المتحف البريطاني يستعيد سيرة آشوربانيبال

ألواح طينية وجداريات وشواهد وتماثيل تروي فصولاً من قصة الإمبراطورية الآشورية

جدارية لإحدى غزوات آشوربانيبال... وفي الإطار مجسم لرأسه
جدارية لإحدى غزوات آشوربانيبال... وفي الإطار مجسم لرأسه
TT

المتحف البريطاني يستعيد سيرة آشوربانيبال

جدارية لإحدى غزوات آشوربانيبال... وفي الإطار مجسم لرأسه
جدارية لإحدى غزوات آشوربانيبال... وفي الإطار مجسم لرأسه

في استعادة هي الأكبر والأبهى للملك والإمبراطورية الآشورية، نظم المتحف البريطاني معرضاً شاملاً بعنوان «أنا آشوربانيبال ملك العالم». وما إن يدخل الزائر القاعات الكبيرة التي خُصِصتْ لهذا المعرض، حتى يتعرف على سيرة أهم ملوك الحضارات القديمة والإمبراطور الذي سمى نفسه بكل فخر ملك العالم، لأنه وخلال فترة حكمه التي بلغت أربعين عاماً من القرن السابع قبل الميلاد (640 - 669 ق.م)، كان قد وسع حدود مملكته لتشمل تركيا وقبرص شمالاً، وجنوباً إلى الخليج العربي وغرباً حتى الأردن ومصر. المعرض الذي أغلق أبوابه أمس يعرّف الزوار بفصول من قصة الإمبراطورية الآشورية والتي دُوّنتْ بالتفصيل وبكلمات آشوربانيبال غالباً، والتي وصلتنا عبر الألواح الطينية والجداريات والشواهد والتماثيل وأدوات الطبخ والزينة وغيرها من اللقى الأثرية.
- الملك ورياضة صيد الأسود
الجدارية الأولى التي تستقبل الزائر، تصور بدقة وتفصيل مذهل، الملك وهو يصارع الأسود التي ترمز إلى الفوضى والأخطار المحدقة بالإمبراطورية، رغم أن الملك هو سيد الجدارية بقامته التي تفوق الآخرين وبزيه المزركش وحصانه المزين، لكن الفنان الآشوري كان سّيد الإتقان في النحت النافر للأسود وبقية الحيوانات في الجدارية، وتصوير المشهد الملكي بعرباته، بل حتى أزميل الكتابة الذي يمكن تمييزه بسهولة في حزام الملك، والذي يُظهره ليس محارباً شديد القوة والكبرياء فقط، بل محباً للكتابة والعلم، وهو أول حاكم في التاريخ البشري الذي جمع بين الشجاعة والنفوذ وحب العلم والكتابة والتدوين.
آشوربانيبال، حفيد الملك سنحاريب الذي بنى قصره الكبير في نينوى وزيّن مداخله بالثيران المجنحة، والابن الثالث للملك آسرحدون، عُرِفَ بالنصوص اللاتينية باسم «ساردانابالوس». تلقى العلم صغيراً على يد كاهن اسمه «بلاسي»، وفي لوح طيني معروض في إحدى الواجهات الزجاجية للمعرض، نقرأ ترجمة لشكر الكاهن للملك آسرحدون على اختياره لهذه المهمة، كما نقرأ في لوح طيني صغير رسالة من آشوربانيبال الصبي إلى أبيه وفيها إشارة واضحة إلى إتقانه عدة لغات منها السومرية والأكدية والآرامية: «مولاي الملك من خادمك آشوربانيبال، لقد تعلمتُ حكمة آدابا، والعلم السري للطباعة، بمقدوري الآن التفريق بين نبوءات الآلهة، وبين التكهنات الأرضية ولي القدرة على مناقشتها علانية مع الكهنة، وقد تفحصتُ بعناية كل ما نقش على الحجر، حتى من عصر قبل الطوفان». خصه أبوه بولاية العهد، بينما عيّن أخاه الأكبر (شمش شون أوكين) حاكماً على بابل، مما أوغر صدر الأخ حسداً وحقداً عليه، ولاحقاً سيثور عليه أخوه بمساعدة العيلاميين والعرب، مما اضطر آشوربانيبال إلى محاصرة بابل لمدة سنتين وتعريض أهلها للأوبئة والمجاعة، ثم اقتحامها وقتل أخيه، ونقرأ في لوح طيني كلمات آشوربانيبال يصف حال البابليين أثناء الحصار: «بدل أكل الخبز، أكلوا أجساد أولادهم، وبدل شرب الجعة، شربوا دماء بناتهم، شُلّت أطرافهم من ندرة الطعام، وأصبحوا كالجثث المتفسخة».
- استعادة زمن الإمبراطورية الآشورية
من خلال الجداريات التي زينت قصر الملك البهيج في نينوى والتي أُريد منها أنّ تُقرأ كأنها سيرته الذاتية، ومن خلال الألواح الطينية التي وصلتنا، والمؤثرات الصوتية وحتى رسم خريطة الإمبراطورية الآشورية على أرضية القاعة الرئيسية، يعيدنا هذا العرض الرائع إلى زمن آشوربانيبال كملك جمع بين القوة والحكمة. ورغم مرور ما يقارب 2600 سنة على هذه الجداريات الفخمة والأنيقة، لكنها لم تفقد بهاءها وقدرتها على التأثير على من يشاهدها، وهي ببساطة تسحب الزائر كلياً إلى التعرف على حضارة الآشوريين بكل تفاصيلها، وقد ساعدت المؤثرات الضوئية الملونة التي أُضيفتْ بإتقان، في توضيح الأحداث المهمة المنقوشة في الجداريات لغرض جذب انتباه الزائر لها. وآشوربانيبال حاضر في مركز هذه الجداريات، رجل مفتول العضلات ومهيب بين جنوده أو بين ضحاياه، وبينما كان الملوك يحكمون بالسيف، كان آشوربانيبال يعلن أن للقلم قوة تضاهي قوة السيف. ففي قاعة العرض الرئيسية، ارتفعتْ مكتبة عملاقة تضم بين رفوفها المئات من الألواح الطينية المكتوبة باللغة المسمارية التي تشقق بعضها، ومن ضمن محتوياتها ألواح ملحمة كلكامش وألواح في الطب والسحر والتنجيم والرياضيات والموسيقى. جمع الملك الآشوري المتناقضات في يد واحدة، فهو محارب قاسٍ وعنيد وفي الوقت نفسه هو عالم حقيقي، يتلذذ بالجري بعربته الملكية في ساحات قصره ومصارعة الأسود ثم يعود إلى عرشه ليتبادل الحوار مع مستشاريه ذوي الخبرة بمواقع النجوم، سحق أعداءه وخرب مدنهم وسجل انتصاراته بتفاصيلها في جداريات فنية باهرة، وصمم الحدائق واعتنى بالزراعة وجلب الحيوانات إليها من مختلف أقاليم الإمبراطورية. كان يولي أهمية متوازية لاحتلال مدينة طيبة المصرية العظيمة، وتهديم أبنيتها واسترقاق أهلها، وجمع المخطوطات والألواح الطينية التي تحفظ كل ما دونته علوم الحضارات قبله في مكتبته التي احتوت على ما يقارب ثلاثين ألف لوح طيني، واعتبرتْ أكبر مكتبة لعلوم ذلك العصر ومعارفه كما يصفها آشور بكلماته: «أنا آشوربانيبال، ملك الآشوريين، ملك العالم، الذي يؤمن بآشور وإنليل، والذي أعطاه نابوتاشيمتو آذانا صاغية، والذي وُهب نفاذ البصيرة، وحكمة نابو، وإشارات الكتابة، وقد كتبتها على الألواح، ورَتبتُ الألواح في سلاسل، وجمعتها، لأجل تأملاتي وتلاواتي الملكية، ووضعتها في قصري».
- الهوية التاريخية لنينوى
توسعت الإمبراطورية في عهده، بفضل تنظيم الجيوش الدقيق، وتقسيم الإمبراطورية إلى مقاطعات وتعيين حكّام يدينون له بالولاء التام، وتأمين طرق التجارة والبريد، رسائل الملك إلى ولاته لا تستغرق سوى بضعة أيام للوصول، وهي عبارة عن ألواح طينية صغيرة، وعُرضت إلى جانبها الظرف الذي وضعت به والختم الملكي الذي خُتمت به. كانت صفوة الناس في الأقاليم التي خضعت للإمبراطورية الآشورية، يصففون لحاهم بطريقة الآشوريين ويرتدون الثياب الطويلة في محاولة منهم لمحاكاة أزياء أهل نينوى عاصمة العالم في فترة آشور. ونتيجة للغزو المتواصل، شهدت الإمبراطورية في عهد آشوربانيبال موجات نزوج بشرية هائلة، استفيدَ منهم في زراعة الأراضي القاحلة وتشييد المدن وإنتاج البضائع، ونتيجة لذلك عمّ الرخاء واتسعت التجارة، واستحدثتْ لغات جديدة وفنون وأفكار وتقنيات لتسهيل حياة الناس.
- دمار نينوى عبر العصور
ورغم كل التفاصيل التي دونها آشوربانيبال لتوثيق فترة حكمه، فإنّ سنواته الأخيرة لاتزال مجهولة، فموته لم يُدوّن بأي سنة، فربما مات موتاً طبيعياً أو خُطف أو خُلع عن العرش قسراً، ومن المحتمل أنه دفن إلى جانب أبيه وجده في مدينة آشور. خلفه لفترة وجيزة ابنه (آشور - إتيلياني)، ثم قاد ابنه الآخر (شنشار - إشكون) تمرداً ضد أخيه أدخل الإمبراطورية في حرب أهلية وبدأت مقاطعاتها بالانفصال. عام 612 ق.م حُوصرتْ نينوى وسُلبت وأحُرقت على يد العيلاميين والبابليين والمديين. لكن ألواح مكتبة آشوربانيبال الطينية ازدادت صلابة بفعل النار، وظلت مطمورة تحت التراب لمدة 2500 عام. بدأت التنقيبات الحديثة في النصف الأول من القرن التاسع عشر على يد القنصل الفرنسي في الموصل ثم بواسطة الدبلوماسي والفنان وعالم الآثار البريطاني أوستن هنري ليارد، الذي رسم لوحات متخيلة لمدينة نينوى في أوج ازدهارها، ومساعده العراقي الآشوري هرمز رسام. ويعود لهما الفضل في العثور على مكتبة آشوربانيبال والقصور الملكية في نينوى ونمرود وكالح. وصل أول الثيران المجنحة إلى لندن عام 1851 واستقر في المتحف البريطاني، حيث كان أعجوبة للزائرين.
ولا تزال هناك فصول تروى في قصة مدينة نينوى لإثبات الهوية التاريخية لهذه المدينة العريقة، والتخريب الذي تعرضت له آثار المدينة على يد «داعش» عام 2015. أحد هذه الفصول المؤلمة. يستعرض المعرض في جزئه الأخير بالأفلام الوثائقية الحديثة من المواقع الأثرية، المساعي النبيلة لإدارة المتحف البريطاني للحفاظ على إرث الفنون الآشورية، من خلال تدريب الآثاريين العراقيين ومساعدتهم بترميم ما يمكن ترميمه من الخراب الذي سببته عصابات «داعش». رافقت هذا المعرض الضخم، الكثير من الندوات والفعاليات التي عرفت الجمهور الغربي بتاريخ وحضارة وادي الرافدين بشكل عام والحضارة الآشورية خاصة.


مقالات ذات صلة

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

يوميات الشرق قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأميرال نلسون، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق المتهمان بحيازة تابوت أثري بعد توقيفهما في سوهاج (وزارة الداخلية المصرية)

مصر: ضبط تابوت أثري نادر بسوهاج قبل الاتجار به

تمكنت الأجهزة الأمنية المصرية من ضبط تابوت أثري يعود إلى العصر الروماني المتأخر قبيل الاتجار به.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن سُرقت من متحف هولندي

أعلنت السلطات الهولندية، الخميس، استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن تعود إلى رومانيا، كانت قد سُرقت، العام الماضي، من متحف في هولندا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
يوميات الشرق جانب من المدينة الذهبية التي تم اكتشافها في الأقصر سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

«البعثات الأثرية المصرية» في الأقصر يكشف أسرار «المدينة الذهبية»

كشف ملتقى للبعثات الأثرية المصرية في الأقصر عن دراسة تتناول تأثير المناخ والجيولوجيا المحلية على العمارة المدنية بمدينة أمنحتب الثالث.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق افتتاح معرض بيبلوس في معهد العالم العربي بباريس (وسائل التواصل)

غسان سلامة: كثافة الآثار اللبنانية ترفع مستوى التحدي خلال الحرب

التراث اللبناني اليوم يقف في مواجهة تهديد وجودي، مع تصاعد الحرب واتساع نطاق المخاطر التي تطال ذاكرة الإنسانية

سوسن الأبطح (بيروت)

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.