من خذل عصام محفوظ... أمته المهزومة أم شياطينه الحرون؟

صدرت أعماله الشعرية في الذكرى الثالثة عشرة لرحيله

عصام محفوظ
عصام محفوظ
TT

من خذل عصام محفوظ... أمته المهزومة أم شياطينه الحرون؟

عصام محفوظ
عصام محفوظ

قد تكون الكتابة عن عصام محفوظ مغامرة شاقة، يتطلب الخوض فيها كثيراً من الحذر ومجانبة المزالق والمطبات، ليس فقط لأن تناوُل الكتّاب الراحلين بالنقد يتطلب كثيراً من الحذر والتجرد الموضوعي، ما دام هؤلاء لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، بل لأن الهوية إلابداعية المركبة لمحفوظ، والمهمات الكثيرة المعقدة التي تنكبها عامداً، تحولان مهمة الإحاطة به إلى واحدة من أصعب المهمات وأكثرها تعقيداً. فهذا الرجل الذي هبط من ريفه الجنوبي إلى المدينة في سن مبكرة، بدا وكأنه يريد في وقت قياسي أن يسهم بشكل مؤثر فعال في تظهير الصورة المشرقة لبيروت الخمسينات والستينات، قبل أن تطيح به وبها قبضة الحرب الدامية. لا، بل إن إقامة محفوظ على الأرض، وهو الذي هجم على المدينة بكل جوارحه وجموحه الفطري، كانت تترنح في دلالاتها الرمزية بين ذئبين اثنين: ذئب هيرمن هيسه في توثبه الشهواني، وذئب آلياس الديري في عودته متعباً مهيضاً إلى العرتوق.
وبين الهجوم والانكفاء، لم يكترث صاحب «الزنزلخت» بالعثور على فرصة للراحة أو التقاط الأنفاس، ولم يحرص على إيلاء جسده الذي أثخنته الطعنات ما يستحقه من العناية والاهتمام. وحيث إن الحياة لا تكاد تكفي لضرب واحد من ضروب الإبداع، لم يتوانَ عن خوض معاركه مع اللغة على جبهات عدة، «أيسرها في القلوب أقتلها»، على حد قول أبي فراس، محاولاً أن يكون الشاعر والكاتب المسرحي والناقد الطليعي والصحافي وكاتب المقالة والمناضل التقدمي في آن واحد.
ولم يكن محفوظ يتجاوز الثامنة عشرة من عمره حين قرر الانضمام إلى مجلة «شعر»، التي أسسها يوسف الخال في النصف الثاني من خمسينات القرن المنصرم، ليكون بذلك أصغر المنضوين في المشروع التحديثي الذي نقل الشعرية العربية من طور إلى طور.
وإذا كانت هذه المقالة لا تتسع للحديث عن مسرح عصام محفوظ، الذي تتجلى فيه الجوانب الأهم من موهبته، وعن دعوته الجريئة إلى اجتراح لغة ثالثة، تسمى «الفصحى الشعبية»، وتفيد من عمارة الفصحى التراثية، ومن دينامية المحكية وراهنيتها، فسيكون من الملائم أن أشير إلى إسهاماته النقدية الغزيرة التي تعكس بوضوح عمق ثقافته، ووفرة اطلاعه على الأدبين العربي والعالمي، وهو ما تكشف عنه مقالاته الصحافية ومؤلفاته التي تعدّ بالعشرات، على حد سواء. ولعل أكثر ما يستوقف المرء هو أن الالتزام الآيديولوجي الماركسي لصاحب «الكتابة في زمن الحرب» لم يقده إلى إلحاق الفن بالسياسة، والإبداعي بالوظيفي، بل ظل يرى في الشعر والفن تقصياً رؤيوياً، ومغامرة جمالية ليست بعيدة بالضرورة عن الالتزام بقضايا الإنسان في بحثه عن العدالة والخبز والحرية. والحقيقة أن بعض آراء محفوظ تثير كثيراً من الإشكالات، كمحاولته التأكيد على ماركسية رامبو في كتابه «رامبو بالأحمر»، باعتبار أن الأول سعى إلى تغيير العالم، والثاني عمل على تغيير الحياة، ولكن يُحسب له في هذا المجال نزوعه السجالي، وجرأته في التعبير عن قناعاته.
أما في نقد الشعر، فقد رفع محفوظ السقوف عالياً إلى الحد الذي جعل الشعراء الحقيقيين يقتصرون - وفق معاييره - على قلة نادرة، يقف محمد الماغوط في مقدمتها. فمعظم الشعر العربي الحديث في نظره هو ثرثرة غنائية سطحية الانفعال. والسياب - وفق معاييره - يقف على أرض الغنائية الصغيرة ذات البعد الواحد، ويصر على استخدام «الألفاظ المحنطة» والأسلوب التقريري والصور غير الموفقة. وصلاح عبد الصبور خسر الشعر، ولم يربح المسرح. ودواوين البياتي، باستثناء «أباريق مهشمة» ليست سوى تكرار لفكرة واحدة. ومع أن محفوظ لا يغفل الجوانب الإيجابية المقابلة عند هؤلاء وغيرهم، فإن رفعه المفرط لسقوفه النقدية يجعل من المشروعية بمكان السؤال عما إذا كان نتاجه الشعري مطابقاً للمواصفات والشروط التي تضمنتها أعماله وكتاباته النقدية.
يروي يوسف الخال، بأسلوب طريف لا يخلو من الغمز الماكر، قصة دخول محفوظ عليه في مقر المجلة أواخر الخمسينات، وكيف سلمه كدسة من القصائد، وتمنى عليه نشرها في ديوان. وبعد أن استمهله الخال لبضعة أيام، فاتحه حين التقيا ببعض الثغرات التي تعتور نصوصه، وبينها ما تعانيه من اضطراب أو خلل في الأوزان، طالباً إليه تعديلها أو استبدالها أخرى بها، أو الذهاب إلى قصيدة النثر كخيار بديل. وإذ رفض محفوظ إجراء التعديلات،
لم يتحرج صاحب «البئر المهجورة» من مخاطبة الشاعر الشاب بالقول إن عنوان «قصائد ميتة» إنما يعكس وضع قصائده الفعلي، وإنه (أي الخال) يبذل جهداً مضنياً في إقناع أركان المجلة الكبار بقبوله كواحد منهم. لكن محفوظ الذي عمد غاضباً إلى إحراق المجموعة، واعترف بحصول الحادثة، ما لبث في رد عاتب أن يذكّر الخال بأن أركان المجلة، بمن فيهم المؤسس، ما لبثوا أن كرسوه شاعراً إثر نشره لقصيدته «وعضت زليخة على الزهرة» في أحد أعدادها. كما لفته إلى أنه كان الشخص الوحيد الذي وقف إلى جانبه حين انفض الآخرون عنه، عند توقف المجلة عن الصدور أواخر عام 1964. وإذ تكشف هذه الحادثة عن المعايير الموضوعية العالية التي كان يُنظر من خلالها إلى أي تجربة شعرية فتية واعدة، فهي تؤشر في الوقت ذاته إلى أن محفوظ رغم حداثة سنه، وموقعه المتأخر بين أقرانه، كان شديد الاعتداد بموهبته وإمكاناته، شديد العناد فيما يتعلق بكرامته الشخصية. على أنه لا بد من السؤال عما إذا كانت حساسيته المفرطة التي دفعت به إلى الاشتغال المرير على لغته وثقافته وأسلوبه، ودفعت به إلى الواجهة على صعد المقالة والنقد والتأليف المسرحي، قد مكنته بموازاة ذلك من الاندفاع إلى واجهة المشهد الشعري الحداثي، أم أن ما يصح في حساب المسرح والنقد والمقالة لا يصح في الحساب الأكثر تعقيداً وإشكالية للتجربة الشعرية؟
إن قراءة متأنية لبواكير عصام محفوظ الشعرية لا تكشف عن بصمته الخاصة على صعد اللغة والأسلوب ومقاربة العالم، بل ثمة صيغ شائعة، وعبارات مألوفة، وتكرار نمطي للإيقاع. وكعادة الشعراء الذين يُنتزعون بقسوة من عوالمهم الريفية الهانئة، ليقطنوا مدناً صماء لا تصغي لأوجاعهم وشكاواهم، يعمد الشاعر الفتي إلى هجاء المدينة التي لا يرى فيها سوى صورة المواخير والانحلال الأخلاقي، وفساد الأرواح، والمتاجرة بالأجساد، مستعيداً بذلك مناخات الشعر الرومانسي والمهجري التي ترنو إلى القيم في تقابلها الضدي، حيث العالم موزع نصفياً بين الفضيلة والرذيلة، بين الخير والشر. وفي الإطار الشكلي، يلح الشاعر على البحور المجزوءة والشطور القصيرة التي تعيق النمو الدرامي للنصوص، في حين أن التجاور الرتيب بين القوافي يجعلها أقرب إلى السجع منها إلى الشعر: «من قال إني عجوزْ \ انظرْ لهذا الكوزْ \ والآخر الأحلى \ انظرْ ألا تنظرْ \ لسكْبة المرمرْ \ أرجوك لا تسْكر \ أنت أنيق ظريفْ \ وعاد همسٌ خفيفْ \ كوشوشات الحفيفْ \ كغمغمات الطريقْ \ في غسق الليلِ \ يمشي على مهلِ \ ربما كان اثنانْ \ في الدرب عاشقانْ». أما صورة الريف بالمقابل، فلا تحيل إلى هناءة الحياة ورغدها، بقدر ما تحيل إلى عالم الفقر والعمل المضني والوحشة الباردة. وفي حين تحافظ القصائد الريفية على طابعها الغنائي الرومانسي، فهي تبدو أكثر تلقائية وحميمية من قصائد المدينة، وإن كان بعضها يذكّر ببواكير السياب، وترجيعاتها المترعة بالشجن: «وفي الغرف المسدلات الستور \ تباع وتُشرى هناك القبور \ كفى يا ابنتي! أغلقي النافذة \ على مهَلٍ في عيون الحبيبْ \ وفي وشوشات المساء الغريبْ \ تمر الرياح، تمر السنونْ \ وتستدفئ العثُّ بطن الخزانة عند المساء».
أما قصائد «أعشاب الصيف» اللاحقة، فلا تعكس من جهتها أي نقلة نوعية في تجربة عصام محفوظ.
فالعناوين المختارة لا تحيل القارئ غالباً إلى موضوعات القصائد ومناخاتها، فضلاً عن الطابع الذهني للنصوص الذي يجعلها تبدو متشكلة في عقل الشاعر وتصاميمه المسبقة أكثر من كونها تعبيراً عن لهب الداخل واحتداماته. كأن للكتابة هنا مرجعية فكرية وموضوعية، لا مرجعية عصبية أو قلبية متصلة بجيشان المشاعر واحتدامها.
ومع أن معجم الشاعر وصوره يُنتزعان غالباً من عناصر الواقع المحسوس ومفرداته، فإن النصوص لا تفلح في تظهير المعنى، ووضعه في سياق محوري مقنع.
ولعل مجموعة «السيف وبرج العذراء» التي صدرت في مطالع الستينات هي التي حققت النقلة الأهم في تجربة محفوظ، سواء من حيث التعبير عن غربة الشاعر وتشظياته النفسية وهواجسه الوجودية، أو من حيث تطوير الأدوات الفنية والبنية التعبيرية وتشكيلات الإيقاع، كأن نقرأ نصاً من مثل: «تدور بي الريحُ \ تحمل كنزي إلى بابها \ والمرايا تقيحُ \ صدى عالم في غياب المكانْ \ تصوّره حلقات الدخانْ \ مضيئاً بأبراجه المائلة \ تحطّ عليه الرؤى الراحلة \ بين آنٍ وآنْ».
كما يعمل محفوظ على الإفادة من التقنيات المسرحية ولغة الحوار وتعدد الأصوات في قصيدته «فصل في الجحيم» التي يحاول من خلالها أن يقتفي خطى رامبو على طرق التيه والبحث عن الخلاص. ومع أنه يحرص في مجموعة «الموت الأول» على استثمار إمكاناته المسرحية ومخزونه المعرفي، واستخدام أسلوب التناص مع مبدعين عالميين، إضافة إلى الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر، فإن معظم نصوصه ترزح تحت وطأة التركيب والتعسف الذهني والتأليف البارد. أما كتابه «يوميات عبد الرحمن الخارج» الذي يتخذ من مؤسس الدولة العربية في الأندلس قناعاً للشاعر، فهو يقع على التخوم الفاصلة بين قصيدة النثر في تقطيعاتها الصوتية وجنوحها إلى التكثيف، وبين النثر الأدبي المتقن. على أن قدْراً من الحرارة والبوح الوجداني يشيع في ثنايا النص الأخير، وهو أمر تعود أسبابه على الأرجح إلى إقامة الشاعر في باريس، وشعوره في تلك المرحلة بالغربة، وبوطأة الانفصال عن الوطن الأم.
ولا يمكن - أخيراً - أن أختتم هذه المقالة دون الإشارة إلى أن القرار الذي اتخذه عصام محفوظ بالعزوف عن كتابة الشعر، وهو بعد في أواخر عشريناته، إنما يدل على قدرٍ عالٍ من النزاهة والصدق مع النفس.
صحيح أنه سوغ لعزوفه ذاك بعدم جدوى الشعر في زمن الهزائم الكبرى، وبكون «الشعراء الحقيقيين في هذه المرحلة هم الشهداء»، ولكن ذلك لا يقلل من شجاعة الخطوة المتخذة، بالقياس إلى المئات من منتحلي الصفة الذين لا يكفون على امتداد العالم العربي عن رفد المطابع بكمّ لا يحصى من المؤلفات الملفقة البائسة.
ومحفوظ الذي عزف عن كتابة الشعر بعد هزيمة حزيران، ما لبث أن اتخذ قراراً مماثلاً بالتوقف عن الكتابة المسرحية في أوج الحرب الأهلية الطاحنة في لبنان. فهو، مستبقاً قرار زياد الرحباني المماثل، كان يعلن أن شرط ازدهار المسرح هو ازدهار المدينة بنصابها المجتمعي والثقافي وطبقتها الوسطى، وأن سقوطه المأساوي ليس سوى النتيجة الطبيعية لسقوط المدينة وتشظيها.
ومع ذلك، فقد وجد في الصحافة الثقافية بديله الملائم، كما أن قلمه السيال لم يتوقف عن الكتابة في موضوعات الفكر والسياسة والنقد الشعري والروائي والمسرحي حتى نهاية حياته. وفي كل ما كتب، سواء نجح أم أخفق، لم تكن عيناه مثبتتين إلا باتجاه الحرية، ولم يكن قلبه مسدداً إلا باتجاه الحب وكرامة الإنسان.



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.