تظاهرة للمعرفة والتنوير على طرف الصحراء

«معرض القاهرة الدولي للكتاب» في يوبيله الذهبي

زائرة في معرض القاهرة للكتاب
زائرة في معرض القاهرة للكتاب
TT

تظاهرة للمعرفة والتنوير على طرف الصحراء

زائرة في معرض القاهرة للكتاب
زائرة في معرض القاهرة للكتاب

ثمة في هذا العالم المترامي بلدان كثيرة لا يشعر المرء، ولأسباب مختلفة، بأي دافع إلى زيارتها والتعرف إلى واقعها عن كثب. وثمة بلدان نزورها لمرة واحدة، بدافع الاكتشاف أو الفضول، ولا نجد بعد ذلك ما يحثنا على العودة إليها مرة ثانية. على أن مصر هي من البلدان القليلة التي لا تنتمي إلى كلا الصنفين، بحيث لا نكاد نغادرها في الزيارة الأولى حتى تراودنا من جديد فكرة العودة إليها، واستكناه ألغازها وخفاياها وجاذبيتها المغوية التي لا يبطل سحرها أبداً.
ولعل تلك الجاذبية لم تكن وليدة الصدفة ولا تنحصر في نقطة بعينها، بل يتضافر في صنعها الزمان والمكان، التاريخ والجغرافيا، الواقعي والسحري، كما الطبيعة والبشر. فلقد حفل تاريخ مصر القديم بأكثر الأسئلة اتصالاً بالجوهر الإنساني وبلغز الوجود ومعنى الحياة والموت، الأمر الذي استدرج الكتّاب والفلاسفة والشعراء على امتداد العصور إلى الوقوف على العناصر المختلفة التي أعطت لمصر طابعها الخاص ونكهتها الفريدة. وإذا كان المقريزي قد أشار إلى مصر بوصفها «قلب الأرض ومتوسطة الدنيا»، فإن جمال حمدان في كتابه الشهير «شخصية مصر» لم يبتعد كثيراً عما ذهب إليه المقريزي، حيث وصف بلاد الكنانة بأنها «ملحمة جغرافية» يتعانق فيها القلب الأفريقي وقلب العالم القديم، بقدر ما يتعانق النيل مع المتوسط.
ولأن مصر هي في محيطها من البلدان القليلة التي تحمل سمات الدولة العميقة، فإن الغلبة فيها ليست للعابر والعرضي والهش، بل لكل ما يترك على الأرض بصمته الراسخة كالأهرامات والمسلات والمعابد، أو لكل ما يحفظ الروح عبر منع الجسد من التحلل، أو لكل ما يمنع اللحظة العابرة من الزوال، عبر الكتب والأسفار والنقوش والروايات. والغلبة هنا هي، باستثناء خفة الظل، للثقل لا للخفة، وللنواة لا للقشرة، وللتحول البطيء لا للعواصف المرتجلة. كأن اتساع الجغرافيا وقِدم التاريخ يتحولان إلى ضابطي إيقاع لحركة الواقع وتغيراته، ويقيمان الحدود المقبولة بين النظام والفوضى، وبين تمثّل التراث والاندفاع إلى قلب الحداثة. وهو ما أتاح لمصر أن تكون قلعة الماضي من جهة، وأن تكون بوابة التنوير ومفتاح الولوج إلى ثقافة العصر وكشوفه، من جهة أخرى. وفي هذا البلد المحكوم بالمفارقات ينفتح كل شيء على نقيضه الضدي، بحيث يواجَه الشقاء بالنكتة الساخرة والذكاء اللماح، ويواجَه الفقر بالصبر والإرادة، ويواجَه صخب النهار وزحامه بالهسيس الصامت للنجوم التي يتلألأ بريقها السماوي على صفحة النيل.
وإذا كانت شاعرية مصر العالية هي المحصلة التلقائية لثرائها الإنساني والمشهدي، فإن الرواية من جهتها هي ثمرة التنوع المجتمعي المديني الذي يتجاور فيه نيلان اثنان؛ أولهما تصنعه المساقط الهائلة للمياه المتحدرة من أحشاء أفريقيا، والآخر يصنعه ملايين البشر الذين يصنعون من مكابداتهم اليومية نهراً من الحكايات ولغة السرد لا يكف عن التدفق.
لن يكون بالأمر المستغرب تبعاً لذلك أن يكون معرض القاهرة الدولي للكتاب واحداً من أهم المعارض المماثلة؛ ليس على الصعيد العربي فحسب، بل على الصعيد العالمي أيضاً. ليس فقط بسبب الكثافة السكانية المطردة أو الجغرافيا الشاسعة ذات الموقع الحساس، بل بسبب الغنى الثقافي الهائل الذي رفدته الحضارات المتعاقبة، ومن بينها الفرعونية والهيلينية والرومانية والإسلامية، بنتاجها المعرفي الثري وتعبيراتها الإبداعية الخلاقة. صحيح أن المعرض، الذي تأسس قبل نصف قرن، لم يكن الأقدم بين المعارض العربية، لكنه كان بالقطع أهمها وأكبرها وأضخمها من حيث المساحة والتسويق ودور النشر المشاركة.
ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن من اتخذ القرار بتأسيس المعرض هو وزير الثقافة المصري في ذلك الزمن ثروت عكاشة، الذي أسند للكاتبة والناقدة المعروفة سهير القلماوي مهمة الإشراف والتخطيط والتنفيذ العملي، ليكون الحدث إذ ذاك بمثابة تتويج رمزي لاحتفاء المصريين بالذكرى الألفية لتأسيس المدينة التي غدت مع الزمن واحدة من أشهر العواصم وأكثرها اكتظاظاً بالسكان والمعالم التاريخية المتجاورة. وكما جعل عكاشة من المعرض هديته الثمينة للمصريين في ذكرى تأسيس عاصمتهم، شاءت وزيرة الثقافة الحالية إيناس عبد الدايم أن تقدم لهم بعد 50 عاماً من التأسيس هدية موازية تتمثل في نقل المعرض من مكانه القديم في شارع صلاح سالم إلى مكان آخر يقع على طرف الصحراء بعيداً عن الفوضى والزحام الخانق، ويتسم بأرفع المواصفات الهندسية والجمالية، ويتيح لقاصديه أن يحولوا زيارتهم إلى فرصة للراحة والاستجمام والمتعة البصرية الخالصة. هكذا بدت النسخة الجديدة من المعرض أقرب إلى المواصفات العالمية النموذجية لمعارض الكتب، سواء من حيث التناغم الجمالي والهندسي بين أبنيته الأربعة المتقاربة، أو من حيث الأجنحة النظيفة والمرتبة بإتقان، فضلاً عن أحواض الزهور ونوافير المياه والمقاهي المنشأة بعيداً عن العشوائية والفوضى السابقتين.
ومع ذلك فسيكون من الإجحاف بمكانٍ الزعم بأن ما يُكسب الدورة الحالية لمعرض القاهرة أهميتها الاستثنائية ينحصر في الموقع الجديد وحده، بل تلك الجهود المضنية التي بذلها القيمون على الحدث لتحويله إلى عيد حقيقي لمئات الآلاف من الرواد والزائرين، كما للثقافتين العربية والإنسانية، وفي طليعة هؤلاء هيثم الحاج علي، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، ومعاونون نشطون مثل محيي عبد الحي ورشا الفقي وإسلام بيومي، وجنود مجهولون بذلوا أقصى ما يستطيعونه من جهد لإصدار مجلة «مرايا الكتاب» اليومية التي تقصت بنجاح صورة الحدث وأنشطته وانطباعات رواده وزائريه.
على أن استثنائية الحدث ليست مقتصرة على العدد غير المسبوق للمبدعين المدعوين فحسب، بل متصلة بالتمثيل الواسع للأسماء المشاركة التي وجدت في المناسبة فرصتها الأثيرة للتعبير عن هوياتها المختلفة من جهة، وللبحث عبر الحوارات المفتوحة عما يؤالف بين الثقافات ويضعها في مناخ التكامل والتفاعل الإيجابي، من جهة أخرى. وحيث اختيرت الجامعة العربية لتكون ضيفة للشرف في الدورة الحالية، كانت الندوات والأنشطة الثقافية المختلفة تتوزع بين كثير من القاعات المتجاورة، بما يُجبر الزائر المتابع على المفاضلة بين الأنشطة المتزامنة، أو بين أمسية شعرية تدور في قاعةٍ ما وندوة فكريةٍ تدور في قاعةٍ أخرى، رغم توقه العميق إلى حضور النشاطين معاً. وعلى امتداد 13 يوماً كانت قاعاته المختلفة تستضيف مئات الندوات والأمسيات وجلسات الحوار والمناقشة في شؤون الفكر والسياسة والمسرح والفلسفة والتاريخ والسينما والشعر وفنون السرد والتشكيل، وغيرها من شؤون الثقافة وشجونها. وكما كان للنقد الروائي والشعري والفني بوجه عام نصيبه الوافر من الاهتمام، فقد جرى تكريم شخصيات ريادية راحلة كطه حسين وصلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الأبنودي وجمال حمدان ويوسف إدريس. كما كان للترجمة وإشكالياتها نصيبها الوافر من الندوات والمناقشات التي عززها حضور كثير من المستشرقين والمترجمين العرب والأجانب. وسيكون من باب الإنصاف هنا الإشارة إلى الدينامية المفرطة للناقد المصري جابر عصفور، الذي لوحظت مشاركته النشطة في غير ندوة نقدية وحوارية.
أما نسبة الحضور في القاعات فكانت تحددها أحياناً نجومية المشاركين، بمعزل عن طبيعة الموضوع وجاذبيته. وهو ما يؤكده اكتظاظ القاعة بالحضور في بعض الندوات الهامشية، لا لشيء إلا لأن المشاركين فيها هم من الأسماء المعروفة واللامعة، في حين أن ذلك الحضور كان يبلغ حدوده الدنيا في الندوات الأكثر أهمية وتأثيراً، كما كان حال الندوة المعقودة حول الشعر العربي، التي ضمت عدداً من الشعراء والنقاد المعروفين، على سبيل المثال لا الحصر.
لم يتيسر لي بالطبع، ولن يكون بالمستطاع أصلاً، أن أتابع كل ما يدور في قاعات المعرض وزواياه من أمسيات ولقاءات وحوارات بالغة التنوع والثراء، لكن ذلك لا يمنعني من أن ألاحظ الحظوة النسبية التي لقيها الشعر هذا العام بالقياس إلى غيره من الفنون. فقد غصّت القاعة المخصصة لأمسيات الشعر، بمدارسه المختلفة، بالعشرات من عشاق هذا الفن ومتابعيه، كما لو أن هؤلاء يعلنون عودتهم إلى بيت الطاعة الروحي بعد أن انفضوا طويلاً عن ديوانهم الجمعي، وبعد أن آلت ثوراتهم وأحلامهم الوردية إلى حضيضها البائس. ورغم أن كثيراً من المدعوين قد غابوا لسبب أو لآخر، كما كان حال عباس بيضون وعبد المنعم رمضان وعبده وازن وغيرهم، فإن قاعة الشعر في المعرض غصت بعشرات الأسماء الأخرى من مثل: حبيب الصايغ ومحمد إبراهيم أبو سنة وعلي جعفر العلاق ومحمد سليمان وشربل داغر وحسن طلب ومحمد آدم ومراد السوداني وعلوي الهاشمي ويوسف عبد العزيز ومحمد البريكي وسامح محجوب وعزت الطيري وشيرين العدوي، وآخرين من مختلف دول العالم وقاراته وأصقاعه.
أما الرواية بالمقابل فقد حافظت على مكانتها المرموقة التي تحتلها منذ عقود، سواء من حيث الندوات التي حفلت بكثير من نجومها اللامعين أو من حيث عدد قرائها الذي لا يكف عن الازدياد. وإذا كان يصعب على المرء أن يحيط بكل ما شهدته أيام المعرض وأمسياته من وقائع وتفاصيل، فإن ما لا يمكن إغفاله رغم ذلك هو تلك الصداقات القديمة أو المستجدة التي تنعقد بين كتّاب ومبدعين قادمين من أربع رياح الأرض لكي يبحثوا بين ربوع مصر «المحروسة» عما يعصم هذا الكوكب البائس من ربقة الجهل والعنف الظلامي والتقوقع على الذات، بينما يترسخ في دواخلهم حنين غامض للعودة إلى المكان. إذ ليست بعيدة تماماً عن الصواب، تلك المقولة الشعبية المتوارثة التي مفادها أن من يشرب من مياه النيل، لا بد له من أن يعود إليها ولو بعد حين.


مقالات ذات صلة

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

كتاب يكشف علاقة ماكرون وبريجيت... ورسائل تربط الرئيس بفراهاني تثير الجدل

يرصد كتاب فلوريان تارديف علاقة ماكرون وبريجيت وكيف تحولت حياتهما الخاصة وأزمات الإعلام جزءاً من صورة السلطة والسياسة في فرنسا.

كوثر وكيل (لندن)
ثقافة وفنون فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.