الثورة الإيرانية... أربع حقبات تكرس سطوة الولي الفقيه

الثورة الإيرانية... أربع حقبات تكرس سطوة الولي الفقيه
TT

الثورة الإيرانية... أربع حقبات تكرس سطوة الولي الفقيه

الثورة الإيرانية... أربع حقبات تكرس سطوة الولي الفقيه

أربعة عقود من عمر الثورة تبين الجهود الحثيثة والمتواصلة للمقربين من مؤسسة المرشد لإنشاء مؤسسات تعمق سطوة الولي الفقيه وأذرعه الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تقع خارج نطاق الحكومة ولا تخضع لأي مساءلة. حقبات أربع مرت على إيران، توسعت فيها صلاحيات المسؤول الأول والمؤسسات التابعة لصلاحياته، مقابل انحسار صلاحيات الحكومة، وتراجع مبادئ الجمهورية، التي وعد بها الإيرانيون، في طريق الوصول إلى دستور يعامل جميع فئات الشعب بمساواة، ويؤدي إلى مشاركة جميع من طمح للتغير، لكن كيف كانت الحقبات الأربع؟

1 - الحقبة الأولى... التأسيس للثورة وأسلمتها

كانت أولى خطوات الثوار المنضوين تحت عباءة الخميني إعلاناً عن المجلس التأسيسي للثورة بمدرسة علوي في طهران، حيث طغى عليه وجود رجال الدين إلى جانب أعضاء «حركة الحرية» ذات التوجه الليبرالي، فيما غاب اليساريون واليسار الإسلامي، وهو ما أشعل سنوات من النزاع المسلح بين الفريقين المتصارعين على السلطة. وأعلن المجلس تأسيس لجان الثورة و«الحرس الثوري» ليكونا ذراعيه المسلحتين لمواجهة الجماعات المسلحة التابعة لتيار اليسار الإسلامي، التي أثبتت قوتها خلال الأيام الأولى من الثورة.
شهدت الحقبة الأولى تأسيس أول حكومة منبثقة عن الثوار يرأسها الليبرالي المخضرم مهدي بازرغان والمعروف بنزعة «إسلامية معتدلة»، وضمت عدداً من وجوه التيار الليبرالي. لكن حكومة بازرغان سرعان ما اصطدمت برغبات تيار أحاط الخميني من كل صوب، لتبلغ الخلافات قمتها بعدما قام طلاب موالون للخميني باحتلال السفارة الأميركية وبداية أزمة الرهائن. ونال المتشددون بعض أمانيهم، وهو استقالة الحكومة، لتدخل إيران بعدها في مسلسل من الحكومات المتعاقبة، كان رؤساؤها أبرز ضحايا النزاع على السلطة، وتنقيتها من التيار المقرب من الخميني، لتنتهي الأمور إلى تسلم علي خامنئي سدة الرئاسة، وبذلك أصبحت الدولة بعد الثورة خالصة لأهل العمائم.
مشروع أسلمة الثورة لم يمكن محصوراً بالصراع على المناصب، وإنما حاول فريق العمل القيام بأعمال جذرية. هنا أعلن الخميني ومقربوه عن تأسيس «مجلس خبراء الدستور» لكتابة الدستور الإيراني. في هذا المجلس قام مقربو الخميني، وعلى رأسهم حسين علي منتظري الذي أصبح فيما بعد نائباً للمرشد، بضخ فكرة «ولاية الفقيه» في الدستور لتصبح الفكرة عموده الفقري.
وواجهت فكرة «ولاية الفقيه» معارضة شرسة من جانب مختلف التيارات السياسية، وخاصة في الجامعات، لكن ظاهرتين مهمتين جعلت أمر التأسيس لـ«ولاية الفقيه» أمراً ممكناً. قام التيار المقرب من الخميني بتصفية الآلاف من المعارضين في سلسلة إعدامات، ترأسها صادقي خلخالي رجل الدين المقرب من الخميني، وطالت كل من حاول أن يسبح ضد هذا التيار، في خطوة رآها خلخالي ضرورية من أجل ضمان خيمة الثورة. ومن جهة أخرى، قام رجال الدين في مجلس الثورة بوقف العمل في الجامعات، وبدء ما تمت تسميته بالثورة الثقافية، حيث تمت تصفية مئات من الأساتذة والطلبة بداعي عدم التزامهم بمبادئ الثورة.
كل ذلك جرى في ظل الحرب التي دارت بين إيران والعراق؛ حرب حصدت مئات الآلاف من الأرواح، لكن الخميني وصفها بالنعمة؛ نعمة فتحت المجال لأسلمة ثورة لم تكن إسلامية من الأول، والتأسيس لأجهزة تضمن إسلاميتها، وفق القراءة الخمينية، وتصفية كل الذين عارضوا هذه القراءة. انتهت الحرب ومات الخميني وانتهت الحقبة التأسيسية، لتبدأ البلاد حقبة جديدة مختلفة تماماً.

2- حقبة رفسنجاني... التأسيس للثنائيات

في حين كانت الحقبة الأولى حقبة هيمنة الخميني بامتياز، فإن قرب وفاته كان ينذر بانهيار البناء الذي كان الثوار قد شيدوه بعد انتصار الثورة. وفي ظل هذه الظروف، قام علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس البرلمان حينذاك المقرب من الخميني، إلى جانب نجل الخميني أحمد الخميني، بلعب دور كبير، إذ تحركا لإصلاح الدستور الذي كان يحصر حق ولاية الفقيه بين مراجع التقليد، لتكون النتيجة جلوس خامنئي الذي شكك كثيرون في مكانته الفقهية في منصب الولي الفقيه.
ونتيجة لتقاسم السلطة، أصبح هاشمي رفسنجاني يهيمن على الحكومة، إلى جانب هيمنته على مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي أسسه الخميني بمقترح من رفسنجاني، ليكون جهازاً استشارياً للمرشد، لكن رفسنجاني كان يرمي إلى شراكة غير معلنة في ولاية الفقيه.
وشهدت الحقبة الثانية، بروز الاختلافات بين تيارين أساسيين، كانا ينطويان تحت عباءة الخميني أيام حياته. ما أُطلق عليه اسم التيار اليساري (الإصلاحيون لاحقاً) هيمن على البرلمان، فيما هيمن التيار اليميني (المحافظون) على الحكومة، وعلى مؤسسات غير صلاحيات الحكومة.
إلى جانب ذلك، دفعت ظروف ما بعد الحرب الحكومة إلى بدء مرحلة جديدة، تعرف بمرحلة إعادة البناء، كان يريد لها رفسنجاني أن تشمل القطاعين السياسي الخارجي والاقتصاد، فيما كان المرشد الجديد يريدها أن تقتصر على الشأن الاقتصادي، ليصبح بعدها رفسنجاني «فارس الإعمار». ولم يكن الاثنان يريدان لها أن تمتد إلى السياسة الداخلية. لكن الحقبة شهدت تحركاً طلابياً لعب دوراً مهماً فيما بعد في الساحة الإيرانية، كما شهدت تحركاً شعبياً اعتراضاً على التضخم الذي أدى إليه الإصلاح الاقتصادي الذي بدأه هاشمي رفسنجاني.
أدى مدّ الإعمار الذي بدأه رفسنجاني إلى نقلة نوعية في «الحرس الثوري» تركت بصمتها على سلوك الثورة في العقود التالية، إذ أقدم «الحرس الثوري» بإيعاز من رفسنجاني على تأسيس ذراعه الاقتصادية، أطلق عليها اسم «مؤسسة خاتم الأنبياء» لإشراكه في عملية إعادة الإعمار، وبذلك تذويب المؤسسة المدعومة من المرشد في كعكة السلطة، بعد تنامي قوتها العسكرية في أولى سنوات ما بعد الحرب. لكن التذمر الاقتصادي والنشاط الطلابي وظهور اليسار الجديد باسم التيار الإصلاحي ساهم في فوز محمد خاتمي بالانتخابات الرئاسية في العام 1997 وهزيمة المرشح المدعوم من المرشد الإيراني، علي أكبر ناطق نوري. وفي المجموع، يمكن وصف الحقبة الثانية من عمر النظام الإيراني بحقبة رفسنجاني، إذ تركت قراراته وأنشطته أثراً بالغاً في تحديد مستقبل الثورة والنظام الإيراني.

3 - وهم الإصلاحات... فترة خاتمي وإضعاف مؤسسة الحكومة

تم تفسير فوز خاتمي في المجتمع الإيراني على أنه انتصار المهمشين على التيار المهيمن على أجهزة الثورة، والذي كان يرى في المرشح المنافس لخاتمي مرشح الثورة. وبالفعل جاءت حكومة خاتمي وسط مجموعة من المشكلات الاقتصادية وأزمة في العلاقات مع العالم، ليرفع خاتمي شعار الإصلاحات الداخلية لإعادة الشعبية إلى نظام الثورة من جهة، وحوار الحضارات لتذويب الثلوج مع الغرب من جهة أخرى.
نتج عن ذلك فوز الإصلاحيين بأغلبية ساحقة في البرلمان الإيراني، وبمقاعد المجالس البلدية التي بدأها خاتمي لإشراك الشعب في اتخاذ القرارات. وطرح نواب البرلمان محاور مهمة، مثل الاستفتاء على الدستور واستقلالية وزارة المخابرات، واعتصموا في البرلمان اعتراضاً على قرارات مجلس صيانة الدستور.
وأدى الشرخ بين جهاز الحكومة وجهاز القيادة إلى قيام المرشد بإنشاء أو تفعيل المؤسسات الموازية. قام المرشد بتفعيل دور مجمع تشخيص مصلحة النظام، برئاسة رفسنجاني، ليحتل موقعاً سيادياً في عملية التشريع. ومن جهة ثانية، قام بتفعيل الإشراف السيادي لمجلس صيانة الدستور لتحديد صلاحيات البرلمان كما وجّه أمراً بإنشاء جهاز استخبارات للحرس الثوري، ليكون موازياً لوزارة الاستخبارات التي تهيمن عليها الحكومة.
وفي إطار المواجهة ذاتها، قامت أجهزة المرشد بتفعيل «دور مؤسسة خاتم الأنبياء» ومؤسسة «المستضعفين» الخاضعة لسلطته، في الاقتصاد. وكانت النتيجة واضحة؛ إضعاف الحكومة، ما دفع الرئيس خاتمي في نهاية فترة رئاسته للقول إنه لم يكن إلا مجرد مسؤول صغير في هرم كبير من تراتبية السلطة. تلك التصريحات وردت على لسانه أمام مجموعة من طلبة الجامعات الذين كانوا قد خاضوا في زمن خاتمي احتجاجات هزت أركان النظام الإيراني، لولا التدخل القمعي للحرس الثوري والشرطة لدحضها.
لكن في زمن هذا المسؤول الصغير، فإن النظام الإيراني الذي كان يبدي انفتاحاً على الغرب بدأ تفعيل برنامجه النووي الذي كان الأساس في أهم أزمة ستواجهها إيران مع المجتمع العالمي. لكن ختام الحقبة لم يكن يبشر بالخير لإيران، وتزامن مع صعود أحمدي نجاد الذي وصفه المرشد لاحقاً بأنه الأقرب إليه في الآراء، ليحرك لاحقاً ورقة تهميش رفسنجاني من مركز السلطة. حكومة أحمدي نجاد الأولى شكل المنتسبون إلى «الحرس الثوري» أغلب أعضائها، لتكون نقلة نوعية في حالة الازدواجية، التي يعيشها النظام بين المؤسسات التي تعمل على الشق الآيديولوجي، ومؤسسات الحكومة التي تنحصر مهامها بالجانب الاستراتيجي، على ضوء مهمة تنفيذ الدستور.

4 - السلطة المطلقة
الحقبة الرابعة تبدأ فعلياً بولاية أحمدي نجاد الثانية، بعدما تدخل الحرس الثوري والمرشد لصالحه، وهو ما تسبب بنزول الإيرانيين في أكبر موجة احتجاجات شكلت أول تحدٍ وجودي للنظام منذ إقامة الثورة. هنا عملت مؤسسات الثورة بإقصاء التيار الإصلاحي بكل رموزه من الساحة وزجّهم في السجون لصالح أحمدي نجاد، ليتجدد بذلك التنافس الداخلي على السلطة، لكن دعم المرشد لأحمدي نجاد وصل نهايته بعدما احتج الأخير ضد تدخل المرشد والحرس في شؤون حكومته.
لكن سلوك أحمدي نجاد وإصراره على هيمنة الحكومة على بعض أهم مفاصل القرار، دفع مؤسسة المرشد إلى إعادة ترتيب الأوراق عبر المؤسسات البديلة، وبما أن مجمع تشخيص مصلحة النظام كان حصة هاشمي رفسنجاني، الذي شهدت الحقبة نهايته وتهميشه، بعد المواجهة بينه وبين المرشد على إثر فوز أحمدي نجاد، فقد ابتدع المرشد اللجنة العليا لحل الخلافات وتنظيم العلاقات بين السلطات برئاسة محمود هاشمي شاهرودي، ووسّع صلاحيات مجلس خبراء القيادة كآخر حصون المحافظين.
وشهدت الحقبة الرابعة محاولة التيار الإصلاحي فتح البرلمان ومجلس خبراء القيادة. وإن كانت المحاولة ناجحة في العاصمة، فإن مختلف المدن لم تشهد نجاحاً للإصلاحيين، ما أدى إلى وقوع البرلمان ومجلس الخبراء في يد المحافظين. ولكن على مستوى الرئاسة، فقد كُتب للإصلاحيين النجاح حين دعموا روحاني ليفوز بالأغلبية.
وشهدت أخيراً الحقبة الرابعة كذلك بدء التنافس الخفي على خلافة المرشد الذي أصبح القوة المطلقة في الحقبة الرابعة، إذ لا تخرج زاوية من زوايا النظام عن سلطته الشاملة، وذلك بعد تقارير تشير إلى تدهور حالته الصحية، وفسرت محاولات كل من نائب رئيس القضاء السابق إبراهيم رئيسي، الذي دخل انتخابات الرئاسة، ومحاولات رئيس القضاء صادق لاريجاني للحصول على منصب رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام.
ويستمر التنافس في ظل وصول لاريجاني إلى منصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، واحتمال تعيين منافسه إبراهيم رئيسي في منصب رئيس سلطة القضاء، فيما يتأرجح بينهما «الحرس الثوري» الذي يفرض هيمنته اليوم على أجهزة الثورة، ليكون دولة تحمل السلاح في بطن دولة، لا تحملها. على حد تعبير الرئيس الإيراني حسن روحاني.

ضباب المستقبل
تشير متابعة الأنشطة التي قام بها الثوار في مجال صناعة المؤسسات إلى أنهم لم يمتلكوا رؤية واضحة للمستقبل، وكانت الرغبة في زيادة السلطة وتمركزها بأيديهم هي التي تقودهم في سبيل إنشاء مزيد من المؤسسات وإقصاء أو إضعاف المؤسسات الأخرى، حتى إن كنا نتحدث عن مؤسسة الحكومة. وفي الآونة الأخيرة، فقد اتجه المرشد والحلقات المقربة منه إلى امتطاء هذه الآلية عدة مرات، في إطار بسط قبضته على الهرم السياسي الإيراني، ليشمل زوايا أوسع في السياسة والاقتصاد والمؤسسات، فضلاً عن الشريعة.
كما تشير متابعة الأمور إلى ارتفاع مطرد في دور الحرس الثوري في كل الحقبات. فالمؤسسة التي أسسها الثوار لمواجهة معارضيهم أصبحت اليوم تمتلك حصة الأسد في مؤسسات النظام، ويحتمل أن يرتفع هذا الدور، وأن تلعب مؤسسة الحرس الدور الرئيسي في خلافة المرشد، في ظل التنافس على مستقبل ثورة، يرى قادة «الحرس الثوري» أنها ملكه.



لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، أن التهديد الأمني الذي استهدف «قاعدة فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

واستدعت لندن أمس، السفير الإيراني لديها للتعبير عن احتجاجها، كما أدرجت مواطنين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، «لدورهما في تسهيل أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها»، وذلك على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول).

وحذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها. وقال البيان المشترك الذي وقعته 29 دولة، إن «أي محاولة من جانب إيران لتهديد أشخاص على أراضينا، أو إسكاتهم، أو ترهيبهم، أو مضايقتهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو إكراههم.... يُعدّ أمراً غير مقبول».


حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، الاثنين، إن التهديد الأمني الذي استهدف قاعدة «فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

وفي هذا السياق، أعلنت لندن استدعاء السفير الإيراني فيها، وإدراج مواطنَين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الأسبوع الماضي، بشكل مفاجئ، سحب جميع قاذفاتها من طراز «بي1» من القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، عقب الحادثة.

وقال بيرنهام أمام «مجلس العموم (البرلمان)»: «تقييمنا هو أنه من المرجح للغاية أن يكون قد جرى التنسيق في إيران، وبتوجيه شبه مؤكد من (الحرس الثوري) الإيراني». وأضاف: «لن نتسامح مع هذه التهديدات على أراضينا. سنتصدى بحزم لاستخدام إيران الشبكات الإجرامية، مستخدمين كامل صلاحياتنا لاستهدافها واستهداف قنوات تمويلها».

وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير الإيراني في لندن.

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وقال وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند: «نعلن أيضاً تصنيف مواطنَين إيرانيين اثنين؛ لدورهما في تسهيل أو الانخراط في أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد واضح يتمثل في التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها».

وأثارت الواقعة تكهنات واسعة منذ استدعاء الشرطة إلى القاعدة الواقعة في جنوب غربي إنجلترا، بعدما أبلغ مزارع عن وجود مجموعة من الرجال معهم شاحنات صغيرة بيضاء، يمارسون نشاطاً وصفه بأنه «مريب».

ورغم إجراء شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً موسعاً، فإنه قد أُفرج بكفالة عن المشتبه فيهم الـ7 الذين أوقفوا على مدى أيام، ومن بينهم مواطن بريطاني - إيراني، من دون توجيه اتهامات إلى أي منهم.

وصنّفت السلطات البريطانية الواقعة، في حينها، حادثةً «كبيرة»؛ مما أدى إلى إخلاء قرية مجاورة للقاعدة، غير أن مصدر التهديد وطبيعته ظلا يكتنفهما الغموض.

ولم يعثر المحققون على أي متفجرات داخل الشاحنات الصغيرة، لكنهم عثروا على كمية من البنزين، وفق ما ذكره مسؤولون.

وذكّر ميليباند بأن المملكة المتحدة قد «صنّفت (الحرس الثوري) الإيراني بموجب صلاحياتنا الجديدة المتعلقة بتهديدات الدول، وفرضت عقوبات كبيرة على المسؤولين عن أنشطة إيران الخبيثة».


تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
TT

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)

يتباعد موقفا طهران وواشنطن حول شروطهما للعودة إلى التفاوض، مما يجعل فرص إنهاء الحرب تبدو بعيدة في الوقت الحالي. وقالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية بسبب الخلاف على شروط استئناف المفاوضات، لا سيما إصرار واشنطن على بحث الملف النووي الإيراني منذ البداية، وليس في مرة لاحقة.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي يوم الاثنين، أن بلاده لا تزال تدرس الرد الأميركي، وأنها ستنقل موقفها إلى واشنطن عبر الوسطاء فور الانتهاء من تقييمه، مؤكداً استمرار تبادل الرسائل بين الطرفين من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وتضطلع قطر وباكستان بدور الوساطة، إلى جانب أطراف أخرى أبرزها روسيا التي عادت إلى ساحة الوساطة بقوة مؤخراً في مسعى يرمي إلى إنهاء الحرب التي دخلت شهرها الثامن.

خلاف على الشروط

لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ)

تأتي التصريحات الإيرانية في وقت تواجه فيه الجهود الدبلوماسية صعوبات في التوصل إلى صيغة مشتركة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة. وكانت طهران قد قدمت مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، وأكدت لاحقاً تلقيها رداً أميركياً، لكن الاتصالات لم تحقق تقدماً ملموساً منذ ذلك الحين.

من جانبه، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إن الردَّ الأميركي على الشروط السبعة الواردة في المقترح الإيراني بفتح مضيق هرمز خلال 7 أيام، «غيرُ كافٍ». وأضاف أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، لكنها لم توضح موقفها من بقية الشروط، من دون أن يحدد أي الشروط التي وافقت عليها واشنطن وتلك التي لن توافق عليها.

وأضاف أن بعض المسائل لا تزال بحاجة إلى توضيح، من دون الكشف عن طبيعتها.

وأشار رضائي إلى أن إيران لن تعود إلى النهج الدبلوماسي السابق، قائلاً إن «دبلوماسية إيران تغيّرت»، في إشارة إلى تمسك بلاده بموقفها في المفاوضات.

وتكتسب الأزمة أهمية دولية بالنظر إلى الدور الاستراتيجي للمضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل استعادة حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً في أي تسوية محتملة.

توسيع نطاق المواجهة

بزشكيان ورضائي يحضران اجتماعاً بشأن إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

وبالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي، صعّد رضائي لهجته تجاه الولايات المتحدة، متهماً إدارة الرئيس دونالد ترمب بالفشل في تحقيق أهدافها العسكرية المتعلقة بالمضيق، وموجهاً انتقادات حادة إلى لعمليات الأميركية.

كما حذّر من أن تجدد القتال على نطاق واسع قد يدفع إيران إلى استهداف بنى تحتية في المنطقة، تشمل الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى، في تهديد من شأنه توسيع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراع.

ولم يقدم رضائي تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف المحتملة أو توقيت تنفيذ هذه التهديدات، التي تأتي في ظل استمرار التوترات وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

ويتمثل أحد أبرز مواضع الخلاف في ترتيب الملفات المطروحة على طاولة التفاوض؛ إذ تصر الولايات المتحدة على مناقشة البرنامج النووي الإيراني منذ البداية، بينما تريد طهران إعطاء الأولوية لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الأمن في الممر المائي، على أن يُبحث الملف النووي ضمن مسار المفاوضات لاحقاً.

حوار أميركي ـ إسرائيلي بشأن ضرب إيران

لافتة إعلانية كبيرة مناهضة لإسرائيل في خلفية ميدان وسط طهران 12 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

كان الكاتب في صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف عن أن مسؤولين أميركيين قالوا إن إسرائيل هي المتحمسة لاستئناف الحرب، فطلبوا منها مهاجمة إيران منفردة، كي تتحمل هي الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأضاف بن كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة.

استعادة إنتاج المسيّرات والصواريخ

لافتة تحمل صورة ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

جاء الطلب الأميركي بهجوم منفرد تقوم به إسرائيل، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

كانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت مؤخراً أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

تصعيد في «هرمز»

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في غضون ذلك، أعلن «الحرس الثوري» أن قواته استهدفت، يوم الاثنين، سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها. وقالت بحرية «الحرس الثوري» في بيان نُشر على موقعه الإلكتروني «سباه نيوز»، إن «ناقلة نفط عملاقة تعرضت لضربة في مضيق هرمز واشتعلت فيها النيران».

وأضاف البيان أن السفينة المستهدفة «حاولت العبور بعد تعطيل أجهزة التعرّف والتتبع الخاصة بها، وأنها تجاهلت التحذيرات الصادرة عن بحرية (الحرس الثوري)».

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ مما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق مساء يوم الأحد، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي. وأفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية (إسنا) بأن هذه هي ثالث ناقلة نفط «مخالفة» تشتعل فيها النيران منذ يوم السبت، خلال عبورها مساراً غير مسموح به في مضيق هرمز.

وأكدت الوكالة أن «جميع السفن الموجودة في نطاق مضيق هرمز التي تطفئ أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بها ستُصنف على أنها معادية، وسيتم التعامل معها بحزم وشدة».

منافسة على التحكم في المضيق

من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، يوم الأحد، استهداف سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدِفةً مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ مما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم السبت، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها.

ومنذ بداية الحرب، استهدفت إيران مراراً سفناً حاولت عبور مضيق هرمز من دون الحصول على إذن منها.

كان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» علي عظمائي، قد حذّر خلال عطلة نهاية الأسبوع من أن أي سفينة تُغلق أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء عبور المضيق ستُعد هدفاً معادياً.

وقيّدت إيران حركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية. وأصبحت الملاحة في المضيق والتحكم بها إحدى نقاط التجاذب الأساسية بين طهران وواشنطن، إذ تتمسك الأولى بأن تكون هي المشرفة على حركة العبور عبر مسار تحدده، في حين ترفض الثانية وأطراف عدة أخرى هذا الأمر.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وتعكس المواقف الإيرانية في مضيق هرمز والمفاوضات والملف النووي اتساع الفجوة مع واشنطن، مما يزيد من نطاق التوترات الإقليمية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسوية للحرب مرتبطة بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب أولوياته.

غير أن التهديدات باستهداف البنى التحتية الإقليمية، إلى جانب تصاعد الهجمات، تُبرز حجم المخاطر التي قد تواجه أي جهود لاحتواء الصراع ومنع امتداده إلى جبهات جديدة.