ما الأسباب الحقيقية «المحجوبة» وراء {بريكست}؟

جذورها الثقافية مغموسة بالأساطير والبروباغاندا

ما الأسباب الحقيقية «المحجوبة» وراء {بريكست}؟
TT

ما الأسباب الحقيقية «المحجوبة» وراء {بريكست}؟

ما الأسباب الحقيقية «المحجوبة» وراء {بريكست}؟

أُنفقت ملايين الأطنان من الورق والأحبار، وساعات لا تُحصى من الهواء التلفزيوني على تقديم تفسيرات وتحليلات لنتيجة الاستفتاء الشعبي الذي أجرته الحكومة البريطانية يوم 23 يونيو (حزيران) 2016 حول استمرار عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي (ما اصطلحت الصحف على تسميته وقتها بـ«البريكست» وهو تعبير مستحدث من دمج كلمتي بريطانيا ومغادرة معاً في كلمة واحدة). إذ خالفت النتيجة وقتها والتي أعطت أغلبية 52 في المائة من الأصوات لمصلحة مغادرة الاتحاد معظم توقعات المُراقبين بمن فيهم مؤيدو البريكست أنفسهم الذين لم تكن لديهم أي تصورات واضحة عن الغاية من دعوتهم تلك أو خطة محددة للتعامل مع علاقة ممتدة ومتداخلة مع الاتحاد عمرها أكثر من أربعة عقود ناهيك عن تداخل مستديم لمصائر البريطانيين والأوروبيين بحكم التاريخ والجغرافيا وعلاقات القوة في العالم. وقد تمحورت الغالبية العظمى من التفسيرات والتحليلات حول العوامل الآنية التي طرحها فريقا الحملات الانتخابية الرسمية لمبررات البقاء أو مغادرة الاتحاد كاستعادة السيادة من بروكسل (مقر المفوضية الأوروبية والجهاز التنفيذي للاتحاد) أو الخشية على الوظائف المحلية من تدفّق المهاجرين أو التلويح بإمكان دخول 77 مليونا من الأتراك (المسلمين) عضوية الاتحاد - وبالتالي حرية التنقل والإقامة على أراضي بريطانيا العظمى - أو توفير نفقات العضوية وإعادة استثمارها في النظام الصحي أو التصويت احتجاجياً ضد النخبة النيوليبرالية التي تحكم البلاد.
هذه الأسباب كلّها - وإن تبين لاحقاً عدم دقّتها أو انتحالها - كان لها دون شك دور في الوصول إلى نتيجة الاستفتاء العتيد، لكنها ليست كافية لتعطي العمق والنظرة الطويلة المدى لتفسير مشاعر وسيكولوجيا البريطانيين (لا سيما الإنجليز منهم) تجاه جيرانهم سكان البر الأوروبي والذين سهُل على بعض السياسيين المتهورين توظيفها ولو على حساب حاضر البلاد ومستقبل أجيالها، وانتهت الآن إلى أسوأ أزمة وطنية وجودية تعيشها المملكة المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.
السيكولوجيا هذه تتسم بتعقيد استثنائي عند محاولة قراءة تاريخ تطور الهوية الوطنية الإنجليزية والتي تتقاطع مصادرها مع تجارب تاريخية وعسكرية ودينية عاشتها شعوب (الجزيرة) البريطانية في إطارها الإقليمي القريب، كما نظرة عنصرية استعلائية بالتفوق تجاه الشعوب الأخرى طالما عملت النخبة الحاكمة على تعميقها كجزء هام من أدوات هيمنتها على المواطنين البريطانيين يُدفعون من خلالها إلى التوحد والاصطفاف في مواجهة عدو مشترك (متخيل).
ولعل أولى تجارب المواجهة بين سكان بريطانيا - الذين هم بالفعل أوروبيو الجذور عبروا بحراً وبراً إذ كانت الجزيرة في عصور سابقة شبه جزيرة مرتبطة مع القارة الأوروبية منذ 10 آلاف سنة على الأقل - كانت الغزو الروماني الأول في عهد يوليوس قيصر الذي فشلت قواته عام 55 قبل الميلاد بإخضاع الجزيرة قبل أن ينجح غزو لاحق بعد مائة عام في السيطرة عليها - باستثناء الجزء الاسكوتلندي منها - بعد مواجهات دموية مع السكان المحليين. الرومان نقلوا أدوات حضارتهم المادية والقانونية إلى مستعمرتهم الجديدة وتركوها للسكان الأصليين عندما استدعت روما جيوشها عام 410م لمواجهة التحديات العسكرية التي كانت تتربصها، فخرجوا من بريطانيا بلا عودة. الفراغ الذي تركه الرومان ملأه غزاة أوروبيون من قبائل الجوت والأنجلو والساكسون وهي قبائل متحدرة من الشمال الغربي لأوروبا نجحت بعد 200 عام من الفوضى في تأسيس ملكيات على معظم إنجلترا - بينما بقيت اسكوتلندا وويلز حرتين - قبل أن يجبرها جميعا غزو الفايكنغ الآتين من النرويج والدنمارك على التوحّد لأول مرة كمملكة إنجليزية على يد الملك ألفريد.
لكن هذه الهوية التي بدأت بالتشكل من عناصر أوروبية متفاوتة ما لبثت أن تعرضت للاهتزاز عام 1066 عندما انتصر دوق فرنسي آت من النورماندي على آخر ملك ساكسوني لإنجلترا ليتولى هو وسلالته من بعده حكم الجزيرة ولتصبح الفرنسية مع الدنماركية والأنجلو ساكسونية القديمة مصادر اللغة الإنجليزية التي نعرفها الآن وكُتبت أولى الوثائق بها منذ حولي 600 عام لا أكثر. لكن حتى في الأوقات التي لم تكن فيها الجزيرة مسرحاً لحروب الغزاة الحاكمين مع مقاومة السكان المحليين (لا سيما في اسكوتلندا وويلز) أو مع غزاة آتين من غرب أوروبا، فإن تقدّم البلاد الاقتصادي والمادي بُني أساساً على خبرات استقطبت من كل أوروبا: نساجون فرنسيون، ومهندسون ألمان، وصانعو زجاج إيطاليون، وبناؤو أقنية هولنديون وهكذا.
بقي الهيكل الاجتماعي لسكان إنجلترا مفتتاً بين الإقطاعيات المتنافسة دائماً وأخذت شكل حروب أهلية بين العوائل المتنافسة حتى نهاية مرحلة حرب الوردتين عام 1485 وتولي السلالة الثيودرية مقاليد السلطة. في عهد هنري السابع أول هؤلاء الملوك كرست مركزية الدّولة مُقابل تشظي الإقطاع، بينما خطى هنري الثامن خطوته الهائلة بكسر هيمنة بابا روما على رعاياه المسيحيين عندما أسس لكنيسة إنجليزية وطنية (الأنجليكانية) تخضع لسلطان ملوك إنجلترا لا للباباوات الإيطاليين. وهكذا تشكلت الهوية القومية للإنجليز من خلال الانقسام الديني والمواجهة الحادّة مع فاتيكان روما، ومملكة إسبانيا التي حاولت عسكرياً وفشلت في استعادة الكثلكة إلى بريطانيا، وكذلك أفكار الأصولية التطهرية (البيورتان) المنتشرة بين جزء من نخبة البلاد والذين تبنوا سردية عبرانية الطابع ألهمها كتاب العهد القديم ترى بريطانيا بوصفها إسرائيل جديدة وشعبها مختار كما قبائل بني إسرائيل. التاريخ اللاحق لتلك الفترة وحتى 1945 اتسم بصراعات استراتيجية وعسكرية مستمرة بين الإنجليز وجيرانهم الأوروبيين: بداية من الفرنسيين ولاحقاً الإسبان؛ فالفرنسيين مجدداً قبل موجة العداء مع روسيا القيصرية، فروسيا الشيوعية ومن ثم ألمانيا النازية وعبر كل الأوقات مع الإيرلنديين أيضاً، ليتكرس في ذهن البريطانيين عموماً نوع من تصور سلبي عن العلاقة بإقليمهم القريب بسبب الشرور التي «يصدرها لنا هؤلاء المجانين في أوروبا»: إمبراطوريات طامحة، وآيديولوجيات شوفينية، وحروب وغزوات وطائرات تقصف وتدمّر.
وقد قدّمت الرأسمالية الطالعة بداية من إنجلترا القرن الثامن عشر وقبل أن تشرق (أنوارها) على جلّ العالم المعاصر مكونا إضافياً من مكونات عقدة التفوق الإنجليزي إذ إن استمرار النظام الاقتصادي الجديد كان معتمداً على تجارة وتشغيل الرقيق عبر المعمورة ومن ثم الكولونيالية لضمان تدفّق المواد الخام من دول الجنوب إلى المصانع البريطانية وبأقل الأسعار وإن غلفتها النخبة وقتها بوصفها مهمة تنوير وتحضير للشعوب المتخلفة بحكم بنيتها العقلية والعرقية.
في هذه المرحلة بدأت نصوص الأساطير المؤسِسة لهذه العقدة الإنجليزية بالظهور منذ القرن التاسع عشر. ولعل المجلدات الخمسة في تاريخ إنجلترا التي وضعها المؤرخ وكاتب المقالات والسياسي المفوه توماس بابينغتون ماكولاي (1800 - 1859) يمكن اعتبارها كأقدم مصدر موثق عن الكم المتضخم من الأساطير والأوهام التي عملت النخبة - بوعي أو من غير وعي - على ترويجها عن الإنجليز كأمة مختارة نجحت في تكوين تجربة سياسية برلمانية سبقت كل الأوروبيين (المعاصرين)، ومنعت تكرار حكم الرعاع على حد وصف ماكولاي عند إشارته لفرنسا ما بعد ثورتها المشهورة. لكن دور وينستون تشرشل وأجهزة البروباغاندا التي أطلقها عشية الغزو الألماني لبولندا 1939 تحديداً كان حاسما في إطلاق الوطنية الشوفينية البريطانية بشكلها المعاصر وتحويلها إلى مصدر كراهية لا ينضب تجاه الأوروبيين.
لم يكن من الصعوبة بمكان أن تُستدعى هذه التجارب التاريخية التي يتلقاها التلاميذ البريطانيون دروساً ضمن سرديات تاريخية مؤدلجة تحكي عن عدو متربص دوما على الجانب الآخر من القنال الإنجليزي لتغطي على واقع الانقسام الطبقي الحاد الذي يكسر ظهر المجتمع البريطاني، ويتمسك بها السياسيون كأداة عبقرية للتلاعب بمشاعر مواطنيهم وسوقهم للحفاظ على بنية الهيمنة من خلال التصويت على مغادرة الاتحاد الأوروبي.
البريكست لم يكن يوماً عن «البريكست»، بل هو تمثّل لوهم التفوق وتشكلات الهوية المعادية للجيران البرابرة التي أنتجتها (وتنتجها) النخب الحاكمة البريطانية عبر الأيام.
تماماً كما للأميركيين اليوم حلم بناء جدار يفصلهم عن جيرانهم المكسيكيين، البريطانيون سبقوهم إلى وهمِ جدار فاصل عن (مكسيكييهم) ذوي العيون الزرق سموه بريكست. كل الباقي تفاصيل.



زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
TT

زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)

أثار ظهور طائر مالك الحزين في شمال ويلز اهتماماً واسعاً بين علماء الطيور وهواة مراقبتها، بعدما سُجلت أول مشاهدة معروفة لهذا النوع الاستوائي في المملكة المتحدة، في تطور يرى فيه الخبراء دليلاً جديداً على تأثير التغير المناخي في أنماط انتشار الأنواع البرية.

ويُعد الطائر، المعروف أيضاً باسم البلشون الاستوائي، من الأنواع التي تنتشر عادة في المناطق الممتدة من غرب أفريقيا إلى الهند، غير أنه شُوهد الأسبوع الماضي في شمال ويلز، فيما يُعتقد أنها أول مشاهدة له على الإطلاق في المملكة المتحدة.

ورُصد الطائر للمرة الأولى في خليج فوريد خلال عطلة نهاية الأسبوع، قبل أن ينتقل إلى ميناء كارنارفون القريب، حيث شوهد يتغذى بين القوارب الراسية، وفق «الغارديان» البريطانية.

وعلى الرغم من أن المشاهدة أثارت حماس مراقبي الطيور في أنحاء البلاد، فإن الخبراء قالوا إنها تعكس أيضاً التغيرات التي طرأت على نطاق انتشار هذا النوع نتيجة التحولات المناخية.

وقال نِك موران، مدير التدريب في المؤسسة البريطانية لعلم الطيور: «إن وصول هذه الطيور إلى بريطانيا في المقام الأول، ومن ثَمَّ قدرتها على البقاء فيها، يُرجَّح أنه يعود إلى ازدياد اعتدال فصول الشتاء مقارنة بما كانت عليه في السابق».

وأضاف: «أصبح البقاء خلال الشتاء أسهل بكثير مما كان عليه قبل 50 عاماً، لأننا لم نعد نشهد تجمُّد المسطحات المائية الضحلة بصورة منتظمة. وهذه البلشونات، وكذلك طيور البلشون الأبيض، تعتمد عادة على المياه الضحلة نسبياً في التغذية».

وفي الوقت نفسه، استقطب ظهور بلشون السِّكواكو، وهو طائر استوائي نادر ينتشر عادة في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا، أعداداً من هواة مراقبة الطيور إلى مقاطعة لينكولنشاير هذا الأسبوع. ووفقاً للمؤسسة البريطانية لعلم الطيور، لا يُشاهد هذا النوع في المملكة المتحدة إلا مرات قليلة سنوياً.

وقال ألكسندر ليز، الباحث والأستاذ المشارك في التنوع الحيوي بجامعة مانشستر متروبوليتان، ورئيس لجنة السجلات في اتحاد علماء الطيور البريطانيين، تُمثِّل هذه البلشونات أحدث الأمثلة على «أنواع كانت تُعد في السابق استوائية إلى حد كبير، لكنها باتت تتحرك شمالاً بفعل التغير المناخي».

وأضاف: «نشهد حالياً تحوّلاً وإعادة تكيُّف في التنوع الحيوي. فعلى سبيل المثال، سجلنا العام الماضي أول حالة تكاثر لطائر الزيتينغ سيستيكولا، وهو طائر مغرد صغير من منطقة البحر المتوسط انتقل شمالاً بفعل التغير المناخي. والسبب في عدم تكاثره هنا تاريخياً هو حساسيته الشديدة لفصول الشتاء القاسية؛ إذ لم يكن قادراً على البقاء، لأن أي موجة برد طويلة كانت ستقضي عليه. لكننا لم نعد نشهد مثل هذه الفترات الطويلة من الطقس البارد».

وشهدت المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة ظهور عدد من الأنواع الاستوائية اللافتة، من بينها الحدأة سوداء الجناحين، التي سُجلت أول زيارة لها عام 2023 وما زالت تستقطب هواة مراقبة الطيور في نورفولك هذا العام، إضافة إلى طائر الأطيش البني الذي رُصد عام 2019، والسمامة بيضاء العجز التي بدأت بالانتشار في إسبانيا قادمة من شمال أفريقيا في ستينات القرن الماضي، قبل أن تُرصد في بريطانيا للمرة الأولى عام 2018.

وفي عام 2022، قالت الجمعية الملكية لحماية الطيور إن مشاهدات آكل النحل الأوروبي، المنتشر عادة في أفريقيا وجنوب أوروبا، تمثل «إشارة لا يمكن تجاهلها» إلى أن أزمة الطبيعة والمناخ وصلت إلى بريطانيا.

وأشار ليز إلى أن تسجيلات مالك الحزين تزايدت في جنوب أوروبا، بما في ذلك إسبانيا وفرنسا، خلال السنوات الأخيرة، ولذلك كان من المتوقع رصده في المملكة المتحدة.

وقال سايمون هيوغستون - روبرتس، أول من رصد الطائر في ويلز، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إنه كان في نزهة عندما «حالفه الحظ برؤية بلشون صغير داكن اللون يحلق فوق الشاطئ».

وأضاف: «أمضيت وقتاً في مراقبة الطيور في أفريقيا والشرق الأوسط، لذلك فأنا على دراية بأنواع مختلفة من طيور مالك الحزين، بما في ذلك هذا النوع»، وتابع: «اعتمدت على معرفتي وسنوات خبرتي في مراقبة الطيور لتحديد هوية الطائر».

من جانبه، قال إيان ليسيت، الذي سافر إلى شمال ويلز لرؤية الطائر، لموقع «بيرد غايدز»: «لم أكن أتوقع أن أقضي عطلة نهاية الأسبوع في مشاهدة نوع جديد ومذهل بالنسبة لبريطانيا، في حين تشكل قلعة كارنارفون المهيبة خلفية للمشهد».

وأضاف: «كانت الرحلة بالسيارة طويلة من لندن صباح الأحد، لكنها كانت تستحق العناء، إذ أتاح البلشون فرصة مشاهدة رائعة أثناء تغذيته في الميناء وعلى مسافة قريبة».

وعلى الرغم من أن مالك الحزين يشبه البلشون الأبيض الصغير الشائع من حيث الحجم والبنية، فإن ريشه الأزرق الرمادي يميّزه بوضوح، وقال موران: «إنه طائر لافت للنظر للغاية، ولا يشبه أي طائر آخر لدينا هنا في المملكة المتحدة».

وأضاف أن «الطائر الذي شوهد في ويلز بالغ، ومن المرجح أنه قدم من أوروبا لا مباشرة من أفريقيا، وإن كان من المستحيل التأكد من ذلك من دون تتبع مساره»، وتابع: «بل قد يكون طائراً فقس في أوروبا أصلاً».

ورغم أن موران حذَّر من توقع تدفق مفاجئ لهذا النوع إلى بريطانيا، فإنه رجّح تكرار مشاهدته مستقبلاً، قائلاً: «لا أتوقع أن نسجل عشرات الحالات بحلول هذا الوقت من العام المقبل، لكنني أرجّح بقوة أن نشهد المزيد من المشاهدات».


التعبير عن المشاعر بالأكسدة وليف النخيل

عمل «ناس منا وفينا» (موقع الفنانة)
عمل «ناس منا وفينا» (موقع الفنانة)
TT

التعبير عن المشاعر بالأكسدة وليف النخيل

عمل «ناس منا وفينا» (موقع الفنانة)
عمل «ناس منا وفينا» (موقع الفنانة)

في استوديو الفنانة ميساء شلدان بحي جاكس الإبداعي في الرياض، تخرج الفنانة من تحت البالطو الأبيض للمرشدة النفسية. تستضيفنا للحديث عن رحلتها مع الفن والأسئلة التي تشغلها، وتحدثنا عن تجربتها مع أكسدة المعادن، خلال جولة بين أعمالها الفنية، ويتطرق الحديث إلى تأثير هويتها المزدوجة بين جذور فلسطينية وجنسية سعودية.

في استوديو الفنانة ميساء شلدان (الفنانة)

أن تصل متأخراً!

في الاستوديو يتسلل إحساس للزائر بأنه يطل على زمن آخر. تجتمع عدة عناصر لترسم ذلك الإحساس بداية بلون الصدأ في الأعمال الفنية والقطع المعدنية المتأكسدة التي تملأ المكان، حتى الأريكة الجلدية التي استقبلتنا بألوانها المنسجمة مع محيطها، والطاولة المصنوعة من باب قديم.

كل شيء حولنا يحرِّض على طرح الأسئلة؛ فبدأنا بسؤالها: لماذا لم تدرس الفن منذ البداية؟

لم تتوافق رغبة ميساء في دراسة الفن مع رغبة عائلتها، حيث كان فكر الصحوة (الذي وصل إلى ذروته في المملكة فترة الثمانينات والتسعينات) يصبغ نظرتهم تجاه الفن.

تخصصت ميساء في الدراسات الإسلامية بناء على رغبة والدتها، بحسب ما تذكر لنا: «لم تكن والدتي ترى الفن مهنة تحظى بالتقدير، وكانت تخاف على ابنتها من سوء العاقبة».

في مرحلة الماجستير درست ميساء علم النفس التربوي، لكنّ هاجس الفن عاد يداعب أفكارها تحديداً في عام 2013، حين كانت رحلة البحث عن الذات مستمرة: «لم أشعر بالارتواء. استخرتُ الله، وذات صباح وبعد أن أوصلت أبنائي إلى المدرسة وقعت عيناي على معهد المهارات والفنون، فقررتُ من فوري أن ألتحق به لدراسة دبلوم الفنون البصرية».

ورغم الوصول المتأخر، لم تشعر بالأسف على الوقت الذي أمضته بعيداً عن الفن «تخصصي في الدراسات الإسلامية وضع لي أساساً قوياً، كما أن وجودي على الطرف الآخر منحني فرصة النظر إلى الفن بعين أنضج وأعمق، ومنحني فُرصَةً لفهم نفسي».

الفنانة ميساء شلدان (خاص)

خلال دراستها، وجدت ميساء سريعاً الخامة التي تعبر عنها: «الريشة واللوح القماشي والخشب خامات لا تقنعني. توجهتُ منذ البداية إلى المعادن». بمشروع تخرجها في المعهد، استعانت بالحديد والمسامير المؤكسدة المعاد تدويرها «لم أكن صبورة على الإطلاق. أما الآن ومن خلال أكسدة المعادن أصبح الزمن هو ريشتي».

الأكسدة بالمشاعر

تضفي المعادن المؤكسدة على الأعمال الفنية ألواناً وتأثيرات جمالية توحي بمرور الوقت. وعلى اختلاف أساليب الأكسدة، تفضل ميساء أكسدة القطع المعدنية ببطء، وتفسر ذلك بارتباطها النفسي بعامل الزمن: «أعتقد أن الزمن يرتبط بشكل أو آخر بشعور الاستقرار. وأنا أشعر أني أفتقد صلتي بذاتي وبجذوري الفلسطينية؛ فقد وُلِد أبي في السعودية، ونشأ يتيماً، لذلك هو لا يملك ذاكرة ممتدة، وأظن أني أبحث في كل شيء عن هذه الذاكرة».

كما تصف نفسها بأنها تؤكسد المعادن بمشاعرها، وعند السؤال عن مقصدها، أخذتنا إلى زاوية تضم مجموعة من الزجاجات المتفاوتة الأحجام، يحمل كل منها اسم شعور مختلف... شعور الأمان، وشعور معية الله، وشعور الفقد، وغيرها، توضح: «كان الألم كبيراً بعد أحداث غزة الأخيرة. شعورك بأن ما يحصل يخصك لكنك لا تعيشه. وكوني متخصصة في العلاج بالمشاعر، أردتُ دراسة وتفكيك هذه المشاعر للوصول إلى جذورها، وعبرتُ عنها بصرياً بهذه الزجاجات».

تحوي الزجاجات مواد مختلفة وألواناً، وبعضها تفوح منه روائح متنوعة. تتحدث عن زجاجة تعبر عن الغضب، وتوضح: «إذا أضفت إليها قطرات من الماء فستفور المادة داخلها» وعن زجاجة الحب الصغيرة تقول: «زيادة الحب تفقد الحبيب». أما شعور التهجير، فتصفه بالقول: «وكأنك تسير على مسامير».

من أعمال ميساء شلدان (الفنانة)

ثلاثة أعمال

طلبنا من الفنانة أن تشاركنا ثلاثة أعمال تعكس مراحل مهمة من رحلتها الفنية. بدأت بعمل من عام 2015 بعنوان «ناس منا وفينا»، يتكون من 33 صندوقاً معدنياً متأكسداً، كل صندوق مختلف عن الآخر. بعضها يحوي مفاتيح، مسامير، قطعاً تجريدية، تمثل ملامح النفس البشرية: «نحن نستطيع رؤية صناديق الآخرين، لكننا لا نعرف حقاً ما يحويه صندوقنا».

يجسد هذا العمل رحلتها مع العلاج النفسي، وما تبقى داخلها من حكايات دارت بين جدران عيادتها: «كنتُ أكتشف صناديق الناس، وأساعدهم في إيجاد مفاتيحهم»، تضيف: «في هذا العمل لم أكن قد استكشفت صندوقي بعد».

العمل الثاني يحمل عنوان «إنها مأمورة»، وهو عبارة عن وثيقة تخيلية بالكتابة المسمارية، منقوشة بالصدأ وأكسدة النحاس على ورق مصنوع يدوياً. يحكي العمل عن «القصواء» ناقة النبي عليه الصلاة والسلام: «تأملتُ في أهمية المدينة المنورة، واختيار اليهود الاستقرار فيها، وامتلاك المزارع، منتظرين أن يخرج الرسول من بينهم، ولكن خاب ظنهم. فكرت أنه بالضرورة كانت هناك مخطوطة تحكي هذه القصة، فتخيلت ماذا يمكن أن تحتويه المخطوطة. كتبتها بأسلوب التنبؤ».

توضح ميساء أنها اختارت هذا العمل لأنه يختزل مراحل تطور رحلتها خلال هذه السنوات؛ فهو يجمع ما بين تجربتها مع معالجة الورق والكتابة بالأكسدة وتأريخ الكتابة، وأيضاً القصص التي تريد روايتها.

أحد الأعمال المعروضة (خاص)

نصل إلى العمل الثالث: «إنها مختبئة في شرنقة»، ويتكون من ليف النخل، وهو تجربة تفاعلية تدعو الزائر للانعزال داخل الشرنقة والتأمل، كوسيلة للعودة إلى الذات واستحضار لحظة انطلاق جديدة «حين أُنْزِل الوحي على النبي، قال: (زملوني). التأمل في هذه الكلمة والتفكير في أسئلة أخرى قادني للإحساس بأن اللباس يواري أيضاً مشاعر الضعف. حينها نكون بحاجة إلى الاختباء وطلب الدفء، مثل الدودة في حالة ضعفها، تلف على نفسها شرنقة، وبعدها تخرج فراشة تتحدى العالم بالطيران».

عمل «إنها مأمورة» (خاص)

بالإضافة إلى المعادن وليف النخل اتجهت ميساء لاستخدام مواد طبيعية أخرى في أعمالها، في محاولة لاستكشاف العلاقة المتناغمة بينها: «عندما تركت العيادة كنت أبحث عن ميساء الحقيقية. أعطاني الله القوة من الحديد، ثم انتقلت للبحث في ليف النخل الذي منحني الحنان والوطن، ومنه إلى التراب وباقي الخامات الطبيعية التي يجد فيها الإنسان الاستشفاء».

في بداية حديثنا، أشارت ميساء إلى رحلة اكتشاف الذات والأسئلة التي فاجأتها ذات يوم في العيادة النفسية، حيث كانت تعمل، وتذكرت لحظات في طفولتها حين كانت تتعرض للتوبيخ والطرد من الصف، لأنها تصر على التعبير عن رأيها.

اختتمنا زيارتنا بسؤالها: هل وَجَدْتِ ميساء التي تبحثين عنها؟ أجابت: «أعتقد. هذه هي ميساء التي تستطيع التعبير عن رأيها. لست خائفة من لحظة الوصول، ولا حتى إن كنت سأصل أم لا. أعيش لحظتي، وأجسد ذاكرتي وأفكاري وأطرح أسئلتي في أعمالي». وتردف ضاحكة: «دون أن يقول لي أحد: سؤال غبي! أو أنت مطرودة!».


«تروبينغ ذا كولور»... بريطانيا تحيي تقليداً ملكياً عمره قرون

أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
TT

«تروبينغ ذا كولور»... بريطانيا تحيي تقليداً ملكياً عمره قرون

أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة البريطانية لندن، السبت، احتفالات رسمية بمناسبة العيد الرسمي لميلاد الملك تشارلز الثالث، وذلك من خلال مراسم «تروبينغ ذا كولور» التقليدية التي تُعدُّ إحدى أبرز المناسبات في الأجندة الملكية البريطانية.

وانضم الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى أفراد العائلة المالكة وآلاف المتفرجين الذين احتشدوا في منطقة وايتهول، وشارع ذا مول؛ لمتابعة العرض العسكري الذي تشارك فيه أشهر أفواج الجيش البريطاني.

الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا يستقلَّان عربة مكشوفة خلال عودتهما إلى قصر باكنغهام (أ.ب)

وتُقام مراسم «تروبينغ ذا كولور» سنوياً للاحتفال بالعيد الرسمي لميلاد العاهل البريطاني، وهي تقليد عسكري وملكي يعود إلى أكثر من قرنين. وقد نشأت المراسم من عادة استعراض الرايات العسكرية أمام الجنود للتعريف بها قبل المعارك، قبل أن تتحوَّل منذ القرن الثامن عشر إلى احتفال وطني يرمز إلى استمرارية النظام الملكي البريطاني وعلاقته التاريخية بالقوات المسلحة. وعلى الرغم من أنَّ الملك تشارلز الثالث وُلد في 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، فإنَّ الاحتفال الرسمي يُنظَّم في شهر يونيو (حزيران) من كل عام للاستفادة من الظروف الجوية المناسبة لإقامة العروض العسكرية والاحتفالات العامة.

وشهدت الاحتفالات موكباً للعربات الملكية تقدمه الملك والملكة، وأميرة ويلز كيت ميدلتون برفقة أطفالها الأمير جورج، والأميرة شارلوت، والأمير لويس، وسط إجراءات أمنية مشدَّدة ومراسم عسكرية تقليدية نفَّذتها وحدات سلاح الفرسان الملكي.

الأمير ويليام وكيت أميرة ويلز وأطفالهما يشاهدون استعراضاً جوياً لطائرات سلاح الجو الملكي البريطاني من شرفة قصر باكنغهام (أ.ب)

وارتدت أميرة ويلز، العقيد الفخري للحرس الآيرلندي، زياً أزرق اللون مع قبعة ودبوس يحملان رموز الفوج، وقد ظهر الملك مرتدياً الزي العسكري لحرس الغرينادير، في حين ارتدت الملكة كاميلا فستاناً أحمر مستوحى من أزياء الحرس الملكي.

كما شارك في المراسم عدد من أفراد العائلة المالكة الذين يشغلون مناصب عسكرية فخرية، من بينهم أمير ويلز والأميرة الملكية ودوق إدنبرة.

وقدَّم جنود الحرس البريطاني، بزيهم القرمزي التقليدي وقبعاتهم الشهيرة المصنوعة من فراء الدببة، عرضاً دقيقاً للمسير العسكري في ساحة «هورس غاردز باريد»، بعد أسابيع من التدريبات المكثفة.

أفراد من فرقة الحرس الملكي يسيرون على طول شارع ذا مول خلال الاستعراض تكريماً للملك تشارلز (رويترز)

واختُتمت الاحتفالات بتجمع أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام لمتابعة العرض الجوي التقليدي لطائرات سلاح الجو الملكي البريطاني، إلى جانب إطلاق التحية الملكية بالمدافع.

وتحمل المراسم هذا العام أهميةً خاصةً مع استعراض «راية الملك» الخاصة بفوج حرس الغرينادير، التي سلمها الملك تشارلز الثالث للفوج خلال مراسم أُقيمت في قصر باكنغهام في وقت سابق من الأسبوع الحالي، في تقليد عسكري يعود إلى قرون.