من خذل عصام محفوظ... أمته المهزومة أم شياطينه الحرون؟

صدرت أعماله الشعرية في الذكرى الثالثة عشرة لرحيله

عصام محفوظ
عصام محفوظ
TT

من خذل عصام محفوظ... أمته المهزومة أم شياطينه الحرون؟

عصام محفوظ
عصام محفوظ

قد تكون الكتابة عن عصام محفوظ مغامرة شاقة، يتطلب الخوض فيها كثيراً من الحذر ومجانبة المزالق والمطبات، ليس فقط لأن تناوُل الكتّاب الراحلين بالنقد يتطلب كثيراً من الحذر والتجرد الموضوعي، ما دام هؤلاء لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، بل لأن الهوية إلابداعية المركبة لمحفوظ، والمهمات الكثيرة المعقدة التي تنكبها عامداً، تحولان مهمة الإحاطة به إلى واحدة من أصعب المهمات وأكثرها تعقيداً. فهذا الرجل الذي هبط من ريفه الجنوبي إلى المدينة في سن مبكرة، بدا وكأنه يريد في وقت قياسي أن يسهم بشكل مؤثر فعال في تظهير الصورة المشرقة لبيروت الخمسينات والستينات، قبل أن تطيح به وبها قبضة الحرب الدامية. لا، بل إن إقامة محفوظ على الأرض، وهو الذي هجم على المدينة بكل جوارحه وجموحه الفطري، كانت تترنح في دلالاتها الرمزية بين ذئبين اثنين: ذئب هيرمن هيسه في توثبه الشهواني، وذئب آلياس الديري في عودته متعباً مهيضاً إلى العرتوق.
وبين الهجوم والانكفاء، لم يكترث صاحب «الزنزلخت» بالعثور على فرصة للراحة أو التقاط الأنفاس، ولم يحرص على إيلاء جسده الذي أثخنته الطعنات ما يستحقه من العناية والاهتمام. وحيث إن الحياة لا تكاد تكفي لضرب واحد من ضروب الإبداع، لم يتوانَ عن خوض معاركه مع اللغة على جبهات عدة، «أيسرها في القلوب أقتلها»، على حد قول أبي فراس، محاولاً أن يكون الشاعر والكاتب المسرحي والناقد الطليعي والصحافي وكاتب المقالة والمناضل التقدمي في آن واحد.
ولم يكن محفوظ يتجاوز الثامنة عشرة من عمره حين قرر الانضمام إلى مجلة «شعر»، التي أسسها يوسف الخال في النصف الثاني من خمسينات القرن المنصرم، ليكون بذلك أصغر المنضوين في المشروع التحديثي الذي نقل الشعرية العربية من طور إلى طور.
وإذا كانت هذه المقالة لا تتسع للحديث عن مسرح عصام محفوظ، الذي تتجلى فيه الجوانب الأهم من موهبته، وعن دعوته الجريئة إلى اجتراح لغة ثالثة، تسمى «الفصحى الشعبية»، وتفيد من عمارة الفصحى التراثية، ومن دينامية المحكية وراهنيتها، فسيكون من الملائم أن أشير إلى إسهاماته النقدية الغزيرة التي تعكس بوضوح عمق ثقافته، ووفرة اطلاعه على الأدبين العربي والعالمي، وهو ما تكشف عنه مقالاته الصحافية ومؤلفاته التي تعدّ بالعشرات، على حد سواء. ولعل أكثر ما يستوقف المرء هو أن الالتزام الآيديولوجي الماركسي لصاحب «الكتابة في زمن الحرب» لم يقده إلى إلحاق الفن بالسياسة، والإبداعي بالوظيفي، بل ظل يرى في الشعر والفن تقصياً رؤيوياً، ومغامرة جمالية ليست بعيدة بالضرورة عن الالتزام بقضايا الإنسان في بحثه عن العدالة والخبز والحرية. والحقيقة أن بعض آراء محفوظ تثير كثيراً من الإشكالات، كمحاولته التأكيد على ماركسية رامبو في كتابه «رامبو بالأحمر»، باعتبار أن الأول سعى إلى تغيير العالم، والثاني عمل على تغيير الحياة، ولكن يُحسب له في هذا المجال نزوعه السجالي، وجرأته في التعبير عن قناعاته.
أما في نقد الشعر، فقد رفع محفوظ السقوف عالياً إلى الحد الذي جعل الشعراء الحقيقيين يقتصرون - وفق معاييره - على قلة نادرة، يقف محمد الماغوط في مقدمتها. فمعظم الشعر العربي الحديث في نظره هو ثرثرة غنائية سطحية الانفعال. والسياب - وفق معاييره - يقف على أرض الغنائية الصغيرة ذات البعد الواحد، ويصر على استخدام «الألفاظ المحنطة» والأسلوب التقريري والصور غير الموفقة. وصلاح عبد الصبور خسر الشعر، ولم يربح المسرح. ودواوين البياتي، باستثناء «أباريق مهشمة» ليست سوى تكرار لفكرة واحدة. ومع أن محفوظ لا يغفل الجوانب الإيجابية المقابلة عند هؤلاء وغيرهم، فإن رفعه المفرط لسقوفه النقدية يجعل من المشروعية بمكان السؤال عما إذا كان نتاجه الشعري مطابقاً للمواصفات والشروط التي تضمنتها أعماله وكتاباته النقدية.
يروي يوسف الخال، بأسلوب طريف لا يخلو من الغمز الماكر، قصة دخول محفوظ عليه في مقر المجلة أواخر الخمسينات، وكيف سلمه كدسة من القصائد، وتمنى عليه نشرها في ديوان. وبعد أن استمهله الخال لبضعة أيام، فاتحه حين التقيا ببعض الثغرات التي تعتور نصوصه، وبينها ما تعانيه من اضطراب أو خلل في الأوزان، طالباً إليه تعديلها أو استبدالها أخرى بها، أو الذهاب إلى قصيدة النثر كخيار بديل. وإذ رفض محفوظ إجراء التعديلات،
لم يتحرج صاحب «البئر المهجورة» من مخاطبة الشاعر الشاب بالقول إن عنوان «قصائد ميتة» إنما يعكس وضع قصائده الفعلي، وإنه (أي الخال) يبذل جهداً مضنياً في إقناع أركان المجلة الكبار بقبوله كواحد منهم. لكن محفوظ الذي عمد غاضباً إلى إحراق المجموعة، واعترف بحصول الحادثة، ما لبث في رد عاتب أن يذكّر الخال بأن أركان المجلة، بمن فيهم المؤسس، ما لبثوا أن كرسوه شاعراً إثر نشره لقصيدته «وعضت زليخة على الزهرة» في أحد أعدادها. كما لفته إلى أنه كان الشخص الوحيد الذي وقف إلى جانبه حين انفض الآخرون عنه، عند توقف المجلة عن الصدور أواخر عام 1964. وإذ تكشف هذه الحادثة عن المعايير الموضوعية العالية التي كان يُنظر من خلالها إلى أي تجربة شعرية فتية واعدة، فهي تؤشر في الوقت ذاته إلى أن محفوظ رغم حداثة سنه، وموقعه المتأخر بين أقرانه، كان شديد الاعتداد بموهبته وإمكاناته، شديد العناد فيما يتعلق بكرامته الشخصية. على أنه لا بد من السؤال عما إذا كانت حساسيته المفرطة التي دفعت به إلى الاشتغال المرير على لغته وثقافته وأسلوبه، ودفعت به إلى الواجهة على صعد المقالة والنقد والتأليف المسرحي، قد مكنته بموازاة ذلك من الاندفاع إلى واجهة المشهد الشعري الحداثي، أم أن ما يصح في حساب المسرح والنقد والمقالة لا يصح في الحساب الأكثر تعقيداً وإشكالية للتجربة الشعرية؟
إن قراءة متأنية لبواكير عصام محفوظ الشعرية لا تكشف عن بصمته الخاصة على صعد اللغة والأسلوب ومقاربة العالم، بل ثمة صيغ شائعة، وعبارات مألوفة، وتكرار نمطي للإيقاع. وكعادة الشعراء الذين يُنتزعون بقسوة من عوالمهم الريفية الهانئة، ليقطنوا مدناً صماء لا تصغي لأوجاعهم وشكاواهم، يعمد الشاعر الفتي إلى هجاء المدينة التي لا يرى فيها سوى صورة المواخير والانحلال الأخلاقي، وفساد الأرواح، والمتاجرة بالأجساد، مستعيداً بذلك مناخات الشعر الرومانسي والمهجري التي ترنو إلى القيم في تقابلها الضدي، حيث العالم موزع نصفياً بين الفضيلة والرذيلة، بين الخير والشر. وفي الإطار الشكلي، يلح الشاعر على البحور المجزوءة والشطور القصيرة التي تعيق النمو الدرامي للنصوص، في حين أن التجاور الرتيب بين القوافي يجعلها أقرب إلى السجع منها إلى الشعر: «من قال إني عجوزْ \ انظرْ لهذا الكوزْ \ والآخر الأحلى \ انظرْ ألا تنظرْ \ لسكْبة المرمرْ \ أرجوك لا تسْكر \ أنت أنيق ظريفْ \ وعاد همسٌ خفيفْ \ كوشوشات الحفيفْ \ كغمغمات الطريقْ \ في غسق الليلِ \ يمشي على مهلِ \ ربما كان اثنانْ \ في الدرب عاشقانْ». أما صورة الريف بالمقابل، فلا تحيل إلى هناءة الحياة ورغدها، بقدر ما تحيل إلى عالم الفقر والعمل المضني والوحشة الباردة. وفي حين تحافظ القصائد الريفية على طابعها الغنائي الرومانسي، فهي تبدو أكثر تلقائية وحميمية من قصائد المدينة، وإن كان بعضها يذكّر ببواكير السياب، وترجيعاتها المترعة بالشجن: «وفي الغرف المسدلات الستور \ تباع وتُشرى هناك القبور \ كفى يا ابنتي! أغلقي النافذة \ على مهَلٍ في عيون الحبيبْ \ وفي وشوشات المساء الغريبْ \ تمر الرياح، تمر السنونْ \ وتستدفئ العثُّ بطن الخزانة عند المساء».
أما قصائد «أعشاب الصيف» اللاحقة، فلا تعكس من جهتها أي نقلة نوعية في تجربة عصام محفوظ.
فالعناوين المختارة لا تحيل القارئ غالباً إلى موضوعات القصائد ومناخاتها، فضلاً عن الطابع الذهني للنصوص الذي يجعلها تبدو متشكلة في عقل الشاعر وتصاميمه المسبقة أكثر من كونها تعبيراً عن لهب الداخل واحتداماته. كأن للكتابة هنا مرجعية فكرية وموضوعية، لا مرجعية عصبية أو قلبية متصلة بجيشان المشاعر واحتدامها.
ومع أن معجم الشاعر وصوره يُنتزعان غالباً من عناصر الواقع المحسوس ومفرداته، فإن النصوص لا تفلح في تظهير المعنى، ووضعه في سياق محوري مقنع.
ولعل مجموعة «السيف وبرج العذراء» التي صدرت في مطالع الستينات هي التي حققت النقلة الأهم في تجربة محفوظ، سواء من حيث التعبير عن غربة الشاعر وتشظياته النفسية وهواجسه الوجودية، أو من حيث تطوير الأدوات الفنية والبنية التعبيرية وتشكيلات الإيقاع، كأن نقرأ نصاً من مثل: «تدور بي الريحُ \ تحمل كنزي إلى بابها \ والمرايا تقيحُ \ صدى عالم في غياب المكانْ \ تصوّره حلقات الدخانْ \ مضيئاً بأبراجه المائلة \ تحطّ عليه الرؤى الراحلة \ بين آنٍ وآنْ».
كما يعمل محفوظ على الإفادة من التقنيات المسرحية ولغة الحوار وتعدد الأصوات في قصيدته «فصل في الجحيم» التي يحاول من خلالها أن يقتفي خطى رامبو على طرق التيه والبحث عن الخلاص. ومع أنه يحرص في مجموعة «الموت الأول» على استثمار إمكاناته المسرحية ومخزونه المعرفي، واستخدام أسلوب التناص مع مبدعين عالميين، إضافة إلى الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر، فإن معظم نصوصه ترزح تحت وطأة التركيب والتعسف الذهني والتأليف البارد. أما كتابه «يوميات عبد الرحمن الخارج» الذي يتخذ من مؤسس الدولة العربية في الأندلس قناعاً للشاعر، فهو يقع على التخوم الفاصلة بين قصيدة النثر في تقطيعاتها الصوتية وجنوحها إلى التكثيف، وبين النثر الأدبي المتقن. على أن قدْراً من الحرارة والبوح الوجداني يشيع في ثنايا النص الأخير، وهو أمر تعود أسبابه على الأرجح إلى إقامة الشاعر في باريس، وشعوره في تلك المرحلة بالغربة، وبوطأة الانفصال عن الوطن الأم.
ولا يمكن - أخيراً - أن أختتم هذه المقالة دون الإشارة إلى أن القرار الذي اتخذه عصام محفوظ بالعزوف عن كتابة الشعر، وهو بعد في أواخر عشريناته، إنما يدل على قدرٍ عالٍ من النزاهة والصدق مع النفس.
صحيح أنه سوغ لعزوفه ذاك بعدم جدوى الشعر في زمن الهزائم الكبرى، وبكون «الشعراء الحقيقيين في هذه المرحلة هم الشهداء»، ولكن ذلك لا يقلل من شجاعة الخطوة المتخذة، بالقياس إلى المئات من منتحلي الصفة الذين لا يكفون على امتداد العالم العربي عن رفد المطابع بكمّ لا يحصى من المؤلفات الملفقة البائسة.
ومحفوظ الذي عزف عن كتابة الشعر بعد هزيمة حزيران، ما لبث أن اتخذ قراراً مماثلاً بالتوقف عن الكتابة المسرحية في أوج الحرب الأهلية الطاحنة في لبنان. فهو، مستبقاً قرار زياد الرحباني المماثل، كان يعلن أن شرط ازدهار المسرح هو ازدهار المدينة بنصابها المجتمعي والثقافي وطبقتها الوسطى، وأن سقوطه المأساوي ليس سوى النتيجة الطبيعية لسقوط المدينة وتشظيها.
ومع ذلك، فقد وجد في الصحافة الثقافية بديله الملائم، كما أن قلمه السيال لم يتوقف عن الكتابة في موضوعات الفكر والسياسة والنقد الشعري والروائي والمسرحي حتى نهاية حياته. وفي كل ما كتب، سواء نجح أم أخفق، لم تكن عيناه مثبتتين إلا باتجاه الحرية، ولم يكن قلبه مسدداً إلا باتجاه الحب وكرامة الإنسان.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».