأميركية

من السعودية إلى سويسرا، مرورا بكندا وصربيا، يواجه عالم المال والأعمال حول العالم إرباكا منذ بداية العام لبدء تطبيق القانون الأميركي الخاص بالالتزام الضريبي الخاص للحسابات الأجنبية، أو ما يُعرف بقانون «فاتكا» الذي أصبح ساريا ابتداء من بداية يوليو (تموز) الماضي، وسيُطبق بشكل كلي بحلول مارس (آذار) 2015. ويلزم القانون الأميركي المصارف بالتبليغ مباشرة عن المكلفين بالضرائب، كما يفرض لائحة عقوبات على أي مصرف لا يلتزم ببنوده تصل إلى حرمانه اعتماد جهة مصرفية أو مالية أميركية لتقوم بدور تمثيله أو المراسلة أو حتى فتح حساب مصرفي له لدى المصارف الأميركية، وبالتالي يصبح غير قادر على إجراء المقاصة بالدولار الأميركي.
وقد وقعت الولايات المتحدة حتى الآن اتفاقات مع 40 دولة تسهيل العملية البيروقراطية المعقدة، ووضع مواعيد محددة لبدء التطبيق التدريجي للقرار الذي ينص على متابعة كل شخص يحمل الجنسية الأميركية لدفع الضرائب للولايات المتحدة. كما أن وزارة الخزانة الأميركية توصلت إلى تفاهمات مبدئية مع 61 دولة أخرى للالتزام بالقانون الأميركي الجديد. ويُذكر أن الولايات المتحدة هي واحدة من دولتين فقط تفرض على مواطنيها دفع الضرائب لبلدهم حتى وإن كانوا يقيمون في دولة يدفعون لها الضرائب. إريتريا هي الدولة الثانية. وبينما يعمل 7.3 مليون أميركي خارج الولايات المتحدة، أظهرت البيانات الحكومية الأميركية أن 565 ألفا منهم فقط يدفعون ضرائب للخزانة الأميركية، بينما غالبهم يدفع ضرائب في مكان عمله وإقامته. وهذه الإجراءات الجديدة تؤثر على 77 ألف مصرف حول العالم عليها تقديم بيانات متكاملة حول من يحمل الجنسية الأميركية، أو هناك شكوك بأنه يحمل الجنسية الأميركية.
وتصل الغرامات المتعلقة بعدم دفع الضرائب إلى مئات الآلاف، وحتى إذا لم يكن الأميركي متهربا من الضرائب فعدم تسليم الوثائق المعينة بحد ذاته قد يعني دفع غرامة عشرة آلاف دولار. وبعد إعلان واشنطن عام 2010 سعيها لملاحقة الأميركيين حول العالم لدفع ضرائبهم للخزانة الأميركية، وبدء تطبيق قانون «فاتكا»، بات حاملو الجنسية المزدوجة أكثر المتأثرين بالقرار. وبينما تخلى ثلاثة آلاف من حاملي الجنسية الأميركي عن جنسياتهم العام الماضي، وهو ثلاثة أضعاف عدد عام 2012. أظهرت وثائق حصلت عليها «الشرق الأوسط» تخلي 600 أميركي عن جنسياتهم بين مايو (أيار) ويوليو (تموز) الماضي فقط، وأفادت مصادر أميركية لـ«الشرق الأوسط» بأنه من المتوقع أن يصل عدد المتخلين عن الجنسية الأميركية إلى أربعة آلاف هذا العام. وفي وثائق أصدرتها وزارة الخزانة الأميركية يوم الخميس الماضي، تخلى أميركيون يحملون ألقابا عربية مثل «معلوف» و«النقيب» عن جنسياتهم هذا الصيف، ولكن لم تكشف وزارة الخزانة الأميركي عن الجنسيات المزدوجة الأكثر تخليا عن جنسياتها الأميركية.
وهناك تأثير مباشر على الدول العربية، من حيث الأميركيون العاملون في الشركات العربية ولديهم حسابات في بنوك عربية، أو العرب الحاملون جنسية مزدوجة. وكشفت مصادر مصرفية في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي عن بدء عدد من المصارف بإجراءات الكشف عن بيانات حسابات العملاء من الأميركيين أو ممن يحملون الجنسية الأميركية، إضافة إلى جنسيتهم الأصلية، وذلك لتطبيق «فاتكا». وتوجهت المصارف في السعودية في أعداد بعض الإجراءات للأشخاص الذين يحملون الجنسية الأميركية، أو ممن يحملون جنسية مزدوجة تتضمن إحداها الجنسية الأميركية من اكتسابها بمختلف أشكالها، تشمل من ولدوا في الولايات المتحدة ويحملون جواز سفر أميركيا، حيث يُفترض من الأشخاص الذين يقعون تحت هذا الوضع أن يفصحوا عن وضعهم المالي.
وذكرت المصادر أن مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) دعت البنوك إلى أهمية إفصاح من ينطبق عليهم ذلك القانون عن وضعهم المالي والقانوني في حال كانوا يحملون الجنسية الأميركية، في الوقت الذي يتوقع أن تكون المرحلة الأخرى ملزمة للإفصاح من الشخص نفسه، في حين يفتقد الكثير ممن وُلدوا في الولايات المتحدة الأميركية معرفة إن كانت تنطبق عليهم الشروط أم لا، وعليه فإن عليهم مراجعة وضعهم حتى لا يتعرضوا لصعوبات مستقبلا.
وقال فضل البوعينين الخبير الاقتصادي السعودي إن القرار الذي صدر في الولايات المتحدة أصبح قرارا ملزما لمن يحملون الجنسية الأميركية، في الوقت الذي يحمل فيه صورة الاتفاقية، فإنه يجب على المواطن الأميركي أن يفصح عن وضعه المالي، مع اكتشاف حكومة الولايات المتحدة عن وجود تهرب ضريبي كبير ممن يحملون جنسيات مزدوجة من خلال الحسابات المصرفية خارجها، وبالتالي أصبحت تلك الدول مطالبة بالكشف عن تلك الحسابات.
وأضاف البوعينين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن عملية التهرب الضريبي لم تعد تؤثر على المواطن الأميركي فقط، وإنما قد يصل تأثيرها إلى المصارف التي تخفي المعلومات التي كان من المفترض الإفصاح عنها، وقد تتعرض بعض المصارف التي تخفي تلك المعلومات لعقوبات أميركية.
وتابع: «توجهت الآن البنوك في السعودية لأن يكون هناك إفصاح ممن يحملون الجنسية الأميركية عن وضعهم المالي والقانوني، بل إن النطاق يشمل كل من يثبت أن مولده مسجل في الولايات المتحدة الأميركية، واستفاد من ذلك بحمل الجواز الأميركي، أو إثبات عكس ذلك؛ أنه لم يحصل على الجواز الأميركي للخروج من دائرة هذا القانون».
ويهدف القانون بشكل أساسي إلى ملاحقة حملة الجنسية الأميركية أو حملة حق الإقامة في أميركا، الذين يعيشون خارج أميركا ولا يدفعون الضرائب، أو الذين لا يقدمون الإقرارات السنوية المطلوبة للإفصاح عن دخلهم وعن حساباتهم المالية، الأمر الذي يُعدّ واجبا على كل أميركي أو حامل لحق الإقامة في أميركا، سواء أكان يعيش بأميركا أو خارجها.
وبالعودة إلى الخبير الاقتصادي السعودي، أكد أن بعد عملية الإفصاح ستجري عملية الإلزام، من خلال الوثائق التي يقدمها متعاملو المصارف للعمليات البنكية، التي تبين الجنسية أو مكان الميلاد، الأمر الذي يضع الشخص ضمن قانون «فاتكا».
ويأتي هذا التوجه من مؤسسة النقد العربي السعودي بهدف حماية البنوك في السعودية من أي صعوبات مستقبلية مع الحكومة الأميركية، كفرض عقوبات أو خلافه، خاصة أن الحكومة الأميركية تفرض عقوبات على مصارف خارج نطاقها، كمصارف في أوروبا أو آسيا.
وكان لبنان من أولى الدول العربية في التعامل مع وزارة الخزانة الأميركية للتوصل إلى اتفاق ينظم تطبيق القانون الجديد. منذ منتصف هذا العام اكتملت جهوزية كل المصارف في لبنان وشرعت في التزام القانون الخاص بمكافحة التهرب الضريبي للأميركيين خارج بلدهم. وعلم أن نحو مائة مؤسسة مصرفية ومالية وتأمينية أبرمت اتفاقات مباشرة مع الدائرة المختصة في وزارة الخزانة الأميركية، لتطبيق التعليمات الواردة في القانون. ووردت أسماء المؤسسات اللبنانية ضمن لائحة المؤسسات التي أبدت استعدادا للالتزام، والتي أصدرتها مصلحة الضرائب الأميركية.
وأكد رئيس جمعية المصارف الدكتور فرنسوا باسيل أن «المصارف اللبنانية بدأت تطبيق قانون الامتثال الضريبي الأميركي». وقال: «نحن ملتزمون بكل القرارات الدولية، لأن العولمة تدفعنا إلى التقيد بكل القوانين الدولية الصادرة».
وبحسب رئيس الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب الدكتور جوزف طربيه «فقد أثار قانون (فاتكا) حفيظة وريبة المسؤولين في المصارف والمؤسسات المالية في بلدان عدة أوروبية وآسيوية وعربية، واعتبروا أن تنفيذ القانون قد يكون مكلفا من الناحية المالية، إضافة إلى أن أحكام هذا القانون تخالف السرية المصرفية المعمول بها في بلدان كثيرة. كما أثار هذا القانون تساؤلات عدة حول إمكانية تطبيقه، لا سيما في ظل عدم وضوح أحكامه بالكامل، والنقص في الموارد البشرية لدى بعض المصارف والمؤسسات المعنية. يضاف إلى ذلك الكلفة العالية التي يتطلبها تطبيق أحكام القانون، سواء قررت المؤسسات الالتزام به أم لا». ويرى أنه «بغض النظر عن الأهداف التي يسعى القانون إلى تحقيقها، فإنه يطرح تحديات كبرى وصعوبات حقيقية للمؤسسات المالية والحكومات العربية، حيث تواجه المؤسسات المالية تحديات متشابكة، منها الهيكلي والتنظيمي والقانوني والتجاري والمالي. وتحتاج كثير من المؤسسات المالية العربية، خاصة تلك التي تزاول أنشطة إقليمية ودولية، إلى إجراء تغييرات على أنظمتها وآلياتها لتتمكن من تطبيق القانون الجديد، إضافة إلى أن الجهات الحكومية، خاصة السلطات المشرفة على القطاع المالي والسلطات الضريبية، تواجه تحديات لناحية احترام الالتزامات التي تفرضها القوانين أو الاتفاقيات الدولية».
ويوضح الخبير المصرفي علي بدران لـ«الشرق الأوسط» أن المصارف اللبنانية بدأت باستكمال الاستعدادات فور تبلغها إشعارا من البنك المركزي، أواخر العام الماضي، بضرورة اتخاذ الإجراءات كافة، ضمن المهل المحددة في قانون الامتثال الضريبي للحسابات الأجنبية، والنصوص التنظيمية والمذكرات المتعلقة به، بغية التحوط للنتائج التي قد تنعكس على علاقاتها مع المراسلين في الولايات المتحدة الأميركية، أو المراسلين خارجها المتقيدين بأحكام القانون المذكور عند بدء العمل به.
ويذكر الإشعار أنه «تلافيا لما قد يتعرض له القطاع المالي والمصرفي من مخاطر سمعة، وحفاظا على المصلحة الوطنية العليا، ولا سيما على سلامة واستقرار الأوضاع المصرفية، يطلب من المصارف والمؤسسات المالية ومؤسسات الوساطة المالية وهيئات الاستثمار الجماعية العاملة في لبنان، اتخاذ كافة الإجراءات المناسبة على ضوء أحكام القانون المذكور».
وباشرت المصارف العربية التسجيل الإلكتروني على موقع إدارة الواردات الداخلية الأميركية، قبل نهاية عام 2013، لتنفيذه بدءا من يوليو 2014 الماضي. وكان على كل مصرف مسؤولية التعرف على دافعي الضرائب الأميركيين من بين زبائنه، ويتوجب التحقق من العملاء الحاليين والجدد بدقة كبيرة، للتأكد من وجود رابط أو مؤشر للولايات المتحدة الأميركية يجعلهم خاضعين للقانون ومكلفين بدفع الضريبة، وبالتالي تقديم معلومات عن حساباتهم، والتصريح بها إلى مصلحة الضرائب الأميركية.
واختارت المؤسسات المالية الانضمام والتسجيل لدى مصلحة الضرائب، كل مصرف بمفرده، وبمؤازرة ومساندة لعملية تطبيق القانون، لجهة إصدار التعاميم الخاصة التي تلزم المصارف وتنظم عملية تطبيق هذا القانون.
وأفاد مصدر في أحد المصارف الأجنبية بالأردن لـ«الشرق الأوسط» بأنه ابتداء من بداية يوليو، عزمت المصارف الأردنية على تطبيق الاتفاقية وجميع البيانات والسندات لجميع زبائنها، لمنع أي غرامات مستقبلية على المصارف. والأمر نفسه بالنسبة لأوروبا، التي تتمتع باتفاقات تمنع ازدواج دفع الضرائب مع الولايات المتحدة. وأوضح مسؤول من هيئة الضرائب البريطانية لـ«الشرق الأوسط» أن المملكة المتحدة تفاوضت مع الولايات المتحدة بدعم من المفوضية الأوروبية، ومع فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا لمنع التهرب الضريبي من جهة، ومساعدة المؤسسات المالية، خاصة أن القرار جاء في وقت ما زالت المصارف تسعى فيه إلى التعافي من الأزمة المالية العالمية. وأضاف المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته أن القانون الأميركي «يضع أعباء كبيرة على الشركات البريطانية في تحديد دافعي الضرائب الأميركيين».
واستخدام الدولار وحده سمح للسلطات الأميركية بأن يكون لها حق إبداء الرأي وفرض غرامة قياسية على المصرف، مما أثار غضب السلطات الفرنسية. وآخر الأصوات كان لرئيس الوزراء الأسبق ميشال روكار الذي ندد بـ«تجاوز للسلطة»، في مقالة نشرتها صحيفة «لوموند»، الشهر الماضي، حيث انتقد الولايات المتحدة لقيامها بنوع من «الاحتلال» الاقتصادي يرتكز على مبدأ امتداد تطبيق معاييرها خارج الحدود الوطنية.
ومنذ العمل بقانون الضرائب للحسابات الأجنبية (فاتكا) يحق للولايات المتحدة مطالبة عشرات آلاف المصارف بمعلومات مفصلة على حسابات رعاياها في الخارج. وهذه الحملة لمكافحة التهرب الضريبي أيدتها دول كثيرة، لكنها تعرضت أيضا للانتقادات لنزعتها أحادية الجانب.
وبينما بدأت القوانين تُطبّق، هناك جهود حثيثة حول العالم لمواجهة القرار الأميركي، من احتجاجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل «تويتر»، إلى مقاضاة حكومات تتعاون مع واشنطن. وفي كندا، حيث يوجد مئات الآلاف من الكنديين حاملي جنسيات مزدوجة، قام مجموعة منهم برفع قضية أمام القضاء ضد الحكومة الكندية لموافقتها على تطبيق القانون الأميركي، مما يعني خرق قوانين الخصوصية لدى مواطنيها. ورأى المدير التنفيذي لشركة «يورو باسيفيك» المالية بيرت شيف أن الولايات المتحدة تضايق أقرب حلفائها منذ بدء التطبيق في الأول من يوليو (تموز) الماضي. وأوضح شيف في مقال رأي نشره على موقعه الخاص، أول من أمس، أنه «بسبب أهمية المعاملات المالية الدولية المستندة إلى الدولار، لدى السلطات الأميركية القدرة على فرض أي شروط تريدها على الجميع»، محذرا من التداعيات على الأميركيين المقيمين خارج بلادهم، الذين باتوا يواجهون صعوبات في التوظيف أو حتى فتح حسابات في المصارف الخارجية.
ومن المرتقب أن تزداد الاحتجاجات على القانون الأميركي خلال الفترة المقبلة، خاصة أن الولايات المتحدة ترفض منح دول أخرى الامتيازات نفسها في الاطلاع على التفاصيل الخاصة لمن يقيم في الولايات المتحدة ويحمل جنسية أخرى.



ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
TT

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 في المائة التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي، وذلك بسبب التزام نيودلهي «بوقف استيراده بشكل مباشر أو غير مباشر».

وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط، التي تغطي نحو 90 في المائة من احتياجاتها، وساعدها استيراد النفط الروسي الأرخص في خفض تكاليف الواردات منذ الحرب الروسية - الأوكرانية في عام 2022.

وأوضح الأمر ‌التنفيذي أن المسؤولين ‌الأميركيين سيراقبون الوضع، وسيوصون بإعادة ‌فرض ⁠الرسوم ​الجمركية إذا ‌استأنفت نيودلهي شراء النفط من روسيا.

وكانت الولايات المتحدة والهند قد اقتربتا يوم الجمعة من التوصل إلى اتفاق تجاري، إذ أعلنتا عن إطار عمل مؤقت من شأنه خفض الرسوم الجمركية، وإعادة تشكيل العلاقات في مجال الطاقة وتعزيز التعاون الاقتصادي.

وذكرت الحكومتان في بيان مشترك، أن الإطار يعيد ⁠تأكيد الالتزام بالتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي أوسع ‌نطاقاً، مشيرتين إلى أن هناك حاجة لإجراء مزيد من المفاوضات لإتمام الاتفاق.

ولم يذكر البيان المشترك مشتريات نيودلهي من النفط الروسي. وكان ترمب قد أعلن يوم الاثنين، عن اتفاق مع نيودلهي لخفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية من 50 في المائة إلى 18 في المائة، مقابل التوقف عن شراء النفط الروسي وخفض ​الحواجز التجارية.

وفرض ترمب نصف النسبة البالغة 50 في المائة بشكل منفصل عقاباً للهند على مشتريات النفط ⁠الروسي، التي قال إنها تمول المجهود الحربي لموسكو في أوكرانيا.

ويقدم البيان المشترك الصادر مساء الجمعة، تفاصيل إضافية مقارنة بالاتفاق الأولي الذي كشف عنه ترمب يوم الاثنين، إذ أكد أن الهند ستشتري سلعاً أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى 5 سنوات، من بينها النفط والغاز وفحم الكوك والطائرات وقطع غيارها والمعادن النفيسة ومنتجات تكنولوجية.

وذكر البيان أن الهند ستلغي أو تخفض الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية ومجموعة ‌واسعة من المنتجات الغذائية والزراعية الأميركية. لكن الاتفاق سيطبق رسوماً جمركية 18 في المائة على معظم واردات الولايات المتحدة من الهند.


العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.