ما يسرده التاريخ... توثقه الحكايات

قراءة الحكائي والتاريخي في رواية «المشراف»

ما يسرده التاريخ... توثقه الحكايات
TT

ما يسرده التاريخ... توثقه الحكايات

ما يسرده التاريخ... توثقه الحكايات

تبدو رواية «المشراف»، وهي التجربة السردية الأولى للإعلامي عبيد السهيمي، (صدرت عن دار مسكلياني. تونس، 2019)، رواية جديرة بالاحتفاء، لكونها تحتفي بالحكاية وبالتاريخ معاً، فالتقاطع بين الحكاية والتاريخ قد شكَّل أبعاداً ودلالاتٍ أثارت أسئلة الإبداع والمكان والزمان والواقع؛ أثارت علاقة التاريخ بالحكاية عبر الرؤى القائمة في أذهان الشخصيات داخل الرواية ورؤية السارد وتنويعاته الحكائية.
تنطلق الرواية من الوعي الحكائي؛ منذ أن لامس الكاتب العلاقة بين التاريخ والحكاية حد الاندماج عبر مقولته «هذا العمل تاريخ من لا تاريخ لهم»، فيبدو البناء منذ اللحظة الأولى اعترافاً معلناً بالتاريخ، ويعقبه بعد ذلك بالحكاية، فيتجلى في المفتتح السردي قوله: «قبل أن أبدأ سرد حكايتي...».
تتشكّل أبعاد التاريخ والحكايات للكشف عن ركيزة ثابتة في النص تتمحور حول التصوّر، فالتصور لدى الراوي خلاف التصور لدى الشخصيات الروائية، فالرؤى السردية بين الراوي والشخصيات تتشكلان من أجل تقاطع حكائي - تاريخي عبر اللجوء إلى التبرير السردي، فمثلاً ما علاقة الإهداء بالإرهاب؟! فالقارئ للرواية لا يجد سبباً مقنعاً منذ اللحظة الأولى، وعليه البحث عن هذا السبب في معاطف الحكايات، ثم تتكشف له العلاقة في الصفحات الأخيرة، وتتجلى المعلومة السردية غير المتوقعة في نهاية مفتوحة! ثم يكشف التبرير التركيبي في اختيار الأسماء ذات الدلالات المختلفة، ثمَّة أسماء تتصل بالبيئة المكانية في اختلافاتها وتنوعها، وهناك ألقاب وكنى تتصل بالأحداث والمكوِّنات السردية المشَكّلَة للحكايات.
فالتاريخ والحكاية ركيزتان اعتنى بهما الكاتب في بناء روايته وفق فهمه الخاص للحكايات وأبعادها الجمالية، ومساءلة التاريخ؛ لكونه يخلق تبريراً للحكايات المعاصرة. وبهذا تتكشف العلاقة القائمة على هاتين الركيزتين في الرواية، لإجلاء علاقة الإنسان بالمكان.
استطاعت الرواية أن تحرك الثابت عبر تبادل الأدوار بين التاريخ والحكايات، فالمتخيل السردي للحكاية والتاريخ يختلف بين الراوي والشخصيات، إذ حاولت الحكايات الاستعانة بالتاريخ للكشف عن غموض حاصل في الواقع تجهله بعض الشخصيات بما فيها السارد - البطل، وربما امتد الجهل إلى التلقي بالمفارقة الحاصلة في بعض النهايات!!
ومما أعان على بناء تاريخ المكان والأبعاد الجمالية للحكايات في الرواية استدعاء تاريخ القرية بالحكايات المحيطة بها، وبما قاله التاريخ لتبرير بعض الحكايات التاريخية، فَقَرْيَة المشراف بناها الجد الذي جاء من مكان مجهول، حاملاً معه الكنز المخبَّأ في بئر قريبة من منزله الذي نزل. والكنز عبارة عن عمود من أعمدة مدينة إرم التي تظهر كل ألف سنة!! جاء به الجد من المدينة على ظهور عشرة جمال!! ففي الحكاية يستدعي التاريخ مبرراً مكان القرية، ومحمّلاً المكان بالحمولات الأسطورية والحكايات الغرائبية، والراوي يلجأ إلى إحالة القول إلى منطقة تجوّز الفن عبر الحكاية حين يحيل القول إلى مجهول!! «قيل له سِرْ باتجاه الغرب حصناً شيده بنو هلال على رأس تلة صغيرة»، كما أن الراوي يشرك الجنّ في تأثيث الحكايات والتشكيل البنائي عبر حضورهم الفاعل في الحفاظ على الكنز المخبوء في البئر، وحمايته والدفاع عنه وعن أهله، ويتكئ الراوي على التفكير الأسطوري في إشاعة الأخبار على ألسنة العجائز في المكان، ثم يحاول أن يقترب من شخصية الأب الذي يهديه بعض الحكم في التصالح مع الموت مثلاً!
الوعي بالحكاية ودورها في بناء الرواية وعي حاضرٌ في الكتابة الروائية، فهو يستدعي هذا الوعي كتابياً بالاعتراف داخل الكتابة، ففي بعض حواراته مع شخصية «هيام» يقول السارد: «هناك بعض التفاصيل التي لا تزيد المكان إلا تعقيداً!!».
ثم يسهم الوعي في التحفيز الحكائي؛ حين يستدعي التاريخ وحكاياته الأسطورية، ففي أسطورة مدينة إرم مثلاً، وما قيل عنها في بنائها على يد شداد بن عاد، وأنه أرادها جنة زمن الأحقاف في التاريخ القديم... ولأنها تظهر في كل ألف سنة مرة واحدة لمدة ليلة كاملة!! الروائي استثمر الحكاية، لأجل تحفيز البناء السردي من جهة، ومن جهة أخرى تبريراً لحكاية الكنز المخبوء في البئر، وربطاً بين الكنز والصدفة التي قادت الجدّ لمكان المدينة، ثم السير عنها باتجاه الغرب وحراسة الجن مع ما كان عليه من بنية قوية وطول فارع.
أرادت الرواية أن تنشئ حواراً مع الأسطورة والتاريخ عبر ملامح أسلوبية؛ منها أسلوب السؤال والجواب، فتأتي الأسئلة من الشخصية الرئيسة أو الشخصيات الأخرى، ليجيب السارد عن كثير منها ويتصدى للأجوبة المشكلة والمحفزة لحكايات أخرى واستدعاءات تاريخية جديدة، وما تكاد تخرج من حكاية إلا وتجد الأخرى في انتظارك. هذا الامتلاء الحكائي لفاعلية القول وتوجيه الأحداث نحو الالتقاء مع الحكاية الرئيسة أسهم في رفد الموضوع الرئيس للرواية، وأراد أن يقول بالتنوع الإنساني والتصالح مع الفضاءات المحيطة!! إلا أن نهاية الرواية خالفت ما كان البناء السردي يسعى من أجل توظيفه في الحياة والتصالح معها، بل كان التصالح مع الموت بطريقة لا تليق!!
وقرية المشراف في خيال الراوي «قرية من خيال» محاطة بالحكايات المتخيلة، وإن كان اسمها واقعاً في الحقيقة، إلا أن الروائي أراد القول بأهمية الوعي الكتابي لسطوة الحكايات وانتقالها عبر التاريخ في هذا المكان «الثابت جغرافياً»، وأراد الكشف عن حجب الفن الحكائي في بناء قصصي يستلهم الحكايات والأبعاد التاريخية في بناء الرواية، فيقول مثلاً الراوي: «وأنا أوردها - قصة قطع لسان الجدة - ها هنا لاستكمال البناء القصصي في الحكاية».
فيتجلى «ما وراء السرد» عبر ما ذكره الروائي في المقولة السابقة، لكي يبرر انتقاله الحكائي إلى حكاية أخرى عابرة للتاريخ؛ تتمثل في مكان قبر العابد الزاهد إبراهيم بن أدهم، قريباً من مكان جبل صالح من جبال نصبة القريبة من قرية المشراف: «حضرته الجدة وهي تحمل النذر»!! وهذه الحكاية لم تعد موجودة على أرض الواقع اليوم؛ كانت جزءاً من الذاكرة الشعبية التي استدعها الراوي من أجل تبرير وعي الشخصية بأهمية القصص الغريبة في البناء السردي: «قالت وهي تحكي لي هذه القصة الغريبة: يا ولدي، هذا الإنسان الطيب الصالح أعاد إلى جدتك لسانها...».
وهذا يجسد بعداً تاريخياً جاء عبر جمالية الحكاية وفق البناء السردي لها داخل الرواية، مع الإيمان بأهمية عدم إغضاب الجدة «الكنز الحكائي» المختزل لألف قصة ومليون حكاية عبر تاريخها الزمن الذي يمتد لأكثر من ثمانين عاماً عن قرية المشراف. فيعلن الكاتب أن هذه الجدة: «كل الحكايات محفوظة في مخيلتها». ثم إن الإرث الحكائي ينتقل من الجدة والجد حتى السارد الابن، فقد استطاع السارد أن يصون هذا الإرث وينقله من الجانب الشفاهي عبر السرد للآخرين، ثم ينتقل به الروائي إلى الجانب الكتابي عبر الرواية.
يعلي الروائي من قيمة الحكايات من حيث أبعادها الزمانية في حوارات متفرقة في الرواية، ففي أحد هذه الحوارات تقول شخصية روائية إن الأعمار لا تقاس بما تعارف عليه الناس!! بل تقاس بالحكايات، وهذا كاشف عن التقاطع بين الأبعاد الحكائية وتجاربها، وما تحمله من جماليات متنوعة، وبين الأبعاد التاريخية المتمثلة فيما تعارف عليه الناس!! هذا التقاطع يشير إلى أهمية التاريخ في صناعة الحكايات داخل البناء السردي، ويثير العلاقة الحميمة بين الأدب والتاريخ. فيكشف بالتالي احتضان التاريخ للرواية عن أبعاد تتمثل في إلغاء خصوصية المكان، وارتقاء بالقيمة المثلى للزمان، ارتقاء يتجلى فيما تقدمه الحكايات من جماليات متنوعة ترفد السرد بأهمية هذا الالتقاء.
حاولت القراءة أن تسهم في الكشف عن أهمية الأبعاد التاريخية والأبعاد الجمالية للحكايات من خلال ملامسة الموضوع ملامسة شفيفة، حيث أشارت القراءة إلى أهمية الحكايات وأبعادها في تقاطعها مع التاريخ، وأنَّ المعرفة بالتاريخ ومساءلته في كثير من مواطن العمل الروائي، ليست مهمة في ذاتها؛ بل أهميتها تتجلى في التوظيف الجمالي الفاعل وراء هذا الالتقاء، وكأنَّ ما يسرده التاريخ توثّقه الحكايات.
- ناقد سعودي


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.