مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

توتر وتهديد طبعا التحضيرات لرئاسية 18 أبريل 2019

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة
TT

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

يتوقع مراقبون لانتخابات الرئاسة التي ستجري بالجزائر في 18 أبريل (نيسان) المقبل، انحصار المواجهة بين مرشحين: الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي لم يعلن رغبته تمديد حكمه... مع أن الأمر بات شبه مؤكد. واللواء المتقاعد علي غديري الذي يلقى عداءً شديداً من طرف الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش و«الرجل القوي» في النظام... الذي يبدي ولاءً شديداً للرئيس بوتفليقة ويريده أن يبقى في الحكم.
آخر فصل في المواجهة بين الرجلين أن صالح، الضابط العسكري الكبير في الرتبة والسن (يقترب من الثمانين)، منع غديري الضابط المتقاعد منذ ثلاث سنوات، من حضور جنازة الوزير المنتدب للدفاع، اللواء عبد المالك قنايزية الذي ووري التراب الأربعاء الماضي. إذ أغلقت سيارات تابعة لجهاز الأمن الطرق التي تربط «الإقامة الانتخابية» لغديري بالمقبرة؛ حيث جرى تشييع العسكري الراحل. وأبلغ رجل أمن غديري صراحة أن «السلطات العسكرية العليا في البلاد لا ترغب في رؤيتك بالمقبرة». وكان رجل الأمن، في الحقيقة، حاملاً لرسالة من قايد صالح مفادها أنه لا يريد أن يجمع بينه وبين غديري مكان واحد، والسبب أن الأخير «تجرأ وأعلن أنه سيترشح للرئاسة، بينما النظام وقلبه النابض الجيش، لم يختاراه لهذا المنصب». هذه هي الرسالة التي فهمتها الطبقة السياسية ووسائل الإعلام، من خلال منع غديري من حضور جنازة قنايزية.
يتساءل المتسائلون حول مآل انتخابات الرئاسية في الجزائر عن ذلك الرجل الذي يثير كل هذا الخوف في رجال النظام...
هل يمكن أن ينافس اللواء المتقاعد علي غديري، حقاً، مرشح النظام في انتخابات يعلم الجميع أن نتائجها محسومة سلفا لمن ينال رضى المؤسسة العسكرية؟
وهل تدعم أي جهة في السلطة اللواء المتقاعد الذي كان مدير الموارد البشرية بوزارة الدفاع سابقاً؟
محمد أرزقي فرّاد كاتب وناشط سياسي، يقرأ هذه الشخصية المثيرة للجدل، فيقول: «بعد حصول علي غديري على التقاعد عام 2015م، شرع في الكتابة لإبراز أفكاره السياسية الجريئة الساعية إلى التغيير، وأشار فيها إلى معارضته للعهدة الخامسة للرئيس الحالي، كما نبّه قائد أركان الجيش بلباقة إلى مسؤوليته أمام التاريخ في حالة قبوله بتمديد العهدة الرئاسية الحالية أو تزكية عهدة خامسة. وأمام إصراره على الترشح، بدا للرأي العام وكأنه يزحف إلى الساحة السياسية عن طريق (المرور بالقوة)، كما يقال بلغة الرياضة».

بصمات المخابرات القديمة في الرئاسية
ويرى فرّاد، وهو برلماني سابق، أن «ما يثير الحيرة في تصريحات المترشح علي غديري وتصرفاته أنه، رغم ما سببه من قلق لمسؤول المؤسسة العسكرية، فإن هذا الأخير قد اكتفى بتنبيهه بما يحفظ له ماء الوجه فقط!! ولذا كثرت علامات الاستفهام حول الجهة التي تحميه؟ وهل يعتبر غديري واجهة للمخابرات السابقة (تحديداً، محمد مدين، مدير المخابرات المعزول عام 2015) التي لا تزال تتمتع بالقدرة على المناورة؟ وهل يستفيد من دعم قوى خارجية؟
هل يسير وفق خريطة طريق مرسومة في جهة ما؟ وما هي الجهة التي تموّل حملته الانتخابية؟ وهل يمكن حصرها في رجل أعمال معروف؟
هل يندرج ترشحه ضمن صراع العُصب النافذة في النظام السياسي الجزائري؟ وهل يترشح غديري للفوز بمنصب الرئيس... أم أن هدفه التموضع تأهباً للاستحقاقات القادمة؟ إنها أسئلة كثيرة ومهمة... لكن الإجابة عنها عصيّة حتى الآن».
وأضاف فرّاد: «بالنسبة للرأي العام، فقد انقسم بين معجب بهذه الشخصية التي يراها البعض هبة من الله لإنقاذ الجزائر، وبين رافض لها على أساس أن الحلّ لا يمكن أن يأتي من أحد أبناء المؤسسة العسكرية، التي كانت هي السّبب في إحداث أزمة سياسية حادة حول الحكم، غداة استرجاع الاستقلال. ذلك أن الرافضين لترشح غديري يعتبرون أن ترشّحه يندرج ضمن صراع العُصب على السلطة وليس إلاّ. أيضاً هؤلاء يستذكرون مسؤوليته في دعم نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، باعتباره رقما بارزا في الفريق النافذ سابقاً، ويشكّون كذلك في قدرته على إحداث القطيعة التامة مع النظام الحالي المدعّم من الخارج». ثم تابع: «... أمّا المعجبون بترشح علي غديري، فهم لا يرون غضاضة في أن يترشح ضابط سابق لمنصب رئيس الدولة، فهو مواطن قبل كلّ شيء. أضف إلى ذلك أنه يتمتع بثقافة الدولة والوطنية الصادقة والكفاءة العالية والشخصية القويّة. ثم إنه ليس من الإنصاف تصنيف كل المنتمين إلى المؤسسة العسكرية في خانة المستبدين. بل وأكثر من ذلك فإن المعجبين المؤيدين يرون أن المؤسسة العسكرية تُعَدّ في طليعة المؤسسات العمومية التي تضمن تكويناً علمياً ومهنياً راقياً، مع تحصين المنتسبين إليها بالوطنية الصادقة. وفضلا عن ذلك فهناك بعض الشخصيات السياسية ذات الوزن الثقيل، تؤمن بدور العسكر في صناعة الحل للأزمة السياسية الحادة، ما دامت الطبقة السياسية الحالية ضعيفة وعاجزة عن تحقيق ذلك بمفردها. هذا ولم يتوان بعض أنصاره عن إضفاء صفة (بوتين الجزائر) عليه، كناية عن قوة شخصيته».
ومن ثم، يعتقد فرّاد أن «ظهور غديري فتح نقاشاً سياسيا قد يطول. وفي الحقيقة فإن ما يُهِمّ المواطن، هو إحداث نقلة سياسية نوعية تعيد الاعتبار للسيادة الشعبية في اختيار المسيّرين للشؤون العامة، وفق القواعد الديمقراطية المعروفة، ولا تهم صفة الجهة التي يتحقق على يدها هذا المكسب، مدنيّة كانت أو عسكريّة. وصدق سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وكرّم وجهه) حين قال: لا تنظر إلى مَنْ قال، بل انظر إلى ما قال».

بين «كاريزما» الجنرال وحرية السياسي
في السياق نفسه، يقول الكاتب ذو التوجه الإسلامي، الأخضر رابحي، إنه تابع إطلالات غديري في الإعلام، وآخرها كان في مقابلة بالفيديو بثتها صحيفة إلكترونية، وقد انتهيت إلى الملاحظات التالية:
- الرجل متحفظ جداً حتى في أسئلة الشؤون الاجتماعية وقضايا الفساد، بل أكاد أجزم أنّ التحفظ غلب عليه وظهرت شخصيته العسكرية التي غطّت على الشخصية السياسية.
- لا يتحكّم جيداً في لغة الحوار والتواصل، ومرتبك جداً... يبدو عليه الخوف والاضطراب في لحن القول وفي ملامحه.
- لا يتحكّم في أي ملف لا اقتصادي ولا ثقافي ولا سياسي، وعباراته كلها تقليدية ذات صبغة عمومية مثل «نهيكل المؤسسات» و«نصلح المؤسسات».
- لا يتمتع بـ«كاريزما» الجنرال ولا حرية السياسي، بل هو ضائع بينهما... وتغلب عليه صفة الإداري التابع الذي يكثر من الإحالات على غرار «اسأله هو» و«اسألهم هم».
- لا يملك المصطلحات الكفيلة بالإجابة عن كل سؤال، بل هو كثير التأجيل يكثر من قول «سنرى» و«سننظر» و«سأجيبك أثناء الحملة».
- ظهر «رماديا»... حاول كسب الجميع وتحاشى استعداء أي أحد بما فيها بوتفليقة وعائلته.
وأضاف رابحي، وهو متتبع حذق للأحداث السياسية: «سجّلت ملاحظات... وعليه يمكن أن أقول ومن خلال متابعتي له، إنه لم يظهر بشخصية السياسي ولا بشخصية العسكري وضاع بينهما، ولم يظهر بمظهر الرئيس الواثق من نفسه ويما يقوله. ربما هي الحمولة الآيديولوجية التي سوّق بها وهي ما أعطته الزخم. وفي تقديري سينطفئ وهجه سريعاً، لأنه شخصية مأمورة أو قل متضخمة فقط، تفتقر لـ(كاريزما) السياسي المتحرر، مع احترامي له».

ماذا عن بوتفليقة؟
وفي الجهة المقابلة، يظهر الترقب كبيرا حيال موقف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فهل «سيفعلها» ويعلن رغبته في تمديد حكمه، وهو الذي أمضى 5 سنوات كاملة هي طول مدة الولاية الرابعة، عاجزاً عن الكلام وعن الحركة؟ هذا السؤال يتداوله قطاع واسع من الجزائريين، كما يتساءلون عمّا إذا كان هو مَن سيختار خليفته في حال عزف عن الترشح للرئاسة.
المعروف أن أربعة أحزاب، تسمى «أحزاب التحالف الرئاسي»، ناشدت الرئيس تمديد حكمه، على رأسها «جبهة التحرير الوطني»، التي هي بيته السياسي منذ أيام ثورة التحرير (1954 - 1962). ولقد استعدت آلاف الجمعيات والتنظيمات، التي تعيش من المال العام، لحملة إشهار كبيرة لصالحه، بمجرد أن يعلن ترشحه. والشائع حالياً أن ذلك سيكون «في غضون أيام»، بمناسبة تدشين «الجامع الكبير»، والمطار الدولي الجديد، وهما مشروعان كبيران مُصنّفان ضمن «إنجازات الولاية الرابعة».

«بذور ثورية»
وليد عبد الحي (فلسطيني)، متخصّص في القضايا الدولية، وأستاذ درّس العلوم السياسية بجامعة الجزائر في تسعينات القرن الماضي، كتب عن الظروف التي تحيط بالانتخابات، من موقع الخبير في شؤون الجزائر. ومما يقوله: «تشكل إعادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مماحكة لتاريخ وثقافة المجتمع الجزائري، فهذا المجتمع كنت قد عايشته، بل وأنجزت بحثاً مرهقاً عنه وتحاورت مع نخبته السياسية (من رؤساء أو رؤساء حكومات) ونخبته العسكرية (في أكاديمية شرشال وقادة مختلف الأسلحة) ونخبته الفكرية (لا سيما في المؤسسات العلمية) ونخبته الدينية (بخاصة من «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي كتبتُ الكثير من المقالات لصحيفتها «العقيدة») ولحركة حماس (زمن المرحوم محفوظ نحناح)، ناهيك من قيادات في جبهة التحرير وفي الصحف الرسمية وغير الرسمية والصحف المختلفة. هذه الخلفية، تجعلني أؤكد على الملامح التالية في المجتمع والثقافة الجزائرية والتي يبدو أن جبهة التحرير تماحكها».
ويشرح عبد الحي ما رمى إليه بالقول إنه في المجتمع الجزائري «بذور ثورية يمكن تلمّسها في ثقافة كراهية ما يسميه المجتمع الجزائري بلهجته (الحُقْرة)، والمتمثلة في التعالي على الآخرين. وتشبّث جبهة التحرير برجل مقعد ومريض - مع كل الاحترام لتاريخه السياسي - هو شكل من (الحقرة) للنخب الجديدة التي أفرزتها مرحلة ما بعد الاستقلال الذي مضى عليه نحو ستة عقود. وهو ما يعني أن الفارق بين معدل جمهور ما بعد الاستقلال وعمر الرئيس المُعاد ترشيحه وهو 82 سنة كبير للغاية، فهل يعقل أن 60 سنة من جيل ما بعد الاستقلال بكل ما يعنيه من تحوّلات اجتماعية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي لم يفرز من هو مؤهّل لشغل المنصب؟ وأجزم، استناداً لمعرفتي بأن في الجزائر عقولاً وقدراتٍ علمية ذات مستوى عالمي... قادرة على إدارة الدولة بما يتناسب مع التطور العالمي، لكنها نخب (محقورة) بفعل منظومة القيود التي صنعها جيل الثورة».
وأردف عبد الحي: «موقع الجزائر في التصنيفات الدولية، خلال السنوات العشر الماضية، لا يشير إلى أنها تسير نحو الأفضل لكي يجري تبرير تشبث نخبة جبهة التحرير بالسلطة. ودعوني ألق نظرة على هذا الترتيب للجزائر عالمياً (استنادا لمقاييس دولية متعددة وحساب المعدل العام لتقييماتها):
- مؤشر الديمقراطية: ترتيب الجزائر هو 126 بين 167 دولة، وحصيلتها هي 3.5 من عشرة وتقع ضمن الدول السلطوية.
- مؤشر الفساد: تحتل الجزائر المرتبة 105 من بين 180 دولة وبمعدل نزاهة هو 35 من مائة.
- مؤشر الاستقرار السياسي: تحتل المرتبة 104 في معدل الاستقرار الحكومي بين 178 دولة وبمعدل 63.16 من مائة (وتشمل المؤشرات الفرعية لهذا المقياس 12 مؤشرا هي تدخل الأجهزة الأمنية، وحراك النخب الفئوية، وتظلمات الفئات الاجتماعية، والتراجع الاقتصادي، واللاتساوي في توزيع الثروة بين الأقاليم الجغرافية للدولة، ونقص مراعاة حقوق الإنسان وهجرة الأدمغة، ومدى شرعية السلطة، ومستوى الخدمات العامة، ومدى العدالة في تطبيق القانون، والضغوط السكانية، والهجرات الأجنبية نحو الدولة والضغط السكاني، وحجم التدخل الخارجي في سلوك الدولة).
- مؤشر العسكرة (militarization) ونفقات التسلح: تحتل الجزائر في مستوى العسكرة (وهو معدل الأنفاق العسكري قياساً لإجمالي الناتج المحلي وعدد الجيش قياساً لعدد السكان ومقارنة النفقات الصحية بالنفقات العسكرية) المرتبة 14 في العالم بمعدل 74.3 من مائة، وفي الإنفاق العسكري قياسا لمعدل الناتج المحلي تحتل الجزائر المرتبة الخامسة عالمياً بمعدل 5.7 من مائة، وهو ما يشكل 16.1 من مائة من إجمالي نفقات الحكومة ما يضعها في المرتبة الثامنة عالمياً في نسبة الأنفاق العسكري من مختلف نفقات الحكومة الأخرى (الصحة والتعليم والبنية التحتية...الخ).
- في مؤشر مستوى التعليم تحتل الجزائر المرتبة 102 بين 149 دولة (ويجري قياسه من خلال نوعية التعليم، والقدرة على الالتحاق المدرسي، وحجم رأس المال البشري)
ثم استدرك موضحاً: «ما سبق لا ينفي بعض المؤشرات الإيجابية، مثل الفروق في الدخل وحجم الطبقة الوسطى، والذي تحقق فيه الجزائر موقعاً لا باس به، طبقا لمؤشرات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة دون المبالغة في دلالاته وتداعياته السياسية والاقتصادية. وأغلب ما اطلعت عليه من دراسات غربية وعربية وآسيوية، يشير إلى أن إعادة ترشيح بوتفليقة في ظروفه الصحية الحالية، وفي ظل عمره (يزيد على معدل عمر الرجال في الجزائر بنحو 9 سنوات) قد ترك انطباعا سيئا عن بنية السلطة، وعن حيوية النخب السياسية الجزائرية».
وخلص عبد الحي إلى القول: «يبدو أن الثورات تفقد خصوبتها بعد المولود الأول لها، وعليه تبقى مصرة على رعايته دون غيره... الجزائر دولة لها بريقها في الوعي الجمعي العربي والأفريقي بل والعالم الثالث كله، فلماذا تصرّ بعض نخبها التاريخية على حرمانها من تجديد دورها التاريخي عبر نخب جديدة؟ هل هي ثقافة مماحكة التاريخ؟ أم بريق الكرسي؟ أم مصالح الدولة العميقة؟ أم المساندة الخارجية الكاملة؟.. أم كلها معا.. ربما».

عبد الرزاق مقري.. يطرح نفسه مرشحاً لـ«التوافق الوطني»
- في سياق المواجهة الجارية، بين اللواء المتقاعد علي غديري وأنصاره والفريق الذي يدعم الرئيس بوتفليقة، يتنقل عبد الرزاق مقري رئيس «حركة مجتمع السلم» («حمس» حالياً، وحماس سابقا) الإسلامية، بين الولايات ليشرح رؤيته لحل أزمات البلاد.
ولقد بدأ بالفعل في جمع التواقيع (60 ألفا) الخاصة بالترشح مبديا عزما على الفوز. وقال بهذا مقري الخصوص: «إن أمر الوطن جد وليس بالهزل. إنه وديعة الشهداء والمجاهدين. إنه وطن واحد ليس لنا غيره.. صلاحه صلاحنا وسلامته سلامتنا. هو أمانة بين أيدينا. قد يُعذر في التفريط فيه بسطاء أهله ممن لا يعرفون الأمور على حقيقتها، ولكن لا يعذر أبدا خلّصه ونخبه وقادته الذين يعرفون الحقائق ومآلات الأوضاع».
ويقول مقري إن الجزائر «تملك من الخيرات ما يجعلها بلداً مزدهراً ومتطوراً قوياً بين الأمم ومع ذلك لم تتطور. السبب ليس بالبرامج والأفكار التي هي متوافرة وموجودة بكثرة، أو تجارب نجاحات الدول التي كانت في مستوانا قبل سنوات مكتوبة ومرصودة وموثقة في متناول الجميع، إنما الأمر يتعلق بعدم الرشد في الحكم، وقلة كفاءة المسؤولين، وغياب إرادة الإصلاح وسيطرة الفساد وهيمنة المصالح الخارجية على حساب المصلحة الوطنية».
ويصف مقري نفسه بـ«مرشح التوافق الوطني... فإذا انتخبني الشعب لرئاسة الجمهورية، فسيكون أول مشروع لي التوافق الوطني وجمع الجزائريين، والطبقة السياسية حول رؤية سياسية واقتصادية تخرج البلد من الأزمة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.