واشنطن تعلقّ العمل بمعاهدة الصواريخ النووية مع روسيا

ترمب يعرض معايير جديدة للتفاوض

واشنطن تعلقّ العمل بمعاهدة الصواريخ النووية مع روسيا
TT

واشنطن تعلقّ العمل بمعاهدة الصواريخ النووية مع روسيا

واشنطن تعلقّ العمل بمعاهدة الصواريخ النووية مع روسيا

أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أن الولايات المتحدة ستعلق معاهدة الحد من الصواريخ النووية متوسطة المدى «إن إف تي»، التي تم توقيعها عام 1987 وظلت محور الأمن الأوروبي لعقود. وقال بومبيو، خلال مؤتمر صحافي صباح أمس الجمعة، إن «انتهاكات روسيا تضع الملايين من الأوروبيين والأميركيين في خطر أكبر، ومن واجبنا أن نستجيب بشكل مناسب»، مضيفا أن الولايات المتحدة قدمت «متسعا من الوقت» لروسيا للعودة إلى الامتثال للمعاهدة. وتابع وزير الخارجية: «على مدى سنوات، انتهكت روسيا شروط معاهدة القوى النووية متوسطة المدى دون ندم»، مضيفا: «لا يوجد معني لاستمرار التزام الولايات المتحدة بالمعاهدة إذا لم تلتزم روسيا بذلك».
وتحظر المعاهدة جميع الصواريخ الأرضية التي يتراوح مداها بين 500 إلى 5500 كيلومتر، وتم توقيع هذه المعاهدة خصيصا لإبقاء الصواريخ النووية الأرضية خارج أوروبا.
من جانبه، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض مع روسيا للحد من التسلح في إطار معايير جديدة تلزم الطرفين ببنود الحد من التسلح. وقال في بيان أمس: «لا تزال إدارتي ملتزمة بالتحكم الفعال في الأسلحة الذي يدفع بأمن الولايات المتحدة وحلفائها وأمن الشركاء، بشكل يمكن التحقق منه وقابل للتنفيذ. حتى يتسنى للحد من التسلح المساهمة الفعالة في تحقيق الأمن القومي، ويجب على جميع الأطراف تنفيذ التزاماتهم بإخلاص. نحن على استعداد للمشاركة مع روسيا في مفاوضات الحد من التسلح في إطار هذه المعايير».
وأضاف: «الأهم من ذلك، أن نطور، ربما للمرة الأولى على الإطلاق، علاقة متميزة على المستويات الاقتصادية والتجارية والسياسية والعسكرية. سيكون هذا أمرا رائعا بالنسبة لروسيا والولايات المتحدة، وسيكون أيضا رائعا للعالم».

وتابع: «لقد انتهكت روسيا لفترة طويلة جداً معاهدة القوات النووية متوسطة المدى (آي إن إف) مع الإفلات من العقاب. وطورت وأرست قذائف محظورة بشكل سري، الأمر الذي يشكل تهديداً مباشرا لحلفائنا وقواتنا في الخارج. غدا (اليوم السبت) ستعلق الولايات المتحدة التزاماتها بموجب معاهدة (آي إن إف) وستبدأ عملية الانسحاب منها، التي سيتم الانتهاء منها خلال 6 أشهر، ما لم تعد روسيا إلى الالتزام من خلال تدمير كل صواريخها وقاذفاتها والمعدات المرتبطة بها. حلفاؤنا في حلف الناتو يدعموننا بشكل كامل، لأنهم يدركون التهديد الذي يشكله انتهاك روسيا، والمخاطر التي ينطوي عليها الحد من التسلح مع تجاهل انتهاكات المعاهدة».
وأضاف: «لقد التزمت الولايات المتحدة بشكل كامل بمعاهدة (آي إن إف) منذ أكثر من 30 عاما، لكننا لن نظل مقيدين بشروطها بينما تقوم روسيا بتضليل أفعالها. لا يمكننا أن نكون البلد الوحيد في العالم الذي يلتزم، من جانب واحد، بهذه المعاهدة أو أي معاهدة أخرى. سوف نمضي قدما في تطوير خياراتنا للرد العسكري، وسنعمل مع حلف الناتو وحلفائنا وشركائنا الآخرين على حرمان روسيا من أي ميزة عسكرية من سلوكها غير القانوني».
تعهدت وزارة الخارجية الروسية أمس (الجمعة)، باتخاذ إجراءات رداً على انسحاب الولايات المتحدة المقرر من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الروسية «تاس»، إن «موسكو تحتفظ بحق الرد بإجراءات مناسبة. وسيحدث ذلك بشكل طبيعي». وقالت زاخاروفا إن الولايات المتحدة تنسحب من المعاهدة «كاستراتيجية كي تتخلص من التزاماتها القانونية الدولية».
أعلن المتحدث الصحافي باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، أمس الجمعة، أن واشنطن لم تبلغ موسكو بالإجراءات المستقبلية فيما يخص معاهدة التخلص من الصواريخ، بحسب وسائل إعلام روسية. وأضاف: «لكن عدم رغبة الولايات المتحدة في التفاوض حول هذا الموضوع يشير إلى أن القرار اتخذ منذ فترة طويلة، وسوف يبدأ تنفيذه قريبا». وأضاف بيسكوف للصحافيين، ردا على سؤال عما إذا كانت موسكو تسلمت من واشنطن أي إشعارات: «لا، ولكن بقدر ما نفهم، أنه في الثاني من فبراير (شباط) نظريا، يجب أن نتلقى نوعا من الإشعار من الولايات المتحدة».
من ناحية أخرى، أصدرت لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب، أول من أمس، حقائق حول خداع روسيا المستمر في الالتزام بالمعاهدة. وجاء في الوثيقة: «لقد انتهكت روسيا معاهدة (آي إن إف) لمدة لا تقل عن عشر سنوات. في ذلك الوقت، حثهم رؤساء كلا الحزبين على العودة إلى الامتثال، وقد قام الكونغرس بتوجيه اللوم عليهم، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات ضدهم، وهدد الرئيس بالانسحاب من المعاهدة. إلا أن أيا من هذه الإجراءات لم يقنع روسيا بالعودة إلى الامتثال. بدلاً من ذلك، أمضت عقدا من الزمن في تطوير قدرة لا نستطيع الرد عليها. ويقوم أعداء آخرون، مثل الصين بتطوير أسلحة مماثلة للاستفادة من الالتزام الأميركي من جانب واحد».
وأضافت: «إن الشعب الأميركي يشعر بالقلق من محاولات روسيا العدوانية الكثيرة لتقويض المصالح الأميركية. يجب أن نواصل العقوبات استجابة للتدخل في انتخاباتنا وغزو جيرانها. يجب أن نستمر في إعادة بناء قوتنا العسكرية في أوروبا بينما ندعم حلفائنا. ويجب علينا الانسحاب من معاهدة لم تعد توفر الاستقرار الاستراتيجي الذي كان من المفترض تقديمه».
وعلى الرغم من إعلان الإدارة الأميركية تعليق المعاهدة، فإنه سيكون أمام روسيا ستة أشهر كفرصة أخيرة للالتزام ببنود المعاهدة، ومحاولة إنقاذها، غير أن كثيرا من المراقبين يتوقعون أن ترفض روسيا الالتزام، مما يزيد مخاطر نشوب سباق تسلح جديد في أوروبا، والذي قد يكلف ميزانيات كثير من الدول، وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة والصين، مليارات الدولارات. وبدءا من اليوم، لن تكون الولايات المتحدة ملتزمة ببنود المعاهدة حتى يتم استكمال إجراءات انسحابها. وكان ممثلا الولايات المتحدة وروسيا، أعلنا الخميس، أنهما فشلا في تسوية خلافات الدولتين حول المعاهدة. وأكدت كل من أندريا تومبسون، وكيلة وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح، وسيرغي ريابكوف، نائبة وزير الخارجية الروسي، أنهما فشلا في التوصل إلى حلول لإنقاذ المعاهدة النووية. وأنهت تومبسون وريابكوف، آخر محادثات بين روسيا وأميركا حول المعاهدة. وكانا قد التقيا على هامش اجتماعات القوى النووية المنعقدة في بكين. وقال سيرغي ريابكوف، إن موسكو ستواصل العمل لمحاولة التوصل إلى اتفاق على الرغم من فشل المحادثات، واتهم واشنطن بتجاهل الشكاوى الروسية بشأن الصواريخ الأميركية وتبنيها موقفا مدمرا في المحادثات. وأضاف أن الولايات المتحدة لم تكن تتوقع أي نتائج من المحادثات وأن مهلة الستين يوما التي أعلنت عنها كانت مجرد «لعبة لتغطية قرارها الداخلي بالانسحاب من المعاهدة».
ومند عام 2014 تتهم الولايات المتحدة روسيا بانتهاك معاهدة الحد من الأسلحة النووية، وتزعم أن صاروخ الروسي «كروز 9M729» الذي يطلق من الأرض، يدخل في نطاق المعاهدة. بينما تقول روسيا إن نظام الدفاع الصاروخي الأميركي «إيجيس» المنتشر في أوروبا يتشابه مع صواريخ كروز الروسية، أو ما يطلق عليها (9M729) التي تدعي واشنطن أنها تخالف المعاهدة.
جدير بالذكر أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة، يمكن أن تمضي روسيا في نشر المزيد من الصواريخ التي يُزعم أنها تنتهك المعاهدة. بينما ستقوم الولايات المتحدة بالفعل بتطوير سلاح خاص بها لمواجهة ذلك. كما أن زوال المعاهدة من شأنه أن يحرر الولايات المتحدة من نشر أسلحة نووية متوسطة المدى لمواجهة نشر الصين لهذا النوع من الأسلحة، مما قد يؤدي إلى تصاعد التوتر في آسيا، في الوقت الذي يري فيه الرئيس ترمب أن الولايات المتحدة «يجب أن تعزز وتوسع قدرتها النووية بشكل كبير».
ويعني انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة أن الاتفاق الوحيد المتبقي لضبط وتنظيم الترسانة النووية لدى أكبر قوتين نوويتين في العالم سينتهي في 2021. وهي المعاهدة التي وقعها الرئيسان السابقان الأميركي باراك أوباما والروسي ديمتري ميدفيديف، في عام 2010. ويمكن تمديد المعاهدة لمدة خمس سنوات إذا وافق الطرفان، إلا أنه حتى الأن لم تبدأ أي محادثات بشأن تمديدها.

- الأوروبيون قلقون من أن تصبح قارتهم «أرض معركة»
أعرب كثير من وزراء الخارجية الأوروبيين عن قلقهم بشأن انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة. وقالت المسؤولة العليا للشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيديركا موغيريني، عقب اجتماع لوزراء خارجية التكتل في بوخارست: «ندعو إلى الحفاظ على هذه المعاهدة في ظل إذعان كامل من الطرفين»، مشيرة إلى أن أوروبا لا تريد أن تتحول إلى «قاعة معركة... حيث تواجه القوى الكبرى بعضها». وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس «من دون معاهدة القوى النوية المتوسطة المدى فسيكون هناك أمن أقل». وأشار إلى أن الخروقات الروسية ألغت المعاهدة. وقال وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن: «جغرافياً نحن من سيعاني في حال عودة التسلح إلى الأجندة»، حيث حث واشنطن وموسكو على استخدام الأشهر الستة المقبلة للحوار. وقال نظيره البلجيكي ديدييه رايندرز إن الانسحاب من المعاهدة ليس النهج الصحيح لـ«النضال من أجل حظر انتشار الأسلحة النووية». ويخشى كثيرون في أوروبا من أن انسحاب أميركا سوف يؤدي إلى نقاش بشأن إعادة التسلح النووي.
وفي برلين، قال المتحدث باسم الحكومة، شتيفان زايبرت، إن ألمانيا سوف تجري محادثات مع شركائها بحلف شمال الأطلسي (ناتو) بشأن الإجراءات الضرورية لـ«ضمان الردع والقدرات الدفاعية للحلف» من دون معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى. وأضاف زايبرت: «إذا أعلنت أميركا انسحابها، فسوف تكون الكرة في ملعب موسكو لإنقاذ المعاهدة».



نائب المستشار الألماني: العلاقة بين أميركا وأوروبا «بصدد التفكك»

صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
TT

نائب المستشار الألماني: العلاقة بين أميركا وأوروبا «بصدد التفكك»

صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 14 يناير 2026 في برلين تظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يمين) ووزير المالية لارس كلينغبايل في بداية اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)

حذّر نائب المستشار الألماني لارس كلينغبايل، الأربعاء، من أن العلاقة مع الولايات المتحدة «بصدد التفكك»، وأن أوروبا تمر بمرحلة تُثار فيها «تساؤلات حول ثوابتها»، في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثارها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً حقيبة المالية خلال خطاب في المؤسسة الألمانية للأبحاث الاقتصادية «دي آي دبليو» في برلين، إن «التحالف عبر الأطلسي يشهد تحولاً أعمق بكثير مما كنا نرغب في الاعتراف به حتى الآن»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».


تحليل: الحد من التسلح النووي لا يزال أمراً مهماً للغاية

محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
TT

تحليل: الحد من التسلح النووي لا يزال أمراً مهماً للغاية

محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)
محطة أوكوني النووية الأميركية التابعة لشركة «ديوك إنرجي» في سينيكا بولاية كارولاينا الجنوبية (رويترز)

يمنح تصاعد المنافسة بين القوى العظمى، الولايات المتحدة، سبباً أكبر للاستثمار في أطر التعاون الدولي للحد من الأسلحة النووية.

وقال محللان في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه بعد مرور نحو 80 عاماً على قصف هيروشيما وناغازاكي، لا يزال المجتمع الدولي يواجه التداعيات الاستراتيجية والسياسية والأخلاقية لسباقات التسلح النووي.

وقد حددت المنافسة الثنائية خلال الحرب الباردة الديناميكيات النووية العالمية، ولكن المشهد اليوم أكثر تعقيداً؛ حيث يشمل دولاً متعددة تمتلك أسلحة نووية، وتقنيات ناشئة، وتحالفات جيوسياسية متغيرة.

فما دوافع سباقات التسلح النووي المعاصرة؟ وما المخاطر التي تشكلها هذه المنافسات؟ وما المسارات المحتملة نحو الاستقرار في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد؟

تطور سباقات التسلح النووي

خلال الحرب الباردة، انخرطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في إنتاج واسع النطاق للأسلحة النووية، مدفوعَين بنظرية الردع والتنافس الآيديولوجي والمخاوف من الضعف. وأدى انتهاء الحرب الباردة إلى تخفيف حدة التوترات، ولكنه لم يقضِ على الأسلحة النووية. وبدلاً من ذلك، تطور النظام العالمي إلى بيئة متعددة الأقطاب تضم 9 دول نووية، لكل منها ثقافتها الاستراتيجية واهتماماتها الأمنية الخاصة.

وعلى الرغم من أن غالبية دول الأمم المتحدة أيدت مبدأ نزع السلاح النووي، لم تتبنَّ أي من الدول التي تمتلك أسلحة نووية حالياً هذا المفهوم؛ بل ولم تتخذ أي خطوات ضئيلة في هذا الاتجاه.

وقال المحللان إن هناك عدة عوامل تدفع حالياً إلى تحديث الأسلحة النووية وسباقات التسلح المحتملة، وهي:

الابتكار التكنولوجي: تثير الأسلحة الفرط صوتية والقدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع الصاروخي، شكوكاً جديدة بشأن قدرة الترسانات النووية على البقاء. وهناك مصدر آخر لعدم الاستقرار المحتمل، وهو الفاعلية المتزايدة للأسلحة التقليدية في توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى بقدرات تدميرية، والتي قد تستدعي رداً نووياً. بالإضافة إلى ذلك، تقلص أنظمة المعلومات والتصنيع الحديثة، مقارنة بأنظمة الأجيال السابقة، والمدة الزمنية بين الفكرة وإنتاج النموذج الأولي وبين النموذج الأولي والإنتاج الضخم.

التنافس الإقليمي

يهدد التنافس العسكري الإقليمي بين الهند وباكستان، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، والصين والهند، وبين الصين وكوريا الشمالية، واليابان والولايات المتحدة، بتصعيد الحرب التقليدية إلى استخدام للأسلحة النووية؛ بل وحتى من دون تجاوز العتبة النووية، ويفاقم التوترات النووية الإقليمية والعالمية.

تآكل الحد من التسلح: أدى الانسحاب من اتفاقيات الحد من التسلح النووي -مثل معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى- إلى جانب إضعاف اتفاقية «ستارت» الجديدة التي تكاد تنتهي، إلى خلق حالة من الفوضى في مجال الحد من التسلح، مما يتسبب في انعدام الثقة التنافسي بين القوى النووية، وزيادة عدم اليقين بشأن تفكيرها الاستراتيجي النووي.

المنافسة بين القوى العظمى: أسفر وصول الصين شبه الحتمي كقوة نووية عظمى ثالثة عن ظهور محور إضافي من عدم اليقين، مقارنة بالتنافس الثنائي خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وتعد مشاركة الصين في صيغة ثلاثية لتبادل التفكير الاستراتيجي بشأن الأسلحة النووية والحد من التسلح ضرورة حتمية، وإن كانت صعبة للغاية، بالنسبة للدول الثلاث وقادتها العسكريين.

مخاطر وعواقب تجدد سباقات التسلح

عدم الاستقرار الاستراتيجي: مع سعي الدول لامتلاك ترسانات أكثر تطوراً وتنوعاً، يزداد خطر حدوث سوء تقدير. ويمكن أن تؤدي التقنيات التي تقلص وقت صنع القرار -مثل المركبات الانزلاقية فائقة السرعة، وأنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي- إلى زيادة احتمالية الاستخدام النووي العرضي أو الاستباقي.

مسارات التصعيد الإقليمي

في جنوب آسيا، تتسبب فترات إطلاق الصواريخ القصيرة والعقائد الغامضة في تفاقم حدة الأزمة بين الهند وباكستان. وفي شبه الجزيرة الكورية، تشكل القدرات المتزايدة لكوريا الشمالية تحدياً لأطر الردع التقليدية. وفي أوروبا، يثير الموقف النووي الروسي وردود فعل حلف شمال الأطلسي (الناتو) شكوكاً جديدة تذكر بديناميكيات الحرب الباردة، ولكن مع وجود عدد أكبر من الجهات الفاعلة وقيود أقل.

التكاليف الاقتصادية وتكاليف الفرص البديلة: تتطلب برامج تحديث الأسلحة النووية استثمارات مالية ضخمة. لذلك، بالنسبة لكثير من الدول، فإن السعي وراء القدرات النووية يعكس مفاضلة بين الفوائد الأمنية المتوقعة والاحتياجات المجتمعية طويلة الأجل. حتى في إطار الاحتياجات الدفاعية، توجد مفاضلات مهمة بين أنظمة الأسلحة المفضلة ودعم البنية التحتية.

وعلى سبيل المثال، في حالة الولايات المتحدة، قد يكون هناك تنافس بين تكاليف تطوير ونشر نظام الدفاع الصاروخي المقترح «القبة الذهبية» وبين طلبات القوات المسلحة لتطوير أجيال جديدة من الأسلحة النووية الاستراتيجية الهجومية.

المخاوف المعيارية والأخلاقية: إن الاعتماد المستمر على الأسلحة النووية يثير تساؤلات أخلاقية عميقة؛ حيث ستكون العواقب الإنسانية لأي مواجهة نووية -سواء كانت متعمدة أو عرضية- عواقب كارثية. ويهدد التآكل المحتمل للمعايير المناهضة للتجارب النووية والتهديدات المتهورة بالاستخدام النووي الاستباقي عقوداً من التقدم نحو تجنب الأزمات النووية وإدارتها.

المسارات المستقبلية: التصعيد أم ضبط النفس؟

يتطلب تنشيط الحد من التسلح أساليب مبتكرة تعكس واقع تعدد الأقطاب اليوم. ويجب أن تشمل الخطوات المحتملة توسيع تدابير الشفافية بين الدول التي تمتلك الأسلحة النووية، ووضع اتفاقيات جديدة تتناول التقنيات الناشئة، وتعزيز قنوات الاتصال في الأزمات للحد من سوء التقدير.

واعتبر المحللان أن التطورات التقنية الكبيرة يمكن أن تقلب الآليات المفهومة لطمأنة الدول النووية إزاء مخاوف الهجوم النووي الاستباقي. ومع تداخل الذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية والأنظمة المستقلة مع القيادة والسيطرة النووية، ستحتاج الدول إلى معايير أو اتفاقيات جديدة لمنع الاستخدامات المزعزعة للاستقرار.

ويمكن أن يكون وضع تفاهمات مشتركة لـ«الخطوط الحمراء» في التفاعلات النووية السيبرانية نقطة انطلاق.

وفي المناطق التي تشهد توترات نووية حادة، قد تساعد الأطر الدبلوماسية المصممة خصيصاً على تقليص المخاطر. وستساهم تدابير بناء الثقة في جنوب آسيا، وتجديد الحوار بشأن شبه الجزيرة الكورية، والمناقشات الأمنية الأوروبية، في تحقيق الاستقرار. كما أن احتواء نمو الأعداد والقدرة الفتاكة للأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية، في سياق الحفاظ على الردع والأمن الإقليميين، يعد أمراً له أهمية فورية.

ولا تزال المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والهيئات الدولية تلعب دوراً حيوياً في تشكيل الخطاب العام، وإجراء البحوث، والدعوة إلى تدابير الحد من المخاطر. وقد يكون تأثيرها بالغ الأهمية في ظل ما تواجهه القنوات الدبلوماسية الرسمية من عقبات سياسية.

ومن بين هذه التحديات: النقص النسبي في الدراسات المتعلقة بالردع النووي والحد من التسلح في أقسام البحوث بالجامعات حالياً، مقارنة بفترات الحرب الباردة وما بعدها مباشرة.

واختتم الخبيران تحليلهما بالقول إن سباقات التسلح النووي ليست من الماضي، وليست موضوعاً غامضاً، وإنما هي موجودة في كل مكان من خلال التغير التكنولوجي والمنافسة الجيوسياسية، وهياكل القوة العالمية المتغيرة.

وسوف يعتمد مستقبل الاستقرار النووي على الخيارات التي تتخذها الدول اليوم، سواء أكانت السعي وراء منافسة غير مقيدة، أم الاستثمار في أطر تعاونية تحد من المخاطر وتعزز الأمن على المدى الطويل. وفي حين أن التحديات هائلة، فإن الفرص المتاحة للدبلوماسية المبتكرة والحوكمة التكنولوجية والالتزام المتجدد بالحد من التسلح، تقدم مسارات نحو مستقبل أكثر أماناً.


رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».