المصممون العرب... زاد عددهم فزادت جُرعة عطاءاتهم

أسبوع الأزياء الراقية في باريس لا يكتمل من دون مساهماتهم

من اقتراحات رامي قاضي  -  من أعمال ربيع كيروز  -  من عرض جورج حبيقة
من اقتراحات رامي قاضي - من أعمال ربيع كيروز - من عرض جورج حبيقة
TT

المصممون العرب... زاد عددهم فزادت جُرعة عطاءاتهم

من اقتراحات رامي قاضي  -  من أعمال ربيع كيروز  -  من عرض جورج حبيقة
من اقتراحات رامي قاضي - من أعمال ربيع كيروز - من عرض جورج حبيقة

انتهى أسبوع الموضة الراقية بباريس لربيع وصيف 2019 مدوياً. فقد كان عرض «فالنتينو» مسك ختام أسبوع من الإبداعات تبارى فيها المصممون على تقديم أجمل ما عندهم. ولم يقتصر الأمر على بيوت الأزياء العالمية فحسب، بل شملت أيضاً المصممين العرب، الذي تركوا صدى إيجابياً. من ربيع كيروز الذي يحظى باحترام أوساط الموضة وجورج حبيقة وجورج شقرا اللذين أصبحت نجمات هوليوود يظهرن بتصاميمهما في مناسبات السجاد الأحمر ورامي العلي الذي أصبح وجهاً مألوفاً في العاصمة الفرنسية منذ 15 سنة تقريباً، إلى محمد آشي ورامي قاضي اللذين قررا هذا الموسم أن ينتقلا إلى مرحلة تقديم أزيائهما على منصات العرض عوض الاكتفاء باستعراضها أمام المشترين ووسائل الإعلام.
فرغم أن رامي قاضي مثلاً كان وجهاً مألوفاً في أسابيع باريس لسنوات، فإنه قدم أول عرض له بالمعنى التقليدي هذا الموسم. كان ذلك، بتشجيع من زبوناته ووسائل الإعلام، وجند له عارضات من العيار الثقيل مثل كوكو روشا، فيما استضاف مجموعة من المؤثرات الشهيرات من مثيلات الأميركية أوليفيا باليرمو والبرازيلية كاميلا كويلو واللبنانية كارن وزان وغيرهن مخصصاً لهن الصفوف الأمامية في غياب نجمات عالميات. لكن لا بد من القول إن عرضه أثار بعض الجدل، بين معجب يقول إن الخطوة طبيعية تعكس تطوره، وبين منتقد يقول إنه تسرع بعض الشيء ولم يدرسها من كل النواحي. الشريحة الأولى ركزت على مجموعة من الأزياء تؤكد مدى مهارته الحرفية وجرأته في تجسيد أفكار طليعية عودنا عليها دائماً. فمنذ انطلاقته وهو يرفض أن يسبح مع التيار السائد، مفضلاً في المقابل تبني تقنيات مبتكرة يعبر من خلالها عن طاقاته الفنية وخياله. أما الشريحة الثانية، فركزت على مجموعة أخرى من الفساتين كانت تبدو وكأنها مُقحمة لإكمال العدد لا أقل ولا أكثر، وكان رأيها أن التشكيلة افتقدت إلى التوازن وإلى تيمة قوية تجمعها.
لكن بعيداً عن هذا الجدل، كان ما اقترحه مزيجاً بين صخب الألوان وجرأة التصاميم مع اهتمام واضح بالجانب الأنثوي المائل إلى الإغراء من خلال الطول القصير أو الفتحات العالية، من دون أن ينسى عشقه للبريق، سواءً في التطريز أو في نوعية الأقمشة.
قال رامي قاضي إنه استوحى مجموعته من مهرجان «بيرنينغ مان» Burning Man الذي يقام في صحراء نيفادا ويستقطب الآلاف من الشباب سنوياً «فهو يتيح لرواده الكثير من الحرية لا سيما فيما يتعلق باستكشاف مستويات وأساليب مختلفة للتعبير الفني» حسب قوله. وهذا ما حاول تجسيده في التناقضات التي لعب عليها، وصخب الألوان وجرأة الخطوط والأقمشة المترفة التي طرزها بقطع زجاجية مقطّعة بواسطة الليزر حيناً، وحيناً آخر بحبوب كريستال أضفت عليها البريق وعكست الضوء في كل خطوة كانت تخطوها العارضات.
وإذا كان رامي قاضي اختار فندق جورج V الفخم لعرضه، فإن المصمم طوني ورد اختار معهد الطب L’École De Médecine، فيما يمكن أن يقرأه البعض بأنه إشارة إلى قيامه بعملية تشريح للجسد. فقد لفه أحياناً ليبدو وكأنه محنط بطياته العديدة. كانت الطريقة تتضمن الكثير من الإغراء من دون كشف المفاتن، وقال المصمم إنه استوحاها من اليعسوب «ليس من شكله» حسب تأكيده، بل «من واقع فلسفي وهو أنه وحيد يقوم بحركات مميزة من خلال أجنحته».
هذه الحركة انعكست على انسيابية الفساتين وخفة الأقمشة، وبعض الأشكال الهندسيّة لأجنحة بأحجام متباينة تجسدت في التطريزات والأعمال اليدوية ثلاثية الأبعاد فضلاً عن لوحة من الألوان المتدرجة من الأرجواني العميق إلى الأخضر الزمردي مع تداخلات هادئة.
في المقابل اختار المصمم جورج حبيقة أن يأخذنا في رحلة عبر التاريخ إلى حدائق قصر فرساي، لأن ملهمته كانت ماري أنطوانيت. من أناقتها استقى إطلالات تضج بالفخامة والرومانسية. أما الخطوط الهندسية فاستلهمها من قصر فرساي، وتحديدا من الأشجار الملتفة على بعض بشكل دائري والورود الغناء والقبب العالية. كل هذا صاغه بألوان وبريق يستحضر جمال الطبيعة من جهة وانسيابية الماء من النافورات المتناثرة في أنحاء القصر.
لحسن الحظ لم يبق سجين الأسطورة والخيال. فرغم أحجام بعض الفساتين الضخمة التي ينسدل بعضها من الأكتاف إلى الأرض بسخاء وبالإضافة إلى التطريزات الباروكية، كانت الخطوط معاصرة وواقعية. كل ما في الأمر أن المصمم ترجم كل العناصر الهندسية وصورة ماري أنطوانيت بشاعرية.
من جهتهما، قدم الثنائي جورج قزي وأسعد أسطا، مؤسسا دار «قزي وأسطا» في فندق «دو كريون» تشكيلة مفعمة بالجمال. كان واضحاً فيها أنهما كانا مدفوعين بفورة الشباب وجموح الإبداع وهموهما بأبحاثهما المستفيضة في كتب التاريخ وقصص الأساطير لرسم معالم كل قطعة تم عرضها.
«ذكريات من طريق الحرير» هو عنوان رحلة مثيرة قاما بها عبر شبكة الطرق القديمة التي كانت تصل ما بين الشرق والغرب، وحيث كان يتمّ تبادل الحرير والسلع والثقافات. من كل محطة أخذا عناصر انعكست على تصميم معين.
قد يكون هذا العنصر نصباً تذكارياً أو معلماً سياحياً أو خاناً توقف عنده التجار. قد تختلف الأذواق لكن ما لا يختلف عليه اثنان أن التقنيات المستعملة في هذه التشكيلة، كانت عالية تشير إلى رغبة جامحة في التميز والتفرد، سواء تعلق الأمر بالثنيات المكسّرة وطيات الأوريغامي أو بالتطريزات القديمة والخطوط المنحوتة التي «تعكس نقاء كُثبان الصحراء تارة وأفق البحار وألوان السماء من الغسق حتى الفجر تارة أخرى» حسب قول قزي. لم يبخلا فيها أيضاً بالأقمشة المترفة التي تباينت بين الساتان الحريريّ، الأورغنزا والغازار وطبعاً الحرير الذي لم يفقد جماله أو قيمته في أي وقت من الأوقات. وهذا ما أكده المصممان بقولهما إن هذا ما شدهما «فكرة أنّ الحرير الفاخر كان يُنقل من آخر أصقاع الأرض ليصل إلى البلاطات الملكيّة في أوروبا. وكان مصدر الحرير وفنّ صناعته من الأسرار المحاطة بكتمان شديد تماماً مثلما هو الحال بالنسبة للـ«هوت كوتير».
ربيع كيروز، اسم غني عن التعريف، على المستوى العالمي. فعدا عن أياديه البيضاء في دعم المصممين الشباب من العرب، كان ضيفاً مكرماً من قبل «لاشومبر سانديكال» الفرنسية منذ أكثر من عشر سنوات. لكنه هذا الموسم حصل أخيراً على دعوة ليكون عضواً دائماً في اللائحة الرسمية للمشاركين في موسم الـ«هوت كوتير». وهذا يعني أن «ميزون ربيع كيروز» حصلت على حق لا يناله سوى الكبير مثل «شانيل» و«ديور» و«جيفنشي» وإيلي صعب ومن شابههم. في أول عرض له وهو يحمل هذا اللقب قدم تشكيلة متنوعة، تجمع تصاميم راقية مع أخرى أقرب إلى الأزياء الجاهزة إلى جانب أول تقديمه قطعاً رجالية في محاولة لدخول مجال تصميم الأزياء الرجالية. من أول إطلالة كان واضحاً أن المصمم سيبقى وفياً لقناعته بأن الأزياء يجب أن تخدم صاحبها، أيا ًكان أسلوبه وذوقه ومناسباته. كانت عبارة عن قميص أبيض مطرز، وأكمام بشق مفتوح، نسقه مع بنطلون أسود بتفصيل لا يقل دقة في التفصيل. بعد ذلك توالت التصاميم الأنيقة، مثل قطعة مستوحاة من العباءة وأخرى من الجلابية للرجل إضافة إلى معاطف مفتوحة. كلها تميزت بترجمة هندسية تشير إلى مدى قدرته على الإبداع من دون فذلكة أو مبالغة. كانت هناك الكثير من القطع التي اعتمد فيها على الصوف والتافتا، الأمر الذي جعلها قابلة لكل زمان ومكان. بيد أن هذا لا يعني أنه نسي أو تناسى أن الموسم خاص بالـ«هوت كوتير»، أي أن الاقتراحات يجب أن تتحلى بالتميز والتفرد، إذ قدم مجموعة تقطر بلون الذهب وأخرى بتفاصيل احتاج إلى نحو 200 ساعة لتنفيذها في مشغله الخاص. وبالنتيجة كان عرضه أجمل وأرقى ترجمة لفكرة لقاء الشرق والغرب، حيث أخذ هذا المفهوم وحلق به إلى مستوى من الفنية جعل حتى التصاميم البسيطة التي كان من الممكن القول إنها تناسب موسم الأزياء الجاهزة أكثر، لا تبدو نشازاً. بالعكس ذكرتنا بأن الـ«هوت كوتير» ولدت أساساً لخدمة المرأة في كل الأوقات، وبأنها لم تكن تقتصر على مناسبات المساء والسهرة فقط.


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

المنصات الكبيرة قد توفر دفعة هائلة للمصممين الناشئين وتُلمّعهم، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو علاماتهم.

جميلة حلفيشي (لندن)

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.