صور عراقية في الألبوم السعودي

محمد سعيد الحبوبي  -  علي جواد الطاهر  -  أنستاس الكرملي  -  حمد الجاسر
محمد سعيد الحبوبي - علي جواد الطاهر - أنستاس الكرملي - حمد الجاسر
TT

صور عراقية في الألبوم السعودي

محمد سعيد الحبوبي  -  علي جواد الطاهر  -  أنستاس الكرملي  -  حمد الجاسر
محمد سعيد الحبوبي - علي جواد الطاهر - أنستاس الكرملي - حمد الجاسر

يا َظبيَة البان تَرعى في خمائله
ليَهنَك اليَوم إن القَلَب َمرعاك
الماءِ عندَكَ مبذول لشاِرِبِه
ولَيَس يُرويك إلا مدَمعي الباكي
هبَت لَنا من رياح الغَور رائَحة
بَعدَ الُرقاد َعَرفناها بَرياك
ثُم اِنثَنَينا إذا ما َهَزنا َطَرٌب
على الرحال تَعَلَلنا بذكراك
سهم اصاب وراميه بذي سلم
من بالعراق، لَقد أبعَدْت َمْرماك
أتلّمس هنا خطى الشريف الرضي، رغم بعد ألف سنة مما نعد، ونحنُ على مقربة من ثراه الطاهر، نستذكره مضمخاً بروائح الشعر الزكي، متنقلاً بين نقابة الأشراف في بغداد، وإمارة الحج إلى الحجاز، نستذكر في قصيده العذب الجزل مواقع العرب في جزيرة العرب، ومفارقات متواشجة، ما انفكت يوماً بين وطني العربي السعودي، والعراق المطبوع في مخايلنا، والساكن شغاف قلوبنا، إذ توالت سهام التقارب بين نجد والأحساء والقطيف.
لقد بحث الأكاديمي الكويتي د. عبد الله النفيسي في أطروحته للدكتوراه، من جامعة لندن سنة 1970. عن جذور التكوين القبلي في جنوب العراق، حيث رحلت قبائل نجد إلى مياهه بين دجلة والفرات، منذ القرن السادس عشر الميلادي. متتبعاً مجريات الأحداث في ثورة العشرين وما قبلها، ضد الاستعمار البريطاني، وقد قامت الدولة الوطنية في العراق، بتلاوينها الإثنية ومروحتها المذهبية. ولم تكن بلادي المتاخمة له بعيدة عما يجري... بل أحياناً هي في الصميم منها، إذا ما تصفحنا سير بعض رموزها الدينية والأدبية والصحافية.
- محمد سعيد الحبوبي
أشير هنا إلى صور عراقية في الألبوم السعودي، بينها أحد مراجع النجف الأشرف، وأحد أبرز رموزها الوطنية، وأبرع شعرائها المبدعة، السيد محمد سعيد الحبوبي، حيث يفجر ينابيع مشاعره دافقة بالحنين إلى نجد، كلما تصفحت قصيدة الغزل، وديمة الموشحة السمحة السكوب.
اسمعه وقد استوى عالماً فقيهاً، وعلماً مرفرفاً في النجف الأشرف، متذكراً أيام صباه الغرير، وشبابه اليافع في حائل، مرافقاً والده متاجراً في سوق «برزان»، وساكناً في حي المشاهدة:
بلادك نجد والمحب عراقي
فغير التمني لا يكون تلاقي
ولو أن طيفاً زار طرفي ساهداً
لكنت رجوت القرب بعد فراق
بلى قد أرى تلك المغاني تعلة
فاحسب أني زائر وملاقي
أرى الدهر يأبى في تآلف شملنا
كأني أعاديه فرام شقاقي
هي الشمس في أفق السماء مقرها
فعيف براق نحوها ببراق
ألا هل أراني واجد ريح وصلهم
وإن عدموني صحبتي ورفاقي.
ولا يفتأ محمد سعيد الحبوبي يعتلجه الحنين الشيق إلى مرابع صباه النجدي، وقد اختطفه سنا برق ذلك الكوكب الأنثوي الفتان...
اسمعه يتغزل:
لُحْ كوكباً وامشِ غُصناً والتفِتْ ريما
فإن عداكَ اسمها لم تعدك السيما
وجه أغرّ وجيدٌ زانه جِيدُ
وقامة ٌ تخجل الخطى تقويماً
يامن تجلّ عن التمثيل صورته
أأنتَ مثَّلتَ روح الحسن تجسيما
يا نازلي الرمل من نجد أحبكم
وإن هجرتم ففيما هجركم فيما
سعوديون في العراق: وزراء وصحافيون
صورة أخرى عراقية ما تزال في ألبومي السعودي، هي صورة عبد اللطيف باشا المنديل، فحينما تشكّلت أول حكومة عراقية برئاسة نقيب الأشراف عبد الرحمن النقيب ضمت وزيراً للتجارة من أصل نجدي هو عبد اللطيف باشا المنديل، المولود بمدينة الزبير في جنوب العراق، منتصف القرن التاسع عشر الميلادي لعائلة ثرية قادمة من إقليم سدير التابعة اليوم لإمارة منطقة الرياض.
هذا وقد توّزر مرة أخرى للأوقاف، وحصل على لقب الباشاوية عام 1913 بعد نجاحه في ترتيب محادثات بين الملك عبد العزيز والأتراك، وقد أصبح وكيله بعد ضم إقليم الأحساء إلى مملكته الوليدة بعد الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1924 تم انتخابه في المجلس التأسيسي عضواً عن البصرة.
كذلك فإن أول صحافي نجدي وهو سليمان الدخيل ولد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في بريدة من إقليم القصيم، وهو الآخر ذهب في من ذهب إلى العراق مع حركة «العقيلات» المتاجرة في الجمال، غير أن الدخيل كان يشده طموح نحو التعلم والتثّقف، وقد ولد في زمن كان الأتراك يستبدون بجحافلهم العسكرية على أجزاء من العالم العربي، وفي مقدمته العراق التي امتدت ولاية البصرة شاملة نجد والأحساء والقطيف.
مما دفع بجنانه القومي إلى التبرم بالسياسة الطورانية، مستلهماً ثقافة مجتمعه العربي التي أنضجها مقامه في العراق، وقد احتك بالعديد من علمائه وأدبائه وسياسييه.
يذكر حمد الجاسر في أحد أعداد مجلته (العرب): في سنة 1332 هجرية لما قامت الحرب العالمية الأولى هرب الدخيل من العراق خوفاً من إلقاء القبض عليه وتسليمه لولاة الأتراك وواصل السفر إلى المدينة المنورة بعد أن وجد الأحوال في نجد مضطربة فأقام فيها مدة نسخ من خلالها بعض الكتب الخطية النادرة المتعلقة بتاريخ العراق أو تاريخ العرب.
ويذكر العلامة العراقي أنستاس الكرملي؛ أن الدخيل وكان أحد كتاب مجلته (لغة العرب) قد جاب كثيراً من بلاد جزيرة العرب والهند وديار العراق وله اطلاع عجيب على تاريخ العرب وعوائدهم وأخلاقهم وأيامهم وحروبهم.
وبدعم من عمه جار الله التاجر في بغداد أصدر العدد الأول من جريدة باسم «الرياض» في يناير (كانون الثاني) سنة 1910 ودامت على اختلاف الباحثين بين أربع وسبع سنوات وأصدر مع صديقه إبراهيم العمر مجلة باسم «الحياة» وفي سنة 1931 جريدة أخرى أسبوعية باسم «جزيرة العرب» بالاشتراك مع داود العجيل، وكان ينقل فيها أخبار توحيد الجزيرة العربية على يدي الملك عبد العزيز الذي ارتبط وإياه بعلاقة مميزة.
وقد حظي الدخيل بتقدير نخبة العراق بعد قيام دولته الملكية البرلمانية ووصفه رفائيل بطي، الأديب والشاعر والصحافي والوزير العراقي بأنه خدم القضية العربية وساعد على نشر الوعي القومي.
- سلمان الصفواني
وبعدما افتتح المنديل باب التوّزر في العراق وهو النجدي الأصل فقد دخله قطيفي هو سلمان الصفواني، الذي ترك مسقط رأسه صفوى (وهي مدينة في محافظة القطيف)، في العشرينات من القرن العشرين، بعدما تعلم القراءة والكتابة، ودرس القرآن الكريم على معلمي بلدته الصغيرة... ذاهباً إلى بغداد. وفي الكاظمية إذ كان شاباً متحمساً بالغ الحماسة - كما يعبر - قرر الانضمام إلى حركة الإمام الشيخ الخالصي، المناهضة ضد فرض بريطانيا دستوراً صيغ وفق مزاجها الاستعماري على مملكة فيصل الأول، لتمرير معاهدة الانتداب البريطاني على العراق... مما دفع عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء ووزير الداخلية، بعد حكومة عبد الرحمن النقيب، (بعد جولات من الصراع) إلى نفي الخالصي وأبنائه، ومعهم سلمان الصفواني، إلى البصرة فالحجاز.
في 5 سبتمبر (أيلول) 1924 أصدر سلمان الصفواني، في بغداد جريدة (اليقظة)، واستمرت الصحيفة بين إيقاف واستمرار حتى عام 1959. بعدما هجم ما يسميهم الصفواني (الشعوبيين، قاصداً الشيوعيين المتنفذين في حكومة عبد الكريم قاسم) «في وضح النهار على مكاتب الجريدة وأحرقوا ونهبوا موجوداتها»، كما يقول.
وبسبب ثقافته المناهضة للاستعمار اتهمت سلطة الاستعمار البريطاني، الصفواني بتحريض عشائر الفرات الأوسط ضد وجودها، فقررت سجنه مدة سبع سنوات... وفي السجن المركزي ببغداد كتب رسائله إلى زوجته، معبراً عن معاناته الإنسانية والسياسية والأدبية... وطبعها فيما بعد في لبنان سنة 1937 بعنوان «محكوميتي».
كذلك فقد امتدت علاقاته برموز الفكر القومي على امتداد الوطن العربي، كما عمل مراسلاً لمجلة (البلاغ) المصرية، وارتبط بعلاقة أدبية مع الأديب المصري الدكتور زكي مبارك، وجرت بينهما مساجلات منشورة... وعلى صعيد العمل الوطني العراقي، فالصفواني هو أحد مؤسسي حزب «الاستقلال» الشهير... إضافة إلى أنشطة ثقافية واجتماعية وإدارية أخرى، جعلت الرئيس عبد السلام عارف يختاره وزيراً لشؤون مجلس الوزراء، واستمر في منصبه مع رئاسة شقيقه عبد الرحمن عارف...
- علي جواد الطاهر
أختم بآخر صورة عراقية ناصعة في ألبومي السعودي وهو أستاذ الأكاديميين والنقاد د. علي جواد الطاهر، الذي جاء مع زملائه الفارين بعد انقلاب 1963 إلى جامعة الرياض، وأذكر أنني التقيته في بغداد في صيف سنة 1979. حيث قابلت عدداً من رجال الأدب والفكر فيها لتسجيل حلقات تلفزيونية.
وقد كان الجو السياسي آنذاك مكهرباً بعد حادثة (قاعة الخلد) الدموية، لكني وجدتُ د. علي الطاهر ينتقد من طرفٍ خفي كل من ساهم في تكريس عبادة الشخصية للقائد الضرورة، ومسترجعاً السنوات الأربع التي قضاها في الرياض بين جامعتها ومكتباتها. منقباً عن هذا الكتاب وتلك المطبوعة. وقد لمس قصوراً فاضحاً في إغفال دراسة الأدب السعودي الحديث، الذي تقرر بفضله في مواد الدراسة لدى طلاب قسم اللغة العربية. وما غادر الطاهر الرياض عائداً إلى طلابه وأبحاثه في جامعة بغداد، إلا وقد انتهى من تدوين (معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية).
وقد نشره تباعاً بعد الجهد والتعب والعرق والتراب كما يعبر، في مجلة «العرب» لمؤسسها ورئيس تحريرها حمد الجاسر، والذي لم يغمض عينه في نومته الأبدية، إلا وقد أعاد طباعته في أربعة أجزاء، أصبحت مرجعاً رئيساً لدارس الأدب العربي الحديث في المملكة، نشأته وتطوره واتجاهاته وإعلامه.
- كاتب سعودي
(-) مقتطفات من محاضرة ألقاها الكاتب، ضمن فعاليات معرض بغداد الدولي للكتاب.



كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
TT

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

بين مغامرة دراميَّة وأخرى، تذهب كاريس بشَّار في مغامرةٍ من نوعٍ مختلف. «أراني في القطار بين هولندا وبلجيكا... ساعتان ذهاباً وساعتان إياباً، كما التلميذة المتجهة إلى مدرستها». تمضي الممثلة السورية معظم إجازاتها في ورش العمل والدورات الخاصة بالممثلين المحترفين، في مسعىً منها لصَقل الحِرفة واكتشاف الجديد على أيدي مدرّبي تمثيل عالميين.

كاريس بشَّار على يقين من أنّه كان لتلك الدروس الـMaster classes، أثرٌ كبير في تحطيم نوعٍ من «الممانعة الداخلية» التي كانت تقف حاجزاً بينها وبين «جرأة المغامرة والتجربة». أما أَنضجُ ثمارِ انبعاثِ روح المغامرة في الممثلة، فتُدعى «سماهر» وهي، على ما يعرفها الجمهور، بطلة مسلسل «بخمس أرواح» الذي عُرض في رمضان 2026.

أسئلة كثيرة و«سماهر» واحدة

باستفاضةٍ وشغَف، تتحدّث كاريس بشَّار في حوار حصري مع «الشرق الأوسط»، عن شخصية تلك المغنية الشعبية التي أسَرت قلبَ بطل المسلسل «شمس» (الممثل السوري قصي خولي) ومعه قلوب المشاهدين وسمَّرت عيونهم. والممثلة، كما الجمهور، فوجئت بسَماهر بعدما انتهى التصوير وجلست لتشاهد المسلسل بهدوء. لا تُنكر أنها أصيبت بما يُشبه الصدمة، وتسارعت في رأسها أسئلة مثل «أنا كيف عملت كل هاد الشي؟»، «كيف قدرت غنّي قدّام هالناس؟»، «كيف انفعلت هيك وحكيت بهيدي اللهجة؟»... وهي أسئلة مشروعة، بما أن كاريس بشَّار تصف نفسها بالإنسانة التي ما زالت على طريق التعافي من الخجل.

لا أجوبة حتى الساعة، إذ إن الفنانة السورية «بحاجة إلى إعادة دراسة هذه التجربة» حتى تجيب على أسئلتها الكثيرة تلك، وكي تُقيّم ما إذا كانت سماهر هي أهم شخصية قدَّمتها حتى الآن، في مسيرتها الفنية المتواصلة منذ 1992. لكن مهما كَثُرت الأسئلة، يبقى المؤكّد واحداً، وهو أنَّ كاريس بشَّار وتوأمها التلفزيونيّ، صنعتا الحدث وتصدّرتا الترند خلال الموسم الدرامي الرمضاني.

كاريس بشَّار وقصي خولي بطلا مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح)

كاريس بشَّار تغنّي!

جاء المسلسل الذي أنتجته شركة «الصبّاح إخوان - Cedars Art»، محصّناً بما يكفي من عناصر الجذب؛ بدءاً بطاقم الممثلين اللامعين، مروراً بالقصة التي تمزج ما بين التشويق واللغز والرومانسية، وليس انتهاءً بالإيقاع الإخراجيّ الذي لا يصيب الذهن ولا العين بالملل.

غير أنَّ ما تخطَّى المتوقَّع وتجاوزَ الواقع فبدا وكأنه لحظة سرياليَّة، كان صوت كاريس بشَّار غناءً. لم ينتظر المخرج السوري رامي حنّا طويلاً كي يفجِّر قنبلة المسلسل. ففي نهاية الحلقة الأولى، أطلَّت سماهر على المسرح صادحةً «أنا المرضان قليبي» ومُطلقةً العنان لخطواتها الراقصة، ولفساتينها البرّاقة، ولصَيحاتها المتفاعلة مع الحضور.

أهذه كاريس بشَّار أم هي مغنية شعبية متمرّسة؟ إنه السؤال الذي راود غالبيّة المُشاهدين، لا سيّما أنّ كاريس بشَّار فاجأت الجميع بخامة صوتها الجميلة، وبحنجرتها الصلبة، وبأذنها الموسيقية التي لا تُخطئ.

«قبل (بخمس أرواح)، أقصى ما فعلتُ غناءً أنني كنت أدندن بين جدران بيتي بصوتٍ خافتٍ وخجول، ثم أصمت لأنّ ابني كان ينزعج»، تخبر كاريس ضاحكةً. رغم ذلك، لطالما أدركت أن أذنها موسيقية. وعندما حان موعد التحدّي، قررت الممثلة رفع السقف فاقترحت على فريق العمل أن تصوّر الأغاني في أداءٍ مباشر وليس مسجَّلاً مسبقاً على طريقة الـplayback. وهكذا حصل بعد أن امتُحن صوتها على أيدي خبراء، وتَقرّر أنه صالحٌ للغناء المباشر.

لا ألبوم ولا حفلات

«أنا ممثلة أدَّت دور مغنّية»، يقف الأمر عند هذا الحدّ وفق كاريس بشَّار، أما احتمالات خوض مغامرة الغناء جدياً من خلال ألبوم أو حفلة، فغير وارد على الإطلاق بالنسبة إليها. مع العلم بأنها تولَّت شخصياً البحث عن أغاني المسلسل واختيارها، بشكلٍ يتلاقى مع أحداث حياة سماهر ويخدم السياق الدرامي.

نوَّعت ما بين المواويل، والأغاني الجديدة الضاربة، وتلك المُستقاة من التراث. من «صدفة لقيتك» و«يا طير»، إلى «ساعة وتغيب الشمس» و«لعيونك أنت يا حلو»، وسواها من أغاني، أجادت كاريس بشَّار في كل الأنواع. يأتي ذلك نتيجة ساعاتٍ وأيام من التدريب المكثّف، ضمن مساحة زمنيّة ضيقة جداً. «أنا راضية عمَّا قدَّمت لكن لو كان الوقت أطوَل لجاءت النتيجة مُضاعفة»، تبوح بمنطقِ مَن يبحث دائماً عن الأفضل.

والباحث عن الأفضل لا بدّ أن يسدّد ثمناً ما. هكذا حصل مع كاريس بشَّار التي فقدت صوتها خلال التصوير بسبب انفعالات سماهر الصوتيّة ونبرتها المرتفعة، إضافةً إلى الغناء المباشر لساعات متواصلة: «كان لديّ في اليوم الواحد أحياناً 9 أو 10 ساعات من الغناء». مع العلم بأنّ الأغاني كانت تصوَّر كاملةً ومن دون توقّف، ثم تؤخَذ اللقطات من زوايا مختلفة.

تخبر كاريس أنّ تصوير «بخمس أرواح» استغرق 3 أشهر، كانت تتنقّل خلالها بين المواقع، وجلسات التمرين على الغناء واللهجة، ثم إلى تدريب عازف الأورغ على الأغاني. واللافت أنّ القسم الأخير من تصوير المسلسل مطلع شهر مارس (آذار)، تَزامنَ والغارات الإسرائيلية المنهمرة على بيروت.

تزامن تصوير القسم الأخير من المسلسل مع الحرب الإسرائيلية على لبنان (شركة الصبّاح)

ما قصة اللهجة؟

ليس الغناء المباشر التحدّي الأوحد الذي وضعته كاريس بشَّار لنفسها. فيوم أنهت قراءة ملخَّص القصة، قدَّمت لشركة الإنتاج وللمخرج اقتراحاً تَصِفُه بالمجازفة. «في مسعىً مني للمشاركة في بناء الشخصية وخلفيّتها، اقترحتُ أن نمنح لهجةً لسماهر تعبِّر عن جذورها؛ على أن تأتي من منطقة الجزيرة والفرات الحدوديّة بين سوريا والعراق»، تخبر الممثلة.

تلك اللهجة التي أثارت اللغط والسجال على المستوى الجماهيري، لا هي عراقيّة ولا شاميّة. إنها لهجة أهل الجزيرة وقد تدرّبت عليها بكثافة، قناعةً منها بأنّ تلك اللهجة والتعابير هي مرآة لشخصية سماهر وماضيها.

سماهر امرأةٌ قسَت لفرط ما قسا الزمن عليها. بعد فقدان الأمّ والجذور والاستقرار، تُصارع المجتمع وحيدة وتربّي ابنها بمفردها وسط الخوف، كما تعتني بوالدٍ عديم المسؤوليّة وسكّير. وبما أنّ «السماهر» باللغة العربية تعني الرماح الصلبة، كان لا بدَّ من لهجةٍ تظهّر قسوة البطلة وغضبَها وكبرياءها وجانبها الذكوريّ.

وتحرص كاريس بشَّار على التوضيح أنّ «لهجة سماهر لم تكن إكسسواراً، بل من صلب الشخصية وهويّتها». وتضيف أنّ كل ما نطقت به لم يكن مفتعلاً بهدف صناعة «الترند».

كاريس ودَّعت سماهر

ماذا بقي من سماهر مع كاريس بشَّار؟ تُسارع الممثلة للإجابة: «مستغربة جداً كيف أنَّ سماهر طلعت من رأسي بهذه السرعة، على عكس بلقيس من مسلسل (تحت سابع أرض) أو مريم من (النار بالنار)»، تتابع: «ربما للأمر علاقة بلهجتها التي ليست لهجتي أصلاً، لكني سعيدة بأنها غادرتني، إذ لا يجوز أن أنمّط نفسي بها ولا بأي شخصية أخرى، فهذا لا يخدمني نفسياً ولا مهنياً».

لهجة سماهر لم تكن إكسسواراً بل من صلب الشخصية (كاريس بشَّار)

غير أنّ سماهر لم تغادر من دون إحداث ضجيج خلفها. «أنا أغار من سماهر»، تعترف كاريس بشَّار. «أغار من قوتها وجرأتها على قول الأشياء كما هي، من دون مجاملة ولا دبلوماسية. كم أتمنى أن أكون مثلها».

وبعد أن زرعت كاريس بشَّار كل التحديات الممكنة في (سماهر)، انقلب السحر على الساحر فانتهى الأمر بأن رفعت الشخصية سقف التحدّي لدى الممثلة، التي ما عادت ترضى بأقلّ ممّا قدَّمت في «بخمس أرواح».


مصريون يتنفسون الصعداء بعد تخفيف «الإغلاق المبكر»

مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصريون يتنفسون الصعداء بعد تخفيف «الإغلاق المبكر»

مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مع مدّ ساعات عمل المحال والمولات والمقاهي في مصر حتى الـ11 مساءً، سارع الشاب العشريني عبد الله السيد إلى التشاور مع أصدقائه لوضع خطط لتحركاتهم اليومية واستعادة سهراتهم المعتادة، ما بين مقاهي وسط القاهرة وزيارة الأماكن والأحياء التراثية، مثل شارع المعز وحي الأزهر.

وأعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مساء الخميس، تخفيف مواعيد إغلاق المحال التجارية من الساعة الـ9 إلى الـ11 مساءً يومياً، بدءاً من 10 وحتى 27 أبريل (نيسان) الحالي، مع استمرار الاستثناء من مواعيد الإغلاق بالنسبة للأماكن السياحية، والصيدليات، ومحال البقالة، والمنشآت السياحية، وأفران الخبز، والمطاعم المصنفة منشآت سياحية.

وأثار قرار تعديل مواعيد إغلاق المحال فرحة لافتة لدى قطاعات واسعة من المصريين. وقال عبد الله السيد، الذي يعيش في حي شبرا بالقاهرة ويعمل في إحدى الشركات الخاصة في الحي نفسه، إن القرار أعاد إليه وإلى أصدقائه ما وصفه بـ«متعة السهر».

منطقة وسط القاهرة تشهد إقبالاً لافتاً من الزائرين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وقال السيد لـ«الشرق الأوسط» إن «إغلاق المحال والمقاهي في الـ9 مساءً أصابني وأصدقائي بإحباط كبير، لذلك بدأنا، مع تعديل المواعيد إلى الـ11 مساءً، في وضع خطط لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة. فقد قررنا أن نسهر يومياً في مقاهي وسط البلد حتى إغلاقها، ثم نتوجه إلى حي الأزهر لاستكمال السهرة»، مؤكداً أن «فرحة تعديل مواعيد إغلاق المحال طالت جميع من أعرفهم».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت، في وقت سابق، تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر، بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «إغلاق المحال التجارية والمقاهي في الـ9 مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية»، إلى جانب «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية والارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.

إغلاق المحال والمولات والكافيهات الساعة 11 مساءً يُبهج المصريين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة أن «تخفيف مواعيد الإغلاق أفرح كثيراً من المصريين، وسينعكس بشكل إيجابي على كثيرٍ من الأنشطة الاقتصادية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الفترة ما بين الـ9 والـ11 مساءً تُعد وقتاً حيوياً للأنشطة التجارية؛ إذ تمثل ذروة الإقبال، لذلك سيسهم تعديل مواعيد الإغلاق في انتعاش حركة البيع لكثير من الأنشطة، خصوصاً أن المواعيد الجديدة تقترب من مواعيد الإغلاق الطبيعية لبعض الأنشطة قبل تأثيرات الحرب وخطط الترشيد، والتي كانت عند الـ10 مساءً في الشتاء والـ11 مساءً صيفاً».

وأكد العمدة أن «كثيراً من الأنشطة الترفيهية، مثل المطاعم والمقاهي، ستشهد رواجاً كبيراً وتستعيد جانباً من مسارها الطبيعي، كما سيقلّ التأثير السلبي على العمالة الليلية التي تأثرت بمواعيد الإغلاق السابقة».

ومن بين الذين أبهجهم قرار مدّ ساعات عمل المحال حتى الـ11 مساءً، الخمسيني سعيد حسان، الذي يمتلك محل حلاقة رجالي في وسط القاهرة ويقيم على مقربة من مكان عمله. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اليوم الأول للمواعيد الجديدة كان مبهجاً، سواء من حيث إقبال الزبائن حتى الـ11 مساءً، أو من حيث الأثر النفسي لأجواء السهر ووجود الناس في الشوارع». وأضاف أنه، إلى جانب الخسائر التي تكبّدها بسبب مواعيد الإغلاق السابقة، فإنه أيضاً «يحب السهر بعد العمل في المقاهي القريبة».

خبراء مصريون طالبوا بعدم التشدد في الإجراءات التقشفية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأسهم قرار الحكومة المصرية بتعديل مواعيد إغلاق المحال إلى الـ11 مساءً، مع استثناء الأماكن السياحية من تلك المواعيد، في إحداث انتعاشة ملحوظة في الإقبال على عدد من المواقع الأثرية والأحياء التراثية، مثل السيدة زينب، والحسين، وشارع المعز، وفق الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ.

وقال الشيخ لـ«الشرق الأوسط» إن «اليوم الأول لبدء تطبيق المواعيد الجديدة لإغلاق المحال (الجمعة) كان له تأثير إيجابي كبير على القطاع السياحي، خصوصاً السياحة الثقافية؛ إذ شهدت الأحياء التراثية، مثل الأزهر، وشارع المعز، والقاهرة الفاطمية، إقبالاً لافتاً»، مؤكداً أن «الحياة عادت إلى طبيعتها بدرجة كبيرة في هذه الأماكن، ورصدنا حالة من الانبساط والفرحة لدى السائحين والمصريين الذين يفضلون السهر فيها». وأضاف أن «مدّ مواعيد الإغلاق كان له تأثير إيجابي على مبيعات البازارات منذ اليوم الأول».


«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
TT

«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)

تركّز اختيارات الدورة الـ17 من مهرجان «الفيلم العربي في برلين» على معاناة الشعوب العربية بشكل أساسي، ضمن أقسام المهرجان الذي تحتضنه العاصمة الألمانية خلال الفترة من 22 إلى 28 أبريل (نيسان) الحالي.

ويُكرِّم المهرجان في نسخته الجديدة المخرجين الراحلين يوسف شاهين، وداود عبد السيد، بالإضافة إلى المخرج الفلسطيني محمد بكري. كما يحلُّ مصمِّم المناظر أنسي أبو سيف ضيفَ شرفٍ على الدورة، مع عرض فيلمي «وداعاً بونابرت»، و«أرض الأحلام»، اللذين شارك فيهما. وتحضر السينما المصرية أيضاً من خلال عرض فيلمي «الست» لمنى زكي و«كولونيا» لمحمد صيام ضمن الفعاليات.

وبينما يحتفي المهرجان بالسينما السودانية عبر برنامج «بقعة ضوء»، تبرز اختيارات لأعمال سينمائية توثِّق وترصد وتتناول معاناة المجتمعات العربية بشكل واضح في مختلف البرامج. وتنطلق فعاليات المهرجان بعرض فيلم «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، الذي يتناول إحدى السنوات المفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية.

ومن بين الأفلام المعروضة «حكايات الأرض الجريحة» للمخرج العراقي عباس فاضل، الذي يوثِّق الحرب الإسرائيلية على لبنان وصمود أهالي الجنوب اللبناني في مواجهة الاحتلال، كما تبرز قصة المصوّرة الفلسطينية فاطمة حسونة من قطاع غزة، التي اغتيلت مع عائلتها خلال الحرب، من خلال فيلم «ضع روحك على يدك وامش»، الذي يوثّق أيامها مع عائلتها خلال الحرب.

فيلم «الست» سيُعرض ضمن فعاليات المهرجان (حساب الكاتب أحمد مراد على فيسبوك)

ويرصد فيلم «الأسود على نهر دجلة» للمخرج زرادشت أحمد جانباً من الحياة في الموصل بعد خروج تنظيم «داعش» الإرهابي، بينما تدور أحداث الفيلم السعودي «هوبال» في الفترة التي تلت حرب الخليج الثانية، ويتناول قصة عائلة بدوية تقرِّر العيش في عزلة تامة وسط الصحراء، جرَّاء اعتقاد الجد بقرب قيام الساعة.

وقال المدير الفني للمهرجان، إسكندر أحمد عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن الدورة الجديدة تُركِّز على إنتاجات السينما العربية بين عامي 2024 و2026، بما يعكس نبض السينما العربية المعاصرة. وأشار إلى أن قسم «بقعة ضوء» يحمل طابعاً مختلفاً كل عام؛ إذ يُركِّز على فكرة أو بلد بعينه، وقد وقع الاختيار هذا العام على السينما السودانية. وأضاف أنهم اتخذوا قراراً بعدم إعداد البرنامج داخلياً، بل دعوا المنتج والمخرج طلال عفيفي لتولّي هذه المهمة، في خطوة تهدف إلى تقديم رؤية أصيلة من داخل التجربة السودانية نفسها، لا من خارجها.

وأوضح أن البرنامج يجمع بين الأفلام الكلاسيكية والمعاصرة التي تُوحِّدها فكرة واحدة، من خلال عرض أفلام مرمَّمة من البدايات الأولى للتجربة السينمائية هناك، إلى جانب أعمال حديثة مثل «ملكة القطن» لسوزانا ميرغني، و«أوفسايد الخرطوم» لمروة زين، و«أكاشا» لحجوج كوكا... وغيرها.

وأضاف أن الدورة الجديدة تتضمَّن استحداث قسم رابع، هذا العام، تحت عنوان «نادي الفيلم العربي»، بهدف توسيع نطاق الأنشطة خارج إطار العروض التقليدية. ويسعى هذا القسم إلى إحداث تفاعل مباشر مع الجمهور العربي في المهجر، خصوصاً في برلين، من خلال ورش عمل تُركِّز على قراءة الأفلام وتحليلها، واستخدام السينما بوصفها أداة للتمكين والتخيُّل. وسيحضر المشاركون العروض، ثم يكتبون تحليلات أو مقالات تعكس علاقتهم الشخصية بالسينما، ودورها في استكشاف الذات.

المهرجان يفتتح فعالياته بعرض « فلسطين 36» (الشركة المنتجة)

وفيما يتعلق بمعايير اختيار الأفلام، قال المدير الفني للمهرجان إن الدورة تضم أعمالاً من دول عربية عدة، من بينها مصر، ولبنان، والأردن، وفلسطين، والعراق، والسودان، والجزائر، والمغرب، وتونس، والسعودية، وقطر، بالإضافة إلى أفلام مُنتَجة في المهجر. وأضاف أن الموضوعات المطروحة تعكس الواقع الراهن في المنطقة، بما في ذلك الحروب والتدخلات الإمبريالية، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مع حضور قوي للقضية الفلسطينية.

وأوضح أن الأفلام المختارة تكشف أيضاً عن حالة من فقدان الثقة بالسرديات الكبرى المرتبطة بالحرية والديمقراطية، وما يصاحب ذلك من إحباط وغضب وتناقض في المعايير. ولفت إلى أنه، رغم الطابع النقدي الذي يغلب على هذه الأعمال، فإنها لا تخلو من محاولات للمقاومة والبقاء، بل تقدّم أيضاً رؤى مبتكرة لإعادة البناء والتعامل مع الأزمات بمختلف أبعادها.