انتهاء عملية القاعدة الجوية في هلمند

انتهاء عملية القاعدة الجوية في هلمند
TT

انتهاء عملية القاعدة الجوية في هلمند

انتهاء عملية القاعدة الجوية في هلمند

شهدت أفغانستان المزيد من المعارك والقصف المتبادل بين قوات الحكومة المدعومة من قوات حلف الأطلسي وعناصر طالبان التي زادت من وتيرة عملياتها رغم الثلوج المتراكمة في العديد من ولايات أفغانستان والطقس المتجمد وصعوبة الحركة. فقد أعلن الناطق باسم طالبان جنوب أفغانستان قاري يوسف أحمدي البيان النهائي لعمليات طالبان في قاعدة شوارب الجوية التي استمرت 46 ساعة، حسب رواية طالبان، راح ضحيتها المئات من القتلى من القوات الحكومية والقوات الأميركية الموجودة داخل القاعدة. فحسب بيان طالبان فقد قتل 397 من الجنود الحكوميين والأميركان في القاعدة، كان منهم 137 أميركياً بمن فيهم 15 طياراً و18 مهندساً، إضافة إلى 260 من القوات الحكومية منهم 142 من الجنود، 118 من القوات الخاصة، إضافة إلى قائد القاعدة سراج وقائد القوات الخاصة منصور وجرح 73 آخرين. وأضاف بيان طالبان أن مروحيتين حكوميتين وعدداً من المروحيات التابعة للقوات الأميركية والأجنبية تم تدميرها، إضافة إلى 33 عربة همفي مدرعة وأكثر من مائة ناقلة جنود مصفحة من نوع M117 وعدداً من الآليات والشاحنات الأخرى، وتمكنت قوات طالبان من تدمير مخزن للذخيرة ومخزنين للوقود وورشة للطائرات ومحازن الأطعمة والتموين التابعة للقاعدة ورادار القاعدة الجوية.
وقال الناطق باسم طالبان إن تسعة فقط من فرقة الانتحاريين من طالبان دخلوا القاعدة من ثلاث جهات مزودين بأسلحة ومناظير للرؤية الليلية، والمتفجرات الشديدة وتمكنوا من الوصول إلى القسم الذي توجد فيه القوات الأجنبية في القاعدة، إضافة إلى مركز قيادتها، وتمكنوا من مقاومة القوات الموجودة داخل القاعدة 46 ساعة متواصلة، بعد إعاقة تحرك القوات الأفغانية والأميركية في القاعدة بسبب تفجير مخازن الذخيرة وإطلاق النار من عدة جهات.
وأشار بيان الناطق باسم طالبان إلى أن الهدف من العملية كان ضرب القاعدة الجوية كونها نقطة انطلاق القوات الحكومية والأفغانية في قصف المدنيين في عدة أماكن جنوب أفغانستان والتسبب بتدمير العديد من المنازل والمدارس والأسواق جنوب أفغانستان. وذكر بيان الناطق باسم طالبان أسماء المهاجمين التسعة، من قوات طالبان الخاصة، ويتحدرون من عدة ولايات تلقوا تدريباً خاصاً للقيام بالهجوم على القاعدة الجوية، وتمكنوا من الدخول إليها بسيارات همفي التي يستخدمها الجيش الأفغاني، ولبسوا الزي الرسمي للقوات الأفغانية. وحسب بيان قاري يوسف أحمدي، فإن أمير طالبان مولوي هبة الله أخوندزادة هو الذي أعطى الأوامر بالعملية ومهاجمة القاعدة والمقرات العسكرية فيها والقوات الأجنبية رداً على الهجمات التي تشن من القاعدة وتلقين الموجودين في القاعدة ومن وراءهم أن طالبان والشعب الأفغاني لن يتراجعوا عن المقاومة ومواصلة القتال ضد أي قوات أجنبية في أفغانستان.
وختم الناطق باسم طالبان بيانه بالقول إن العملية رسالة للأميركيين وحلفائهم والقوى المحلية الموالية لهم بأن طالبان تفعل ما تقول، متوعداً بمواصلة الهجمات على مقرات القوات الأميركية والأفغانية إن لم تتوقف عن قصف القرى والمدنيين في أفغانستان وسحب كافة القوات الأجنبية من أفغانستان. وكانت القوات الحكومية والأميركية أعلنت انتهاء الهجوم على قاعدة شوراب بعد قتل المهاجمين، كما أعلنت أن عدد الخسائر في القوات الأفغانية جراء الهجوم وصل إلى أكثر من خمسين قتيلاً.
وتزامن إعلان طالبان عن تفاصيل عملية هلمند مع تصاعد في العمليات العسكرية في العديد من المناطق الأفغانية، فقد نقلت وكالة خاما بريس عن القوات الخاصة الأفغانية قولها إنها هاجمت مجمعاً لطالبان في ولاية بغلان شمال كابل، مما أسفر عن مقتل اثنين من مقاتلي طالبان. وحسب بيان صادر عن الاستخبارات الأفغانية فإن العملية تم تنفيذها ضد أحد القادة المحليين لطالبان يدعى جنت غول في أطراف قرية موليان على طريق بولي خمري ـ سمنغان، وأن القوات الخاصة الأفغانية تمكنت من مصادرة العديد من قطع الأسلحة الخاصة بطالبان».
واتهمت القوات الخاصة الأفغانية جنت غول بالمسؤولية عن العديد من العمليات المسلحة ضد القوات الحكومية وتهديد السكان المحليين أو المسافرين من بولي خمري إلى مزار شريف.
من جانبها، قالت طالبان إن قواتها في ولاية بغلان تمكنت من مهاجمة رتل عسكري حكومي على طريق بغلان قندوز واستولت على شاحنة عسكرية مليئة بالأسلحة. ولم يذكر بيان طالبان شيئاً عن غارة القوات الخاصة الأفغانية في ولاية بغلان ونقل موقع طالبان عن مسؤولي الحركة قولهم إن هجوما آخر شنه مقاتلو الحركة على القوات الحكومية في ولاية لغمان شرق العاصمة كابل، أسفر عن إصابة اثنين من القوات الحكومية.
ونقلت وكالة «خاما بريس» عن الجيش الأفغاني في ولاية ننجرهار شرق أفغانستان أنها قتلت اثنين من القادة المحليين لطالبان هما ملا زنجير، ومولوي شفيق، إضافة إلى خمسة من مقاتلي الحركة في غارة جوية على منطقة حصارك قبل أربعة أيام. واتهمت المصادر العسكرية الأفغانية ملا زنجير بالمسؤولية عن تجنيد عناصر لصالح طالبان بينما اتهمت مولوي شفيق بالمسؤولية عن توجيه المقاتلين لشن هجمات في أفغانستان. وحسب البيان الذي نقلته وكالة خاما قالت المصادر العسكرية الحكومية إن 43 من مقاتلي طالبان لقوا مصرعهم خلال شهر في ولاية ننجرهار.
من جانبها نقلت وكالة باختر للأنباء في كابل عن كبار المسؤولين العسكريين الأفغان قولهم إن قصفاً مدفعياً قامت به القوات الأفغانية في ولاية زابل على مواقع لقوات طالبان في منطقة أرغنداب. وحسب البيان فقد أدى القصف إلى مقتل أربعة من مقاتلي طالبان وجرح ستة آخرين. وجاء في البيان أن عملية القصف المدفعي تمت حين كان مقاتلو طالبان يستعدون للقيام بهجمات وتفجيرات في ولاية زابل.
وأفاد موقع طالبان بشن قوات الحركة هجمات في بادغيس شمال غربي أفغانستان حيث تم قنص جنديين في مديرية جوند بعد هجوم مباغت لمقاتلي طالبان عصر أول من أمس على مركز أمني حكومي. كما شهدت نفس الولاية قتل أحد المتعاونين مع القوات الحكومية في مديرية مرغاب، حيث هاجم مسلحو طالبان سوق بلدة مرغاب وقتلوا جندياً وأصابوا آخر بجراح. وكانت وحدات من قوات طالبان هاجمت عدداً من النقاط الأمنية للقوات الحكومية والميليشيا الموالية لها في منطقة ميزو في ولاية كونار شرق أفغانستان، وحسب بيان طالبان، فقد أدى الهجوم إلى إلحاق خسائر في القوات الحكومية دون ذكر تفاصيل عنها.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended