مجلس النواب الليبي يتراجع وينفي دعوته لتدخل عسكري دولي

ميلشيات طرابلس المسلحة تسابق الزمن لتحقيق إنجازات عسكرية

مجلس النواب الليبي يتراجع وينفي دعوته لتدخل عسكري دولي
TT

مجلس النواب الليبي يتراجع وينفي دعوته لتدخل عسكري دولي

مجلس النواب الليبي يتراجع وينفي دعوته لتدخل عسكري دولي

بدا أمس أن الميلشيات المسلحة التي تخوض منذ الشهر الماضي صراعا دمويا بالأسلحة الثقيلة للسيطرة على مطار العاصمة الليبية طرابلس، تسعى لاستباق التدخل الدولي المحتمل أو زيارة وشيكة لمبعوث الأمم المتحدة، وذلك بمحاولة حسم المعارك الطاحنة لصالحها وتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض.
وتصاعدت حدة القتال في محيط مطار طرابلس الدولي، فيما دافع مجلس النواب الليبي عن قراره بشأن دعوة المجتمع الدولي لوقف القتال الدائر منذ أكثر من شهر وخلف مئات القتلى والجرحى.
وقالت مصادر أمنية وعسكرية في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن «عدد الضحايا كبير من كل الأطراف المتحاربة، لكن لا تتوافر أي إحصائيات رسمية». مشيرة إلى أن الهلال الأحمر الليبي طلب من وزارة الداخلية رسميا توفير سائقين نظرا لعدم وجود سائقين يستطيعون الدخول لمناطق الاشتباكات.
وأوضحت المصادر أن القصف استمر بشكل متواصل منذ مساء أول من أمس وحتى مساء أمس دون توقف، حيث شمل عدة أماكن من طريق المطار وحي الأكواخ إلى جنزور مرورا بالسراج والنجيلة.
وكشفت المصادر النقاب عن وصول عتاد عسكري وذخيرة إضافية لميليشيات مصراتة وحلفائها من الجماعات المتطرفة، مشيرة إلى أن «المعلومات المتوفرة حتى الآن تفيد بسيطرة قوات فجر ليبيا على رئاسة الأركان وميدان الفروسية وسيطرة شبه تامة على محيط المطار».
في غضون ذلك، دافع مجلس النواب الليبي عن قراره بدعوة المجتمع الدولي للتدخل لوقف القتال الدائر في العاصمة، حيث قال إنه «لم يكن يعني التدخل العسكري المباشر، فيما بدا أنه بمثابة تراجع عن قراره في هذا الخصوص».
وقال المجلس في بيان له أمس إنه «اضطر إلى إصدار القرار بدعوة مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة للتدخل مبدئيا وممارسة بعض من الضغوط على ذوي العلاقة بالنزاع في الداخل أو الخارج، لفرض الأمن وحماية المدنين». وشدد على أن الغاية من ذلك القرار لم تكن الاستقواء بالأجنبي كما يروج البعض وتسوق له بعض وسائل الإعلام في حملات إعلامية غايتها بث الفتنة والتفريق بين أبناء الشعب الواحد، مؤكدا أنه «لن يكون هناك تدخل أجنبي على أرض ليبيا العزيزة إلا بغية حمايتها من العبث والتقسيم».
ولفت البيان إلى تأكيد أعضاء مجلس النواب «ممثلي الشعب الليبي على حرصهم على أمن وأمان جميع الليبيين ووحدة تراب ليبيا، برا بعهدهم ووفاء لأرواح الشهداء وتقديسا لدماء عطرت التراب الليبي ثمنا للحرية وتحقيقا للديمقراطية وسيادة دولة العدل والقانون».
وقال المجلس إنه دعا في قرارات رسمية سابقة كل أطراف النزاع إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار والاقتتال بين أطراف النزاع، لكنها لم تلتزم بتنفيذ القرار رغم صدور الأوامر لكل التشكيلات العسكرية بضرورة الالتزام بالتنفيذ.
ولفت المجلس إلى ما تشهده البلاد من ترد للأوضاع الأمنية واقتتال بين الإخوة وترويع للآمنين واقتحام لمقار مؤسسات الدولة والعبث والتخريب، وهدر للأموال العامة والخاصة، وحملات إعلامية رخيصة غايتها النيل من الشرعية وخيار ارتضاه الشعب الليبي بحرية ووعي إدراكا منه لخطورة المرحلة وحساسيتها. وأضاف: «لما كان لتدخل مجلس الأمن إبان حرب التحرير له ما يبرره، استنادا منه للإجماع العربي والدولي بوجوب التدخل بغاية وبهدف حماية المدنيين في مواجهة طاغية مستبد، فإن الحاجة لوقف حمام الدم وحرب إخوة الأمس الذين وحدتهم غاية الإطاحة بنظام الطغيان والاستبداد، وقد صيرتهم نعرات سياسية وغايات مشبوهة وهويات غريبة عن المجتمع الليبي إلى أعداء يتقاتلون ودونما وعي لماهية الواجب تجاه ليبيا أو لإدراك حقيقة الموقف».
ولاحظ أن أرواح الليبيين عادت لتكون مهددة وفي خطر يفوق الخطر الذي استدعى مجلس الأمن للتدخل إبان بدايات ثورة السابع عشر من فبراير (شباط) عام 2011 ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي، مشيرا إلى أن هذا حدث في الوقت الذي لم تخل فيه ليبيا من التدخل الأجنبي خفيا كان أو ظاهرا وبأشكال متعددة.
من جهته، قال مكتب بيرناردينو ليون مبعوث الأمم المتحدة الخاص الجديد إلى ليبيا إنه «يعتزم زيارة طرابلس في مطلع الأسبوع المقبل سعيا لتحقيق هدنة بين الفصائل المسلحة التي حولت الاشتباكات فيما بينها إلى مناطق من العاصمة الليبية إلى ساحة قتال».
وقال بيان من مكتب ليون إن «زيارته لطرابلس لإجراء محادثات ستشرف عليها الأمم المتحدة باعتبارها الوسيط الدولي الوحيد المقبول لدى جميع الأطراف الليبية». وأضاف البيان «في هذا الإطار اعتزم السفر إلى طرابلس في مطلع الأسبوع المقبل لمواصلة دعم المحادثات بين الأطراف».
وقال ليون «في رأيي الشخصي هناك بعض الأمور الملحة وهناك مبدأ يجب الاتفاق عليه. المبدأ هو أنه يجب أن يكون هناك وقف حقيقي لإطلاق النار.. أتوقع من خلاله أن يجري كلا الطرفين المحادثات بنية حسنة وألا يستغلوها من أجل إعادة تنظيم قواتهم». وأضاف أن المحادثات يجب أن تتعامل مع الصراعات في مناطق أخرى في ليبيا وسيطرة الحكومة على المطارات بمساعدة الأمم المتحدة وانسحاب الجماعات المسلحة وحلفائها من طرابلس.
واندلعت معظم المعارك حول مطار طرابلس الدولي الذي يسيطر عليه مقاتلون من الزنتان منذ أن شقوا طريقهم إلى العاصمة خلال حرب عام 2011.
وتبادلت قوات الزنتان ومصراتة القصف بصواريخ غراد والمدفعية في جنوب طرابلس مما أجبر مئات الأسر على الفرار من ديارها وأسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص.
وتظاهر عدة آلاف في طرابلس وبنغازي ومصراتة ومدن أخرى وهاجم مسلحون المتظاهرين في ميدان الشهداء في وسط طرابلس وردت الشرطة بإطلاق النار ولم يتضح وقوع أي إصابات.
وقالت وكالة الأنباء المحلية إن مدن طرابلس ومصراتة وبنغازي وغريان شهدت مظاهرات حاشدة رفضا لدعوات التدخل الأجنبي في ليبيا تحت أي مسمى، ومعارضة لعقد جلسات مجلس النواب بمدينة طبرق، وتأييدا لما يعرف بعملية فجر ليبيا. وجدد المتظاهرون المطالبة بالإسراع بنقل جلسات البرلمان لمقره بمدينة بنغازي، معتبرين أن عقده في طبرق غير دستوري وغير قانوني وغير شرعي.
وفي علامة على الاستقطاب العميق في البلاد خرجت جماعة تؤيد اجتماع البرلمان في بلدة طبرق الشرقية وقراره دعوة الأمم المتحدة للتدخل إلى الشوارع في مدينة بنغازي. ويصف ساسة من ذوي الميول الإسلامية وحلفاؤهم من مدينة مصراتة اجتماع البرلمان بأنه غير دستوري لانعقاده في طبرق بدلا من طرابلس أو بنغازي.
وزادت معركة منفصلة تدور في مدينة بنغازي في شرق ليبيا من صعوبة الوضع الأمني في ليبيا حيث طرد تحالف من المتشددين الإسلاميين ومقاتلي المعارضة السابقين الجيش من المدينة.
ويسعى ليون إلى إنهاء القتال بين كتائب من مصراتة ومقاتلين متحالفين مع بلدة الزنتان في غرب البلاد بعد تفجر الصراع بينهما في صورة اشتباكات هي الأسوأ منذ الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي عام 2011.
ودفعت المعارك بين كتائب المقاتلين السابقين الذين حاربوا القذافي معا الأمم المتحدة والحكومات الغربية إلى إغلاق بعثاتها وإجلاء الدبلوماسيين خوفا من انزلاق ليبيا إلى أتون حرب أهلية.
ولا تزال الحكومة الهشة في ليبيا دون جيش وطني وتصرف رواتب منتظمة غالبا لمقاتلي المعارضة السابقين باعتبارهم قوات أمن شبه رسمية كطريقة لاستمالتهم لتأييد الدولة الجديدة.
لكن الفصائل المدججة بالسلاح تتحالف مع فصائل سياسية متنافسة وهم غالبا ما يبدون ولاء لمناطقهم أو مدينتهم أو للقادة العسكريين المحليين أكثر من ولائهم للحكومة المركزية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.