«سي إن إن» تحت المجهر بعد ضمها مسؤولة جمهورية لطاقم تغطية انتخابات 2020

حالة من الغضب تسود بين موظفي المحطة وتوقعات بازدياد الانقسام

TT

«سي إن إن» تحت المجهر بعد ضمها مسؤولة جمهورية لطاقم تغطية انتخابات 2020

عقب فوز الرئيس دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية عام 2016، كتبت جيسيكا ييلين التي عملت مراسلة لمحطة «سي إن إن» في البيت الأبيض مقالاً في زاوية الرأي بصحيفة «نيويورك تايمز» تحت عنوان «كيف يمكن إنقاذ (سي إن إن) من نفسها.
المقال كان بمثابة ترداد لجرس إنذار حول السؤال الذي بدأ يتداوله «مدمنو» هذه المحطة ذائعة الصيت وغيرها من المحطات المرموقة.
اتُهمت المحطات الإخبارية بأنها تحولت إلى مجرد استوديو يشغله خبراء وناقدون يجلسون أمام الكاميرات يتجادلون حول التغريدات والاستطلاعات. بات الرئيس ترمب محور كل شيء.
تباعاً، أثار قرار «سي إن إن» بتوظيف سارة إيسيغور إحدى الناشطات من الحزب الجمهوري كمحررة سياسية، في إطار استعداداتها لتغطية الانتخابات الرئاسية عام 2020. جدلاً كبيراً في الأوساط السياسية والشعبية والإعلامية.
كارل إيدسفوغ أستاذ الصحافة والإعلام في جامعة كنت بولاية أوهايو قال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن الإعلام انتهى في الولايات المتحدة، ولم يعد هناك صحافة. وأضاف: «صار التشويق هو سيد المرحلة، والمشكلة هي ترمب». وأشار إلى أن «المحطات لا تقوم بواجبها وبات همها الربح وليس المحاسبة».ووفقاً لإيدسفوغ: «إذا شاهد المرء أي محطة أميركية بنسختها الدولية، سيعثر على إعلام جيد، لكن داخل أميركا الأمر مختلف تماماً». واستطرد شارحاً أن «حتى المحطات المحلية ابتعدت عن محاسبة المسؤولين السياسيين ورجال الكونغرس وأخطاؤهم لم تعد تقلقهم». ولفت إلى «مشكلة إدارة وتمويل، الأمر الذي يضعف المغامرة على طرح قضايا مهمة».
بدورها، نقلت صحيفة «دايلي بيست» في تحقيق لها أن محطة «سي إن إن» أبلغت موظفيها في رسالة داخلية، أنها قررت تعيين سارة إيسيغور للاستفادة من خبراتها السياسية والحكومية. لكن الصحيفة أضافت أن الرسالة أغفلت أن يكون لإيسيغور أي تجربة صحافية، الأمر الذي انتقدته الدكتورة سحر خميس أستاذه الإعلام في جامعة مريلاند في حوار مع «الشرق الأوسط».
خميس قالت إنه من الطبيعي أن يكون هناك معلقين في المؤسسات الإعلامية، ومن اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة، لكن من النادر الاستعانة بشخصية سياسية لتولي منصب تحريري رفيع من دون خبرة إعلامية. وهو ما أثار تهكم الوسط الإعلامي.
ما أثار الجدل ليس فقط شحة تجربتها الإعلامية، لكن تاريخ سارة إيسيغور السياسي هو ما أثار جمهور المحطة التي تعتبر من أشد المعارضين لسياسات ترمب، وتحظى بمتابعة مكثفة، سواء من الجمهور المؤيد أو المعارض لها.
عملت إيسيغور في العديد من المنظمات والحملات السياسية اليمينية والمحافظة، وكانت مسؤولة حملة المرشحة الجمهورية كارلي فيورينا التي تنافست مع ترمب في انتخابات 2016. وكذلك في الحملة الرئاسية لميت رومني في مواجهة باراك أوباما عام 2012، واللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، وفي حملة تيد كروز لمجلس الشيوخ عام 2018. كما أنها كانت تعمل كمتحدثة سابقة باسم وزارة العدل تحت قيادة الوزير جيف سيشنز حتى استقالته في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، وهي الوظيفة التي تطلبت منها بحسب صحيفة «ديلي بيست»، أن تقسم الولاء للرئيس ترمب، فيما هي مكلفة الآن من «سي إن إن» بتغطية أخباره.
إيسيغور متهمة بأن تغريداتها على «تويتر» تكشف حقيقة انتمائها، حيث نفت مؤخراً أن يكون الرئيس ترمب قد شكك في وثيقة ولادة الرئيس السابق أوباما، وتكرر على الدوام الحديث عن نظرية المؤامرة وعن هيلاري كلينتون وعن معارضتها للمهاجرين وحظر السفر على بعض الدول ذات الغالبية المسلمة.
وكتب أحد المتحدثين باسمها على «تويتر» في إشارة لمحطة «سي إن إن» أنها ستعمل في «شبكة أخبار كلينتون»، ما سيساعدها على تنسيق التغطية عبر التلفزيون والإعلام الرقمي وستتأكد من عرض القضايا والأخبار الصحيحة ونشر المقالات عبر الإنترنت.
فتح تعيين إيسيغور جدلاً حول دور الإعلام الأميركي والجمهور الذي يخاطبه، وحاجة القوى السياسية لمنصات اتصال وتخاطب مع جمهورها.
وفيما يعتبر على نطاق واسع أن وسيلة اتصال وتواصل جمهور المحافظين سكان «الولايات الداخلية الزراعية»، هي الراديو وبعض المحطات المحلية، كانت المدن الأميركية الكبرى مركز تجمع الفئات الشابة والمثقفين ورجال الأعمال والمال، وتربطهم بالإعلام وسائل تواصل متعددة، تكثفت في المرحلة الأخيرة مع ثورة وسائل الاتصال الاجتماعي.
المؤسسات المحسوبة على التيار المحافظ يقف على رأسها محطة «فوكس نيوز»، فيما مشاهير مقدمي البرامج المحافظين ينشطون خصوصاً في الإذاعات كنجوم «حركة حزب الشاي»، التي تولت إدارة المواجهة مع أوباما، والمواقع الإلكترونية المحافظة «كبرايبت» التي أسسها وأدارها ستيف بانون مستشار الرئيس ترمب السابق.
في المقابل، تقف أسماء مؤسسات «ليبرالية» كبرى مثل «سي إن إن» و«إم إس إن بي سي» و«إن بي سي» و«إي بي سي» فضلاً عن صحف منها «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«لوس أنجليس تايمز» و«بوسطن غلوب» وغيرها، مدعومة بمئات المواقع الإلكترونية وبمنصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر» و«إنستغرام» وغيرها.
مدير «سي إن إن» جيف زوكر، الذي أشاد به ترمب عندما كان مديراً لمحطة «إيه بي سي» منتجة برنامج «إبرنتيس» الذي قدمه ترمب، دافع عن قرار المحطة، قائلا إن توظيف إيسيغور مفيد للمحطة وبأنها شخص استثنائي ستحسن تجربتها تغطية الشبكة، وهو ما وافق عليه في كتاب توظيفها ثلاثة من كبار مسؤولي المحطة، بحسب صحيفة «دايلي بيست».
لكن زوكر لا يخفي أن السنوات الثلاث الأخيرة، وهي الفترة التي صعد فيها ترمب، كانت من بين الأكثر نجاحاً في تاريخ المحطة. وقال في مقابلة مع برنامج «فانيتي فير»: «الناس يشتكون طوال الوقت من التحدث عن ترمب، ولكن في نهاية المطاف كل ما يريدون الاستماع إليه ومشاهدته هو ترمب. في كل مرة نبتعد فيها عنه لتغطية حدث آخر، يختفي الجمهور، ترمب يهيمن».
ويؤخذ على المحطة أنها على رغم انتقادها لترمب، فإنها خصصت الكثير من أوقات تغطيتها الإخبارية لمهرجاناته وخطبه حتى من دون تعليق، الأمر الذي اعتذر عنه زوكر.
في المقابل غطت المحطة القليل من نشاطات كلينتون السياسية، وخصص برنامجها الشهير «ستيوايشين رووم» الذي يقدمه وولف بليتزر أكثر من 60 في المائة من تغطيته لقضية بريدها الإلكتروني بحسب دراسة أجرتها جامعة هارفرد.
تدافع بعض الأوساط عن تجربة الاستعانة بسياسيين تحولوا إلى الإعلام، أمثال مقدم البرامج جورج ستيفانوبولوس الذي جاء من البيت الأبيض إبان عهد كلينتون إلى محطة «إي بي سي». لكن مسيرة انتقاله كانت بطيئة إذ عمل معلقاً سياسياً في المحطة قبل تحوله إلى مقدم بحسب «دايلي بيست». لكن البروفسور إيدسفوغ يقول إن ستيفانوبولوس ليس مثالاً جيداً، فقد حوَّل التلفزيون إلى تهريج، وأن تلك التجارب كاريكاتيرية والهدف منها ليس الموضوعية أو التوازن بل زيادة عدد المشاهدين، بمعزل عما تطرحه إدارة هذه المحطة أو تلك. ويهاجم إيدسفوغ أداء المحطات الكبرى، لكنه يؤكد أن هناك بعض المحطات والمؤسسات الإعلامية المحترمة التي تسعى للحفاظ على موضوعيتها وعدم الانحياز، لكنها للأسف تتركز في غالبيتها في الإعلام المكتوب، مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«ريبابليكا»، بحسب قوله.
إدارة «سي إن إن» تؤكد أنه كلما كانت وجهات النظر ممثلة أكثر في غرفة الأخبار كان ذلك أفضل، وأن إيسيغور ستكون واحدة من اثني عشر شخصاً سيساعدون في تنسيق تغطيتها السياسية للانتخابات وبأنها مؤهلة للغاية. وتؤكد أن أمثلة انتقال السياسيين إلى غرف الأخبار كثيرة، من ستيفانوبولوس إلى نيكول والاس ودانا بيرينو وتيم روسرت في محطات «إم إس إن بي سي» و«فوكس نيوز» و«إن بي سي». لكن البروفسور إيدسفوغ يقول: «أن تكون شخصاً استثنائياً لا يعني أنك مؤهل لتكون محرراً إخبارياً، فيما تنقل «دايلي بيست» عن مصادر في «سي إن إن» أن حالة من الغضب تسود بين موظفي المحطة، قائلين إن مقارنة إيسيغور بستيفانوبولوس لا تستقيم. فالأخير لم يقسم الولاء لكلينتون، وأنه بدأ عمله معلقاً وليس محرراً في غرفة الأخبار.
ويعتقد البروفسور كارل إيدسفوغ أن الساحة الإعلامية ستشهد المزيد مما شهدته في الحملة الانتخابية السابقة ومن ادعاءات الحياد، مؤكداً أن الانقسام سيزداد ويتعمق، وستغرق المحطات في مزيد من الانحياز.
الدكتورة سحر خميس أكدت من جهتها أن ما يضمن تغطية متوازنة لانتخابات 2020 هو ضبط المعايير المهنية والتحقق من الخبر. وأضافت أن الأمر قد يكون صعباً لأن الإعلام الأميركي بغالبيته إعلام تجاري يبغي الربح، والحل يكمن في محاولة إيجاد مؤسسات إعلامية لا تبغي الربح، ودعم المحطات غير الربحية مثل «بي بي سي» البريطانية و«إن بي أر» الأميركية.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

«أو إس إن بلس»: السعودية سوق استراتيجية لنمو خدمات البث والترفيه

نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» تتوقع استمرار التحولات في صناعة البث مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات (الشرق الأوسط)
نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» تتوقع استمرار التحولات في صناعة البث مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات (الشرق الأوسط)
TT

«أو إس إن بلس»: السعودية سوق استراتيجية لنمو خدمات البث والترفيه

نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» تتوقع استمرار التحولات في صناعة البث مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات (الشرق الأوسط)
نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» تتوقع استمرار التحولات في صناعة البث مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات (الشرق الأوسط)

ذكرت تيريزا ريو، نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي»، أن سوق خدمات البث الرقمي في الشرق الأوسط تدخل مرحلة جديدة من النضج، تنتقل فيها المنافسة من استقطاب المشتركين إلى الاحتفاظ بهم، وتعزيز ارتباطهم بالمنصات، وسط ارتفاع تكاليف الإنتاج وازدياد الخيارات الترفيهية.

ريو، صرّحت خلال حوار مع «الشرق الأوسط» بأن المملكة العربية السعودية، تحديداً، «تمثل سوقاً استراتيجية للنمو طويل الأمد بالنسبة إلى (أو إس إن بلس)»، وأردفت موضحة أن «تطور تفضيلات الجمهور السعودي، وارتفاع توقعاته يدفعان المنصات إلى تبني استراتيجيات محلية تتجاوز الحملات التسويقية التقليدية».

ومن جهة ثانية، توقّعت نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» استمرار التحوّلات في صناعة البث، مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات، وذلك في ظل الضغوط المتزايدة لتحقيق التوازن بين النمو والربحية، وأكّدت أن «جودة المحتوى وتجربة المستخدم وكفاءة الاستثمارات عوامل رئيسة ستحدد مستقبل المنافسة».

السعودية «سوق استراتيجية»

تيريزا ريو وصفت السوق السعودية بأنها «إحدى أكثر أسواق الترفيه حيوية في المنطقة، مدفوعةً بجمهور شاب ومطلع على الاتجاهات العالمية، مع اهتمام متزايد بالأعمال الدرامية الكبرى وأفلام الرعب والتشويق».

واستشهدت بأداء السينما السعودية، فقالت: «إن أفلام الرعب، مثلاً، حققت إيرادات بلغت 111.4 مليون ريال (29.7 مليون دولار) خلال عام 2025، مستحوذة على 12 في المائة من إجمالي إيرادات شباك التذاكر، لتصبح ثالث أعلى الأنواع السينمائية تحقيقاً للإيرادات في المملكة».

وبالتوازي، شدّدت على أن «النجاح في السوق السعودية يتطلّب فهماً عميقاً للثقافة المحلية وبناء علاقات مستدامة مع الجمهور والمبدعين»، مضيفة أنه «لا يمكن تحقيق النجاح في السعودية بمجرد نقل تجربة إقليمية إليها وزيادة الإنفاق الإعلاني عليها».

ومن هذه النقطة انطلقت لتشرح أن «أو إس إن بلس» تنظر إلى المملكة اليوم «بوصفها سوقاً للنمو المستدام، وليس مجرد فرصة لزيادة المشتركين، ومن الحيوي إدراك أهمية الاستثمار في العلاقات المحلية، وتعزيز ارتباط المنصة بالمشهد الإبداعي السعودي».

تيريزا ريو (الشرق الأوسط)

المنافسة على وقت الجمهور

وحول مستقبل القطاع، رأت ريو أن سوق البث في الشرق الأوسط لا تزال تمتلك فرصاً للنمو، لكنها تنتقل من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة تصبح فيها القدرة على الاحتفاظ بالمشتركين عاملاً حاسماً. وأردفت من ثم «إن السؤال لم يعُد يتعلق باستعداد المستهلكين لاستخدام خدمات البث، بعدما أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، بل بالمنصّات القادرة على الاحتفاظ بمكانة دائمة لديهم والحصول على حصة من إنفاقهم».

أيضاً، أشارت ريو إلى أن المنافسة ما عادت محصورة بين شركات البث، بل امتدت إلى منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت؛ إذ قال: «نحن الآن نتنافس على وقت الجمهور واهتماماته بقدر ما نتنافس مع منصات البث الأخرى... وبناءً عليه، فإن مجرّد امتلاك مكتبة واسعة من الأفلام والمسلسلات لم يعُد كافياً لضمان النجاح؛ إذ لا بد أيضاً من أن يقترن بسهولة اكتشاف المحتوى وتجربة استخدام تشجع المشاهد على العودة».

تحولات سلوك المشاهدين

ولفتت ريو إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي «باتت تؤدي دوراً رئيساً في توجيه قرارات المشاهدة، إذ يصل كثير من المستخدمين إلى منصّات البثّ الآن بعدما يكونون قد تعرّفوا على الأعمال عبر (تيك توك) و(إنستغرام) و(يوتيوب)، أو من خلال توصيات الأصدقاء وصنّاع المحتوى».

وتابعت أن هذا التحوّل «بات يفرض على المنصّات تطوير استراتيجيّات تسويقيّة تبدأ قبل دخول المشاهد إلى التطبيق، مع التركيز على تسهيل الوصول إلى المحتوى المناسب».

من جهة ثانية، حذّرت ريو من أن «وفرة الخيارات قد تتحول إلى عائق أمام المستخدم، ذلك أن بعض المشاهدين يمضون راهناً نحو 15 دقيقة في تصفّح مئات العناوين، لكن من دون اتخاذ قرار». وشددت على أهمية تحليل سلوك الجمهور، بما يشمل كيفية اكتشاف الأعمال وأوقات مشاهدتها واهتماماته، لتطوير المحتوى والمنتجات وتحسين تجربة الاستخدام.

الرعب والدراما يتصدّران الاهتمامات

على صعيد موازٍ يتعلق بتفضيلات المشاهدين، قالت ريو إن «أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتنوّع وتختلف ثقافياً وديموغرافياً؛ ما يجعل التعامل معها بوصفها سوقاً موحّدة عملية غير دقيقة»، ثم تطرّقت إلى استمرار الطلب على الأعمال الدرامية الكبرى، إلى جانب تنامي الاهتمام بقصص الجريمة والرومانسية والرعب، «الذي تحوّل من نوع محدود الانتشار إلى فئة رئيسة تستقطب شرائح واسعة من الجمهور.... والأعمال المعروفة التي يفضّل المشاهدون إعادة متابعتها تحتفظ بأهميتها؛ إذ لا ترتبط قرارات الاشتراك بالإنتاجات الجديدة وحدها، بل تشمل أيضاً الوصول إلى مكتبة متنوعة من الأعمال المألوفة».


«إنستغرام» تراهن على الفيديو الطويل... وتُصعّد المنافسة مع «يوتيوب»

«إنستغرام» تراهن على الفيديو الطويل... وتُصعّد المنافسة مع «يوتيوب»
TT

«إنستغرام» تراهن على الفيديو الطويل... وتُصعّد المنافسة مع «يوتيوب»

«إنستغرام» تراهن على الفيديو الطويل... وتُصعّد المنافسة مع «يوتيوب»

في خطوة تعكس احتدام المنافسة على سوق الفيديو الطويل، عرضت منصّة «إنستغرام» التابعة لشركة «ميتا» أخيراً على عدد من صُنّاع المحتوى مبالغ تصل إلى 500 ألف دولار، مقابل نشر مقاطع طويلة عبر خاصّيّتها الجديدة «فيتشرز»، التي أطلقتها قبل أيام، في مرحلة اختبار أولى داخل الولايات المتحدة بعد تجربتها في البرازيل.

الخاصّيّة هذه تتيح نشر فيديوهات أفقية تصل مدتها إلى 90 دقيقة، لكن صُنّاع المحتوى وفق موقع «بيزنس إنسايدر» أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي «لا يجدون سبباً مُقنعاً لاستخدامها»، ما دام «يوتيوب» يمنحهم 55 في المائة من عائدات الإعلانات على فيديوهاتهم الطويلة.

لذا لجأت «إنستغرام» إلى المال مباشرةً، فعرضت على بعض الأسماء 50 ألف دولار، وعلى آخرين مئات الآلاف. واللافت أن هذه العروض لا تطالِب أحداً بترك «يوتيوب»، بل تكتفي، وفق ما نقله الموقع عن أحد المطّلعين على الصفقات، بأن يُنشر الفيديو على «إنستغرام» في اليوم نفسه الذي يُرفع فيه على «يوتيوب».

«ميتا» أكدت من جانبها أنها «ستموّل محتوى هذه الخاصّيّة مباشرة مع بعض صُنّاع المحتوى من دون أن تكشف عن الأرقام». في حين اعترف رئيس «إنستغرام» آدم موصيري في فيديو الإعلان عن الخاصّيّة بأنه ظل لفترة طويلة ضد فكرة الفيديو الطويل على المنصة، ثم كتب لاحقاً عبر «ثريدز» أن فريقه يدرس خيارات عدة لتمكين صُنّاع هذا النوع من المحتوى من تحقيق دخل يضمن لهم الاستمرار.

وللعلم، سبق لـ«ميتا» أن جرّبت هذا الطريق من قبل؛ ففي عام 2021 خصّصت مليار دولار لتشجيع صُنّاع المحتوى على هذا النمط الذي يحتاج إلى جهد أكبر، وشمل ذلك مدفوعات لمن يقبلون عرض الإعلانات على فيديوهاتهم، لكن النتيجة لم تكن على قدر المال المدفوع.

بحسب تحليل لمنصة «فيد آي كيو»، في أغسطس (آب) الماضي، يدفع «يوتيوب» بين دولار و10 دولارات لكل ألف مشاهدة على الفيديو الطويل، في حين أن عائد المشاهدات وحدها على «إنستغرام» يكون صفراً من دون صفقة مع علامة تجارية، ثم إن صانع المحتوى الذي يتخطّى المليون مُشترك قد يحقِّق أكثر من 50 ألف دولار شهرياً على «يوتيوب»، بينما يتقاضى نظيره على «إنستغرام» ما بين 5 إلى 15 ألف دولار عن المنشور الواحد المموّل.

حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبّي، يقول إن «ما يحدث تحوّل حقيقي في استراتيجية المنصّات الرقمية، لكن من المبكّر اعتباره تحوّلاً نهائيّاً في سلوك الجمهور لصالح الفيديو الطويل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر «ليس تراجعاً عن الفيديو القصير، بل محاولة للجمع بين نمطين مختلفين من المشاهدة داخل المنصة الواحدة، ذلك أن المنافسة بين (إنستغرام) و(يوتيوب) لم تعُد على عدد المشاهدات، بل تمسّ أيضاً وقت المُستخدم وعلاقته بالمنصة، والقدرة على الاحتفاظ بصُناع المحتوى والجمهور معاً».

وذكر مصطفى إلى أن «الحوافز المالية الكبيرة تعكس رغبة (إنستغرام) في تسريع تفعيل الخاصية، ولا تعني بالضرورة وجود طلب جماهيري مستدام عليها».

ولفت إلى أن «الجمهور أصبح أسرع في تجاوز المحتوى الذي لا يقدم له قيمة واضحة، لكنه لا يزال مستعداً لمنح وقت طويل لمحتوى يجد فيه فائدة معرفية أو متعة». وتابع أن «المشكلة ليست في أن الجمهور لم يعد يستطيع المشاهدة الطويلة، بل في أن صانع المحتوى أصبح مطالباً بتقديم سبب مقنع يجعل المشاهد يمنحه هذا الوقت».


السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».