موسكو تحض المعارضة السورية على اعطاء أولوية للإغاثة واللاجئين

لافروف يصل إلى الكويت لإجراء مباحثات ... والجيش الروسي يدرب فصائل فلسطينية في حلب

لافروف خلال لقائه رئيس «هيئة التفاوض السورية» المعارضة نصر الحريري في الرياض أمس (هيئة التفاوض السورية)
لافروف خلال لقائه رئيس «هيئة التفاوض السورية» المعارضة نصر الحريري في الرياض أمس (هيئة التفاوض السورية)
TT

موسكو تحض المعارضة السورية على اعطاء أولوية للإغاثة واللاجئين

لافروف خلال لقائه رئيس «هيئة التفاوض السورية» المعارضة نصر الحريري في الرياض أمس (هيئة التفاوض السورية)
لافروف خلال لقائه رئيس «هيئة التفاوض السورية» المعارضة نصر الحريري في الرياض أمس (هيئة التفاوض السورية)

أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حرص بلاده على مواصلة التنسيق مع الأطراف المعنية لتسريع عملية تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا مع إعطاء أولوية لعودة النازحين والإغاثة. فيما برز، أمس، تراجع في اللهجة الروسية عن إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل يومين توجهه إلى إطلاق «مجموعة عمل لتنسيق ملامح التسوية النهائية» تضم أطرافاً دولية وإقليمية.
جاء حديث لافروف بعد سلسلة لقاءات أجراها في العاصمة السعودية، وختمها أمس، بجلسة محادثات مع رئيس الهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة نصر الحريري، ليغادر بعدها إلى محطته الثالثة الكويت، ليجري مباحثات مع المسؤولين الكويتيين، تتناول العلاقات الثنائية والأزمة السورية ومكافحة الإرهاب.
ودعا الوزير الروسي، المعارضة السورية لـ«دعم جهود المجتمع الدولي في تقديم المساعدات الإنسانية للشعب السوري، وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين». وأعرب لافروف عن أمل موسكو أن تسهم المعارضة السورية بالإسراع في تشكيل اللجنة الدستورية.
وخاطب الحريري بالإشارة إلى «سعيكم المتواصل لإيجاد حلول، ونعوّل على أن تساهموا مع غيركم من ممثلي المعارضة السورية في الإسراع بتشكيل اللجنة الدستورية».
وشدد الوزير الروسي على أن موسكو «تأمل أن تؤيد المعارضة المسؤولة جهود المجتمع الدولي في تقديم مساعدات للسوريين ليس فقط من خلال المساعدات الإنسانية، ولكن أيضاً في تهيئة أبسط الظروف للحياة وإعطائهم الفرصة للعودة إلى ديارهم».
وشارك في وفد المعارضة مع الحريري كلٌّ من نائب رئيس الهيئة جمال سليمان، ورئيس مكتب العلاقات الخارجية فيها بدر جاموس، وأمين السر صفوان عكاشة وممثل المجلس الوطني الكردي إبراهيم برو، والعضو في «منصة موسكو» علاء عرفات.
واستبق الوزير لافروف وصوله الكويت بتصريحات وصف فيها علاقات بلاده بالكويت بأنها «علاقات صداقة أصيلة» تقوم على أساس التكافؤ والاحترام المتبادل والتعاون البناء.
وأوضح في حوار مع وكالة الأنباء الكويتية أن المباحثات استتناول مناقشة تفصيلية للوضع في سوريا، وقضية التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية، والأوضاع في المناطق الملتهبة في المنطقة، خصوصاً آفاق تسوية هذه النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية، على أساس القانون الدولي، وعبر إقامة حوار وطني شامل.
إلى ذلك ذكر الدكتور يحيي العريضي، عضو الهيئة السورية للتفاوض، في اتصال هاتفي، لـ«الشرق الأوسط»، إن لافروف أكد دعم بلاده للعملية السياسية، وتطبيق القرار 2254 بكليته تحت رعاية الأمم المتحدة، ووجه دعوة للهيئة السورية لزيارة العاصمة موسكو، ومناقشة جميع القضايا، والتشاور بخصوص جميع الملفات.
وأضاف عضو الهيئة السورية للتفاوض أن اللقاء تناول العملية السياسية، واللجنة الدستورية، والبيئة الآمنة والمحايدة التي تحقق انتقالاً سياسياً، وتمهد لعودة آمنة كريمة للاجئين، بالإضافة إلى جهود محاربة الإرهاب. ووفق العريضي، فإن الحريري، لدى لقائه وزير الخارجية الروسي، تحدث عن الخروقات التي تمت في إدلب، مشدداً على ضرورة حماية المدنيين، مع الحفاظ على اتفاق سوتشي بخصوص إدلب.
ولفت إلى أن الحريري أحاط وزير الخارجية الروسي بالمعلومات المؤسفة حول المأساة التي ترتكب في مخيم الركبان، بالإضافة إلى الانتهاكات التي يرتكبها النظام في مناطق سيطرته في الداخل السوري.
إلى ذلك، كشف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميخائيل بوغدانوف، جانباً من الحوارات التي أجراها لافروف مع ممثلي المعارضة، وقال إن موسكو لمست حرصاً من جانب المعارضة السورية على انتهاز فرصة وجود لافروف في الرياض لتنشيط الحوار مع الجانب الروسي حول سير عملية التسوية السورية.
وزاد أن المعارضة اتفقت على الأسماء الواردة في قائمتها للمرشحين إلى اللجنة الدستورية، ولم تظهر لديها اعتراضات على الأسماء الواردة في قائمة الحكومة، و«ليس هناك خلاف إلا على نحو ستة مرشحين لشغل مقاعد في قائمة المجتمع المدني».
وقال بوغدانوف إن وزير الخارجية الروسي وجّه دعوة إلى وفد الهيئة العليا للمفاوضات لزيارة موسكو «في أي وقت» بهدف «مواصلة العمل في هذا الموضوع».
وذكر أن المحادثات مع المعارضة السورية تطرقت أيضاً إلى القضايا الإنسانية وعودة اللاجئين والنازحين، بما في ذلك من مخيم الركبان.
في غضون ذلك، برز تراجع في اللهجة الروسية حول دعوة وجهها بوتين قبل يومين لإطلاق ما وصفها بأنها «خطة عمل دولية» لتطبيع الوضع في سوريا وبلورة ملامح التسوية النهائية، وأعلن الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، أمس، أنه «من السابق لأوانه الحديث عن (صيغ معينة للتعاون في الشأن السوري)».
وكان بوتين قد أعلن بعد محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن الطرفين بحثا تشكيل مجموعة عمل تضم الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية والأمم المتحدة وأطرافاً إقليمية ودولية، وقال الرئيس الروسي إن «خطة العمل» تقضي بتهيئة الظروف لـ«تطبيع الوضع وبلورة ملامح التسوية النهائية»، مشيراً إلى أنها «تستند إلى مبادئ سيادة الدولة السورية على كل أراضيها، واستكمال القضاء على الإرهاب، وخروج القوات الأجنبية من البلاد».
لكن التراجع الروسي برز بدايةً من خلال إشارة الوزير لافروف أول من أمس، إلى «عدم وجود ضرورة لإطلاق آليات جديدة»، مشدداً على أن «مسار آستانة» وآليات المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسون، فضلاً عن آليات التنسيق التي نشطت أخيراً مع عدد من البلدان الأوروبية «كلها تشكل شبكة واسعة من أدوات التنسيق، ولا حاجة إلى ابتكار آليات أخرى مصطنعة».
وجاء حديث بيسكوف، أمس، ليؤكد أن الكرملين فضّل التريث في الخطة التي اقترحها بوتين، خصوصاً أنها أثارت تحفظات لدى إيران والنظام السوري.
وقال الناطق الرئاسي إنه «بالفعل، تم بحث مختلف أشكال التعاون بين روسيا وإسرائيل في إطار الاستقرار المستقبلي وتطبيع الأوضاع في سوريا وحولها، بما في ذلك المسائل الحساسة لكل الأطراف المعنية، ونحن نعرف أن لدى كل طرف مسائله الحساسة. فكيف ستكون الصيغة بالتحديد، ومن أي المشاركين ستتكون؟ ما زال الحديث عن ذلك سابقاً لأوانه قليلاً. سيجري تحضير ذلك».
على صعيد آخر، انتقدت الخارجية الروسية بقوة، أمس، تقرير منظمة «حظر الأسلحة الكيماوية» الأخير حول حالات استخدام «الكيماوي» في مدينة دوما في غوطة دمشق. واتهم بيان أصدرته الخارجية، المنظمة الدولية بـ«تعمد الخروج باستنتاجات مبسطة وسطحية بهدف تبرير العدوان الغربي على سوريا في أبريل (نيسان) الماضي».
وزاد البيان أن «الاستنتاجات المبسطة والسطحية التي خرج بها خبراء بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية المكلفة بالكشف عن ملابسات استخدام السلاح الكيماوي في سوريا، توحي بأن الهدف الأساسي لها، قد يكمن في محاولة تبرير عدوان الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على سوريا في 14 أبريل 2018، في انتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة».
وكانت المنظمة قد أكدت في تقرير أصدرته، الجمعة الماضية، أن تحقيقاتها دلّت على استخدام مادة سامّة في مدينة دوما السورية داخل منطقة الغوطة الشرقية في ريف دمشق. وزادت أن «مادة الكلور على الأرجح قد استُخدمت في هذا الهجوم». وذكرت المنظمة أنها توصلت إلى هذا الاستنتاج بعد تحليل المعطيات والاستماع إلى شهود، وأخذ العينات.
في موضوع منفصل، نشرت شبكة «لينتا رو» الإلكترونية الروسية واسعة الانتشار، معطيات حول قيام عسكريين روس بتدريب مقاتلين ينتمون إلى ميليشيات «لواء القدس» الذي نشط إلى جانب القوات الحكومية في حلب ومناطق أخرى في سوريا. ونشر الموقع مقطع فيديو ظهر فيه عدد من المسلحين وهم يتدربون على اقتحام موقع محصّن، تمركز في داخله العدو المفترض.
وخلال التدريب، تمرن المشاركون على عملية سحب أحد الجرحى مع مواصلة الاقتحام.
وفي حال صحّت هذه المعطيات، تكون هذه أول مرة يتم فيها رصد نشاط مماثل للقوات الروسية في سوريا، إذ كانت موسكو قد أعلنت في وقت سابق عن مشاركة عسكرييها في عمليات تدريبية للجيش السوري، لكنها لم تكشف عن مشاركتها في تدريب عناصر ينتمون إلى مجموعات مسلحة غير نظامية.



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.