الثورة الإيرانية... أربع حقبات تكرس سطوة الولي الفقيه

الثورة الإيرانية... أربع حقبات تكرس سطوة الولي الفقيه
TT

الثورة الإيرانية... أربع حقبات تكرس سطوة الولي الفقيه

الثورة الإيرانية... أربع حقبات تكرس سطوة الولي الفقيه

أربعة عقود من عمر الثورة تبين الجهود الحثيثة والمتواصلة للمقربين من مؤسسة المرشد لإنشاء مؤسسات تعمق سطوة الولي الفقيه وأذرعه الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تقع خارج نطاق الحكومة ولا تخضع لأي مساءلة. حقبات أربع مرت على إيران، توسعت فيها صلاحيات المسؤول الأول والمؤسسات التابعة لصلاحياته، مقابل انحسار صلاحيات الحكومة، وتراجع مبادئ الجمهورية، التي وعد بها الإيرانيون، في طريق الوصول إلى دستور يعامل جميع فئات الشعب بمساواة، ويؤدي إلى مشاركة جميع من طمح للتغير، لكن كيف كانت الحقبات الأربع؟

1 - الحقبة الأولى... التأسيس للثورة وأسلمتها

كانت أولى خطوات الثوار المنضوين تحت عباءة الخميني إعلاناً عن المجلس التأسيسي للثورة بمدرسة علوي في طهران، حيث طغى عليه وجود رجال الدين إلى جانب أعضاء «حركة الحرية» ذات التوجه الليبرالي، فيما غاب اليساريون واليسار الإسلامي، وهو ما أشعل سنوات من النزاع المسلح بين الفريقين المتصارعين على السلطة. وأعلن المجلس تأسيس لجان الثورة و«الحرس الثوري» ليكونا ذراعيه المسلحتين لمواجهة الجماعات المسلحة التابعة لتيار اليسار الإسلامي، التي أثبتت قوتها خلال الأيام الأولى من الثورة.
شهدت الحقبة الأولى تأسيس أول حكومة منبثقة عن الثوار يرأسها الليبرالي المخضرم مهدي بازرغان والمعروف بنزعة «إسلامية معتدلة»، وضمت عدداً من وجوه التيار الليبرالي. لكن حكومة بازرغان سرعان ما اصطدمت برغبات تيار أحاط الخميني من كل صوب، لتبلغ الخلافات قمتها بعدما قام طلاب موالون للخميني باحتلال السفارة الأميركية وبداية أزمة الرهائن. ونال المتشددون بعض أمانيهم، وهو استقالة الحكومة، لتدخل إيران بعدها في مسلسل من الحكومات المتعاقبة، كان رؤساؤها أبرز ضحايا النزاع على السلطة، وتنقيتها من التيار المقرب من الخميني، لتنتهي الأمور إلى تسلم علي خامنئي سدة الرئاسة، وبذلك أصبحت الدولة بعد الثورة خالصة لأهل العمائم.
مشروع أسلمة الثورة لم يمكن محصوراً بالصراع على المناصب، وإنما حاول فريق العمل القيام بأعمال جذرية. هنا أعلن الخميني ومقربوه عن تأسيس «مجلس خبراء الدستور» لكتابة الدستور الإيراني. في هذا المجلس قام مقربو الخميني، وعلى رأسهم حسين علي منتظري الذي أصبح فيما بعد نائباً للمرشد، بضخ فكرة «ولاية الفقيه» في الدستور لتصبح الفكرة عموده الفقري.
وواجهت فكرة «ولاية الفقيه» معارضة شرسة من جانب مختلف التيارات السياسية، وخاصة في الجامعات، لكن ظاهرتين مهمتين جعلت أمر التأسيس لـ«ولاية الفقيه» أمراً ممكناً. قام التيار المقرب من الخميني بتصفية الآلاف من المعارضين في سلسلة إعدامات، ترأسها صادقي خلخالي رجل الدين المقرب من الخميني، وطالت كل من حاول أن يسبح ضد هذا التيار، في خطوة رآها خلخالي ضرورية من أجل ضمان خيمة الثورة. ومن جهة أخرى، قام رجال الدين في مجلس الثورة بوقف العمل في الجامعات، وبدء ما تمت تسميته بالثورة الثقافية، حيث تمت تصفية مئات من الأساتذة والطلبة بداعي عدم التزامهم بمبادئ الثورة.
كل ذلك جرى في ظل الحرب التي دارت بين إيران والعراق؛ حرب حصدت مئات الآلاف من الأرواح، لكن الخميني وصفها بالنعمة؛ نعمة فتحت المجال لأسلمة ثورة لم تكن إسلامية من الأول، والتأسيس لأجهزة تضمن إسلاميتها، وفق القراءة الخمينية، وتصفية كل الذين عارضوا هذه القراءة. انتهت الحرب ومات الخميني وانتهت الحقبة التأسيسية، لتبدأ البلاد حقبة جديدة مختلفة تماماً.

2- حقبة رفسنجاني... التأسيس للثنائيات

في حين كانت الحقبة الأولى حقبة هيمنة الخميني بامتياز، فإن قرب وفاته كان ينذر بانهيار البناء الذي كان الثوار قد شيدوه بعد انتصار الثورة. وفي ظل هذه الظروف، قام علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس البرلمان حينذاك المقرب من الخميني، إلى جانب نجل الخميني أحمد الخميني، بلعب دور كبير، إذ تحركا لإصلاح الدستور الذي كان يحصر حق ولاية الفقيه بين مراجع التقليد، لتكون النتيجة جلوس خامنئي الذي شكك كثيرون في مكانته الفقهية في منصب الولي الفقيه.
ونتيجة لتقاسم السلطة، أصبح هاشمي رفسنجاني يهيمن على الحكومة، إلى جانب هيمنته على مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي أسسه الخميني بمقترح من رفسنجاني، ليكون جهازاً استشارياً للمرشد، لكن رفسنجاني كان يرمي إلى شراكة غير معلنة في ولاية الفقيه.
وشهدت الحقبة الثانية، بروز الاختلافات بين تيارين أساسيين، كانا ينطويان تحت عباءة الخميني أيام حياته. ما أُطلق عليه اسم التيار اليساري (الإصلاحيون لاحقاً) هيمن على البرلمان، فيما هيمن التيار اليميني (المحافظون) على الحكومة، وعلى مؤسسات غير صلاحيات الحكومة.
إلى جانب ذلك، دفعت ظروف ما بعد الحرب الحكومة إلى بدء مرحلة جديدة، تعرف بمرحلة إعادة البناء، كان يريد لها رفسنجاني أن تشمل القطاعين السياسي الخارجي والاقتصاد، فيما كان المرشد الجديد يريدها أن تقتصر على الشأن الاقتصادي، ليصبح بعدها رفسنجاني «فارس الإعمار». ولم يكن الاثنان يريدان لها أن تمتد إلى السياسة الداخلية. لكن الحقبة شهدت تحركاً طلابياً لعب دوراً مهماً فيما بعد في الساحة الإيرانية، كما شهدت تحركاً شعبياً اعتراضاً على التضخم الذي أدى إليه الإصلاح الاقتصادي الذي بدأه هاشمي رفسنجاني.
أدى مدّ الإعمار الذي بدأه رفسنجاني إلى نقلة نوعية في «الحرس الثوري» تركت بصمتها على سلوك الثورة في العقود التالية، إذ أقدم «الحرس الثوري» بإيعاز من رفسنجاني على تأسيس ذراعه الاقتصادية، أطلق عليها اسم «مؤسسة خاتم الأنبياء» لإشراكه في عملية إعادة الإعمار، وبذلك تذويب المؤسسة المدعومة من المرشد في كعكة السلطة، بعد تنامي قوتها العسكرية في أولى سنوات ما بعد الحرب. لكن التذمر الاقتصادي والنشاط الطلابي وظهور اليسار الجديد باسم التيار الإصلاحي ساهم في فوز محمد خاتمي بالانتخابات الرئاسية في العام 1997 وهزيمة المرشح المدعوم من المرشد الإيراني، علي أكبر ناطق نوري. وفي المجموع، يمكن وصف الحقبة الثانية من عمر النظام الإيراني بحقبة رفسنجاني، إذ تركت قراراته وأنشطته أثراً بالغاً في تحديد مستقبل الثورة والنظام الإيراني.

3 - وهم الإصلاحات... فترة خاتمي وإضعاف مؤسسة الحكومة

تم تفسير فوز خاتمي في المجتمع الإيراني على أنه انتصار المهمشين على التيار المهيمن على أجهزة الثورة، والذي كان يرى في المرشح المنافس لخاتمي مرشح الثورة. وبالفعل جاءت حكومة خاتمي وسط مجموعة من المشكلات الاقتصادية وأزمة في العلاقات مع العالم، ليرفع خاتمي شعار الإصلاحات الداخلية لإعادة الشعبية إلى نظام الثورة من جهة، وحوار الحضارات لتذويب الثلوج مع الغرب من جهة أخرى.
نتج عن ذلك فوز الإصلاحيين بأغلبية ساحقة في البرلمان الإيراني، وبمقاعد المجالس البلدية التي بدأها خاتمي لإشراك الشعب في اتخاذ القرارات. وطرح نواب البرلمان محاور مهمة، مثل الاستفتاء على الدستور واستقلالية وزارة المخابرات، واعتصموا في البرلمان اعتراضاً على قرارات مجلس صيانة الدستور.
وأدى الشرخ بين جهاز الحكومة وجهاز القيادة إلى قيام المرشد بإنشاء أو تفعيل المؤسسات الموازية. قام المرشد بتفعيل دور مجمع تشخيص مصلحة النظام، برئاسة رفسنجاني، ليحتل موقعاً سيادياً في عملية التشريع. ومن جهة ثانية، قام بتفعيل الإشراف السيادي لمجلس صيانة الدستور لتحديد صلاحيات البرلمان كما وجّه أمراً بإنشاء جهاز استخبارات للحرس الثوري، ليكون موازياً لوزارة الاستخبارات التي تهيمن عليها الحكومة.
وفي إطار المواجهة ذاتها، قامت أجهزة المرشد بتفعيل «دور مؤسسة خاتم الأنبياء» ومؤسسة «المستضعفين» الخاضعة لسلطته، في الاقتصاد. وكانت النتيجة واضحة؛ إضعاف الحكومة، ما دفع الرئيس خاتمي في نهاية فترة رئاسته للقول إنه لم يكن إلا مجرد مسؤول صغير في هرم كبير من تراتبية السلطة. تلك التصريحات وردت على لسانه أمام مجموعة من طلبة الجامعات الذين كانوا قد خاضوا في زمن خاتمي احتجاجات هزت أركان النظام الإيراني، لولا التدخل القمعي للحرس الثوري والشرطة لدحضها.
لكن في زمن هذا المسؤول الصغير، فإن النظام الإيراني الذي كان يبدي انفتاحاً على الغرب بدأ تفعيل برنامجه النووي الذي كان الأساس في أهم أزمة ستواجهها إيران مع المجتمع العالمي. لكن ختام الحقبة لم يكن يبشر بالخير لإيران، وتزامن مع صعود أحمدي نجاد الذي وصفه المرشد لاحقاً بأنه الأقرب إليه في الآراء، ليحرك لاحقاً ورقة تهميش رفسنجاني من مركز السلطة. حكومة أحمدي نجاد الأولى شكل المنتسبون إلى «الحرس الثوري» أغلب أعضائها، لتكون نقلة نوعية في حالة الازدواجية، التي يعيشها النظام بين المؤسسات التي تعمل على الشق الآيديولوجي، ومؤسسات الحكومة التي تنحصر مهامها بالجانب الاستراتيجي، على ضوء مهمة تنفيذ الدستور.

4 - السلطة المطلقة
الحقبة الرابعة تبدأ فعلياً بولاية أحمدي نجاد الثانية، بعدما تدخل الحرس الثوري والمرشد لصالحه، وهو ما تسبب بنزول الإيرانيين في أكبر موجة احتجاجات شكلت أول تحدٍ وجودي للنظام منذ إقامة الثورة. هنا عملت مؤسسات الثورة بإقصاء التيار الإصلاحي بكل رموزه من الساحة وزجّهم في السجون لصالح أحمدي نجاد، ليتجدد بذلك التنافس الداخلي على السلطة، لكن دعم المرشد لأحمدي نجاد وصل نهايته بعدما احتج الأخير ضد تدخل المرشد والحرس في شؤون حكومته.
لكن سلوك أحمدي نجاد وإصراره على هيمنة الحكومة على بعض أهم مفاصل القرار، دفع مؤسسة المرشد إلى إعادة ترتيب الأوراق عبر المؤسسات البديلة، وبما أن مجمع تشخيص مصلحة النظام كان حصة هاشمي رفسنجاني، الذي شهدت الحقبة نهايته وتهميشه، بعد المواجهة بينه وبين المرشد على إثر فوز أحمدي نجاد، فقد ابتدع المرشد اللجنة العليا لحل الخلافات وتنظيم العلاقات بين السلطات برئاسة محمود هاشمي شاهرودي، ووسّع صلاحيات مجلس خبراء القيادة كآخر حصون المحافظين.
وشهدت الحقبة الرابعة محاولة التيار الإصلاحي فتح البرلمان ومجلس خبراء القيادة. وإن كانت المحاولة ناجحة في العاصمة، فإن مختلف المدن لم تشهد نجاحاً للإصلاحيين، ما أدى إلى وقوع البرلمان ومجلس الخبراء في يد المحافظين. ولكن على مستوى الرئاسة، فقد كُتب للإصلاحيين النجاح حين دعموا روحاني ليفوز بالأغلبية.
وشهدت أخيراً الحقبة الرابعة كذلك بدء التنافس الخفي على خلافة المرشد الذي أصبح القوة المطلقة في الحقبة الرابعة، إذ لا تخرج زاوية من زوايا النظام عن سلطته الشاملة، وذلك بعد تقارير تشير إلى تدهور حالته الصحية، وفسرت محاولات كل من نائب رئيس القضاء السابق إبراهيم رئيسي، الذي دخل انتخابات الرئاسة، ومحاولات رئيس القضاء صادق لاريجاني للحصول على منصب رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام.
ويستمر التنافس في ظل وصول لاريجاني إلى منصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، واحتمال تعيين منافسه إبراهيم رئيسي في منصب رئيس سلطة القضاء، فيما يتأرجح بينهما «الحرس الثوري» الذي يفرض هيمنته اليوم على أجهزة الثورة، ليكون دولة تحمل السلاح في بطن دولة، لا تحملها. على حد تعبير الرئيس الإيراني حسن روحاني.

ضباب المستقبل
تشير متابعة الأنشطة التي قام بها الثوار في مجال صناعة المؤسسات إلى أنهم لم يمتلكوا رؤية واضحة للمستقبل، وكانت الرغبة في زيادة السلطة وتمركزها بأيديهم هي التي تقودهم في سبيل إنشاء مزيد من المؤسسات وإقصاء أو إضعاف المؤسسات الأخرى، حتى إن كنا نتحدث عن مؤسسة الحكومة. وفي الآونة الأخيرة، فقد اتجه المرشد والحلقات المقربة منه إلى امتطاء هذه الآلية عدة مرات، في إطار بسط قبضته على الهرم السياسي الإيراني، ليشمل زوايا أوسع في السياسة والاقتصاد والمؤسسات، فضلاً عن الشريعة.
كما تشير متابعة الأمور إلى ارتفاع مطرد في دور الحرس الثوري في كل الحقبات. فالمؤسسة التي أسسها الثوار لمواجهة معارضيهم أصبحت اليوم تمتلك حصة الأسد في مؤسسات النظام، ويحتمل أن يرتفع هذا الدور، وأن تلعب مؤسسة الحرس الدور الرئيسي في خلافة المرشد، في ظل التنافس على مستقبل ثورة، يرى قادة «الحرس الثوري» أنها ملكه.



عراقجي: التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)
TT

عراقجي: التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

صرّح عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، اليوم السبت بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وأكد على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وأضاف عراقجي في مؤتمر منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة أنه «لو استمر الوضع في غزة وفق ما تخطط له إسرائيل، فالضفة الغربية ستكون التالية».

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، بل هي «بوصلة لمدى فاعلية القانون الدولي»، موضحاً أن «ما نراه بغزة ليس حرباً، ولا نزاعاً بين أطراف متكافئة، بل هو تدمير متعمد للحياة المدنية، وإبادة».

وتابع أن المشكلة ليست فلسطين وحسب، و إنما هناك كيان ينتهك القوانين، ولا يردعه شيء، وأن ما قامت به «إسرائيل كان له أثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها».

وفي إشارة إلى الدور الأميركي في المنطقة، قال وزير خارجية إيران إنه لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر «لاعب واحد».


ترمب يشيد بالمحادثات مع إيران ويؤكد استئنافها مطلع الأسبوع المقبل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في طريقه إلى بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في طريقه إلى بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يشيد بالمحادثات مع إيران ويؤكد استئنافها مطلع الأسبوع المقبل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في طريقه إلى بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في طريقه إلى بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، إن واشنطن أجرت «محادثات جيدة جداً» بشأن إيران، وذلك في أعقاب المفاوضات غير المباشرة التي عُقدت بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عمان، مؤكداً أن الطرفين سيلتقيان مجدداً «مطلع الأسبوع المقبل».

وأضاف ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، «أجرينا محادثات جيدة جدا بشأن إيران، ويبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق».

وأضاف: «سنلتقي مجدداً مطلع الأسبوع المقبل».

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي مستقبلاً المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قبيل انطلاق المفاوضات (ا.ب)

وكان وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي الذي ترأس وفد بلاده إلى المحادثات قد أشاد أيضاً في تصريح للتلفزيون الإيراني الرسمي بـ«أجواء إيجابية للغاية، تبادلنا الحجج وأطلعنا الطرف الآخر على وجهات نظره»، مضيفا أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وشدد عراقجي على أن «المباحثات تركّز حصراً على الملف النووي، ونحن لا نبحث في أي ملف آخر مع الأميركيين»، فيما تؤكد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول أيضاً برنامجها للصواريخ البالستية ودعمها لتنظيمات مسلحة في المنطقة.

وحضّ وزير الخارجية الإيراني واشنطن على وقف «التهديدات» بحق بلاده بما يتيح استكمال المباحثات، موضحاً أنّ المفاوضين سيقرّرون سبل «المضي قدماً» بعد التشاور مع العاصمتين.

وأعلنت واشنطن بعيد انتهاء جولة التفاوض عن فرض عقوبات جديدة على قطاع النفط الإيراني شملت 15 كياناً وشخصين و14 سفينة.

وهذه أول محادثات منذ أن شنّت الولايات المتحدة في يونيو (حزيران) ضربات على مواقع رئيسية للبرنامج النووي الإيراني خلال حرب الاثني عشر يوماً التي بدأتها إسرائيل على إيران.

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي خلال اجتماعه مع نظيره الإيراني عباس عراقجي قبل انطلاق المفاوضات (ا.ب)

وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأنها تجري بصورة غير مباشرة، بينما نشرت وزارة الخارجية العمانية صوراً تظهر الوزير بدر بن حمد البوسعيدي يلتقي كلا من الوفدين بصورة منفصلة.

لكن موقع «أكسيوس» الأميركي نقل عن مصدرين أن مناقشات مباشرة جرت بين عراقجي وويتكوف وكوشنر في سلطنة عمان.

وقال وزير الخارجية العماني على منصة «إكس»: «مباحثات جدية للغاية توسطنا بين إيران والولايات المتحدة في مسقط اليوم»، مضيفاً أنه كان «من المفيد توضيح الموقفين الإيراني والأميركي وتحديد مجالات التقدم الممكن».

وكان عراقجي أكد أن بلاده «جاهزة للدفاع عن سيادتها وأمنها القومي بوجه أي مطالب مسرفة أو مغامرات» أميركية.

وكتب على منصة إكس «إيران تدخل الدبلوماسية بعينين مفتوحتين وذاكرة راسخة للعام الماضي ... نخوض المحادثات بحسن نية ونتمسك بحزم بحقوقنا».

صفر قدرات نووية

في واشنطن، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الخميس، إن الوفد الأميركي سيبحث مع إيران «صفر قدرات نووية»، وحذّرت من أن لدى ترمب «خيارات عديدة في متناوله غير الدبلوماسية» مشيرة إلى أنه «القائد العام لأقوى جيش في التاريخ».

وتجري المحادثات في ظل تعزيز واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع نشرها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها البحرية الضاربة إلى المنطقة، بينما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إن تعرضت لهجوم.

وأظهر مقطع فيديو نشرته وكالة الأنباء العمانية الرسمية أن قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر انضم إلى وفد بلاده.

وعقدت المباحثات بعد أسابيع من حملة قمع الاحتجاجات واسعة النطاق في إيران، والتي أسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وأقرت السلطات الإيرانية بمقتل زهاء ثلاثة آلاف شخص، غالبيتهم من عناصر الأمن والمدنيين، إضافة الى «مثيري شغب» ضالعين في الاحتجاجات.

من جهتها، أوردت منظمات حقوقية حصيلة أعلى. وأفادت منظمة «هرانا» الحقوقية ومقرها الولايات المتحدة، بأنها وثّقت مقتل 6941 شخصاً معظمهم من المتظاهرين، وأحصت توقيف 51 ألف شخص.

وقال ترمب الخميس «إنهم يتفاوضون ... لا يريدوننا أن نضربهم»، مذكرا بأن بلاده تنشر «أسطولا كبيراً» في المنطقة.

وبعدما هدد الرئيس الأميركي بضرب إيران دعما للمتظاهرين، بدل خطابه ليركز على البرنامج النووي.

وتتهم الدول الغربية وإسرائيل إيران بالسعي لامتلاك القنبلة النووية، وهو ما تنفيه طهران مؤكدة حقها في امتلاك برنامج نووي مدني.

وقبل بدء المحادثات، أكدت وزارة الخارجية الصينية أنها «تدعم إيران في الحفاظ على سيادتها وأمنها وكرامتها الوطنية وحقوقها المشروعة ومصالحها»، مضيفة أنها «تعارض الاستقواء الأحادي الجانب».

مخاطر التصعيد

تؤكد إيران أنها تريد أن تبحث حصراً الملف النووي من أجل التوصل إلى رفع العقوبات، رافضة أي مفاوضات حول برنامجها الصاروخي أو دعمها لتنظيمات مسلحة في المنطقة أبرزها «حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية و«الحوثيون» في اليمن.

لكن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو كان قاطعا، إذ أكد أنه «لكي تفضي المحادثات إلى نتائج ملموسة، لا بد من أن تتضمن بنوداً محددة، منها مدى صواريخهم البالستية ودعمهم للمنظمات الإرهابية في المنطقة وبرنامجهم النووي ومعاملتهم لشعبهم».

ورأى معهد دراسة الحرب ومقره في الولايات المتحدة أن «طهران لا تزال تُظهر تعنتا تجاه تلبية مطالب الولايات المتحدة، ما يقلل من احتمال توصل إيران والولايات المتحدة إلى حل دبلوماسي».


محادثات مسقط... «بداية جيّدة» بلا اختراق

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)
صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)
TT

محادثات مسقط... «بداية جيّدة» بلا اختراق

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)
صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، أمس، وسط أجواء من التَّرقب والهواجس حيال جولة ثانية محتملة، بعدما تمسّك الطرفان بشروطهما من دون تحقيق اختراق حاسم.

ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المحادثات بأنَّها «بداية جيدة»، مؤكداً وجود تفاهم على مبدأ مواصلة المسار، لكنَّه شدَّد على أنَّ «انعدام الثقة» يمثل التحدي الأكبر، وأنَّ الاستمرار مشروط بمشاورات تُجرى في طهران وواشنطن. ويلعب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي دور الوسيط، وتنقل بين الوفدين لتبادل الرسائل.

وضمّ الوفد الأميركي برئاسة ستيف ويتكوف، قائدَ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) براد كوبر، في خطوة عُدّت رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري أميركي في المنطقة.

وقال دبلوماسي إقليمي لوكالة «رويترز» إنَّ طهران خرجت من جولة محادثات مسقط بانطباع مفاده أنَّ المفاوضين الأميركيين أبدوا قدراً من التفهّم لمواقفها الأساسية، لا سيما فيما يتعلق بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، مشيراً إلى أنَّ ملف القدرات الصاروخية لم يُطرح خلال النقاشات، وأنَّ الجانب الإيراني استبعد القبول بتصفير التخصيب، لكنَّه أبدى استعداداً لبحث مستواه ونقائه أو صيغ بديلة.