الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية أكبر تهديد لـ«الأمن الأميركي»

وكالات الاستخبارات تؤكد التعاون مع شركات «التواصل الاجتماعي» لحماية الأمن

جينا هاسبل خلال جلسة الاستماع (أ.ف.ب)
جينا هاسبل خلال جلسة الاستماع (أ.ف.ب)
TT

الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية أكبر تهديد لـ«الأمن الأميركي»

جينا هاسبل خلال جلسة الاستماع (أ.ف.ب)
جينا هاسبل خلال جلسة الاستماع (أ.ف.ب)

في جلسة الاستماع السنوية التي يعقدها مجلس الشيوخ بالكونغرس الأميركي، حذر مديرو وكالات الاستخبارات الأميركية من أن روسيا والصين تمثلان خطراً على الأمن الأميركي، وذلك من خلال التدخلات الإلكترونية في الداخل الأميركي، وأن كلتا الدولتين تسعيان إلى التدخل في الانتخابات الرئاسية المقبلة لعام 2020، مؤكدين أن الحرب التقنية الإلكترونية هي سلاح تلك الدول في مهاجمة الداخل الأميركي، وأن شركات مواقع التواصل الاجتماعي على تعاون مع تلك الوكالات.
وقال دان كوتس، مدير المخابرات الوطنية، للجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، في جلسة الاستماع أمس حول التهديدات التي تواجه أميركا، إن الجهات الأجنبية الفاعلة ستنظر إلى الانتخابات الأميركية لعام 2020 باعتبارها فرصة لتعزيز مصالحها، معتبراً أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والهجمات السيبرانية من أبرز التحديات التي تواجه صناع السياسة في الأمن القومي الأميركي.
وأشار كوتس إلى أن خصوم أميركا يسعون إلى تطوير قدراتهم الإلكترونية، وإضافة أساليب جديدة، وتعلم بعضهم من تجارب بعض، مما يوحي بأن «منظر التهديد قد يبدو مختلفاً تماماً في عام 2020، والانتخابات المستقبلية، كما يتوقع محللي الاستخبارات، ونعمل مع شركات مواقع التواصل الاجتماعي... ونحن في تواصل معها بهذا الشأن لحماية أمننا، والوقوف ضد أي تدخل إلكتروني خارجي يهدد مجتمعنا».
وأضاف: «إننا نواجه تغيرات كبيرة في البيئة المحلية والعالمية التي أدت إلى عالم متزايد التعقيد، ويجب أن نكون مستعدين لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، والاعتراف بالتهديدات الناشئة، كما أن تركيبة التهديدات الحالية التي نواجهها هي مزيج سام من المنافسين الاستراتيجيين والقوى الإقليمية، وكذلك الدول الضعيفة أو الفاشلة، وأيضاً الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تستخدم مجموعة متنوعة من الأدوات بطرق علنية ودقيقة لتحقيق أهدافها، ومن أبرز أولوياتنا الحفاظ على أمن الانتخابات وحماية الديمقراطية في بلادنا. وبصيغة أخرى، فإن الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران جميعهم يشكلون تهديدات على الولايات المتحدة وشركائنا».
وأوضح كوتس أن الصين تسعى من خلال تطوير قدراتها العسكرية والإلكترونية إلى توسع النمو في العالم، وزيادة مخاطرها وتهديدها لأميركا، إضافة إلى القرصنات الإلكترونية، وعدم الحفاظ على الحماية الفكرية؛ جميع هذه المخاطر تعد أبرز التهديدات التي يجب على الولايات المتحدة الأميركية مواجهتها.
وفيما يخص التهديدات الروسية، لفت مدير المخابرات الوطنية الأميركية إلى أن هجوم روسيا على السفن البحرية الأوكرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) هو مجرد أحدث مثال على استعداد الكرملين لانتهاك المعايير الدولية لإجبار جيرانها وتحقيق أهدافها، موضحاً أن وكالات الاستخبارات توقعت أن تستخدم روسيا تقنيات الإنترنت للتأثير على الانتخابات الرئاسية المقبلة في أوكرانيا.
وبيّن دان كوتس، في كلمته أمام لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ، أن روسيا تتحالف ضد أميركا مع الأنظمة القمعية في كوبا وإيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا، وعلاقتها مع بكين أصبحت أقرب مما كانت عليه في عقود كثيرة، وكذلك دول في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرقي آسيا، باستخدام مبيعات الأسلحة وشركات الأمن الخاصة والطاقة، وكل ذلك من أجل كسب صفقات، وتعزيز تأثيرها العالمي. وفي ما يخص التهديدات الإيرانية، قال: «سيستمر النظام الإيراني في السعي إلى تحقيق طموحات إقليمية، وتحسين القدرات العسكرية، حتى في الوقت الذي يضعف فيه اقتصادها يوماً بعد يوم. ومحلياً، سيكون المتشددون في النظام أكثر جرأة في تحدي الوسطيين المنافسين، ونحن نتوقع المزيد من الاضطرابات في إيران خلال الأشهر المقبلة، بينما تطور قدراتها العسكرية يهدد القوات الأميركية وحلفاءها في المنطقة، من خلال دعمها الحوثيين في اليمن، والمسلحين الشيعة في العراق، و(حزب الله) في لبنان، والميليشيات المسلحة في سوريا، وكذلك امتلاكها أكبر مخزون من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، وجميع هذه الإجراءات تؤكد مخاوفنا بشأن المسار الطويل الأمد للنفوذ الإيراني في المنطقة ومخاطر تصعيد النزاع».
وأشار دان كوتس إلى أن وكالات الاستخبارات الأميركية تعتقد أن كوريا الشمالية من غير المرجح أن تتخلى عن أسلحتها النووية لأن «قادتها ينظرون في نهاية المطاف إلى الأسلحة النووية على أنها حيوية لبقاء النظام». ويتناقض هذا الرأي بشكل صارخ مع تعليقات الرئيس دونالد ترمب، الذي أعلن في يونيو (حزيران) الماضي أن كوريا الشمالية «لم تعد تشكل تهديداً نووياً»، مستشهداً بمحادثاته مع الزعيم كيم جونغ أون.
بدورها، قالت جينا هاسبل، رئيسة الاستخبارات الأميركية (CIA)، خلال جلسة الاستماع، إن «داعش» يعتمد على حرب العصابات في سوريا والعراق، بعد أن تلقى هزائم متتالية من قبل التحالف الدولي الذي تقوده أميركا، وكان «يقترب» من الهزيمة العسكرية النهائية، في إشارة غير واضحة إلى قرار الرئيس ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا.
وأوضحت هاسبل أن «داعش» يستمر في التخطيط لهجمات في العراق وسوريا، ويستخدم حرب العصابات في تنفيذ ذلك، وما زال أيضاً يمثل تهديداً على الأمن القومي الأميركي، إذ إنه يحظى بالآلاف من المقاتلين في العراق وسوريا.
وأشارت إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» تقوم بعمل رائع في محاربة «داعش»، كما أن اعتقالها للمقاتلين الأجانب الداعشيين هو إنجاز للقوات الكردية، إلا أن هؤلاء المعتقلين ربما يشكلون خطراً على أمن المنطقة، وكذلك الأمن القومي الأميركي، في حال عودتهم للقتال، وهناك جهود لإعادتهم إلى دولهم.
وأضافت: «(داعش) عانى خلال السنوات الماضية من مواجهتنا وقتاله في سوريا، ولكنه ما زال يشكل خطراً، في حال حصل على فرصة للعودة إلى تهديد الأمن الوطني، وجميع الوكالات الاستخبارية تعمل على التأكد من هزيمته، وحماية الأمن الوطني».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».