مسؤولون أميركيون: مستشارون قانونيون أكدوا لأوباما أن ما يجري للإيزيديين إبادة فأمر بالتحرك

كشفوا عن أن سيطرة «داعش» على سد الموصل كانت عاملا مهما في قرار شن الضربات الجوية

مسؤولون أميركيون: مستشارون قانونيون أكدوا لأوباما أن ما يجري للإيزيديين إبادة فأمر بالتحرك
TT

مسؤولون أميركيون: مستشارون قانونيون أكدوا لأوباما أن ما يجري للإيزيديين إبادة فأمر بالتحرك

مسؤولون أميركيون: مستشارون قانونيون أكدوا لأوباما أن ما يجري للإيزيديين إبادة فأمر بالتحرك

مع دخول العمليات العسكرية والإنسانية الأميركية في شمال العراق يومها الرابع اليوم قال وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، الذي لا يزال يقوم بجولة في الهند، إن «نحو 80 في المائة من شحنات الغذاء والماء، التي أسقطتها طائرات على جبل سنجار حيث عشرات الآلاف من النازحين الإيزيديين، وصلت إلى أهدافها. وإن هذا يزيد احتمال إسقاط مزيد من الشحنات خلال الأيام القليلة المقبلة».
وركز هيغل على المدنيين المحتجزين في جبل سنجار. وقال إن «72 حزمة أسقطتها الطائرات هناك. لكن، في وقت لاحق»، قال مسؤول في البنتاغون إن «63 من 72 حزمة وصلت إلى أهدافها. وإنها تشمل ثمانية آلاف وجبة جاهزة، و5.300 غالون ماء». وأضاف المسؤول أن «وجود قرابة 40 ألف شخص في المنطقة يحتم إرسال المزيد».
وامتنع المسؤول عن الحديث عن العمليات العسكرية. ولم يتحدث عن مصير أكثر من عشر شحنات إنسانية أسقطت، لكنها لم تصل إلى أهدافها. واكتفى بالقول إن نظام «جي بي إس» الفضائي ملحق بكل شحنة، ويوجهها إلى هدفها.
وحسب تفاصيل أعلنها البيت الأبيض، فإنه عندما غادر الرئيس أوباما قمة القادة الأفارقة الأربعاء الماضي، في وزارة الخارجية، قفز راكب إضافي في سيارته الليموزين لرحلة العودة إلى البيت الأبيض الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، وكان يحمل معلومات جديدة عاجلة عن العراق. وبعد 36 ساعة، كانت الطائرات الأميركية تلقي قنابلها على العراق، للمرة الأولى منذ أن أعلن أوباما، في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011، نهاية ما سماها «حربنا هناك». وأنهت هذه القنابل آمال أوباما في إنهاء تورط الولايات المتحدة المباشر في حروب الشرق الأوسط، التي هيمنت على كل سنواته في البيت الأبيض.
وحسب هذه التفاصيل، قال أوباما لمستشاريه في آخر اجتماع لمجلس الأمن القومي، مساء الأربعاء، بحضور الجنرال ديمبسي، إنه لا خيار له. وكان الاجتماع شهد عرض خرائط وصور وبيانات، خصوصا من شمال العراق، وخصوصا عن اقتراب مقاتلي «داعش» من أربيل، عاصمة إقليم كردستان. وشهد الاجتماع اتصالات هاتفية سرية مباشرة مع السفارة الأميركية في بغداد، ومع قوات أميركية في أربيل.
واستعرض أوباما الوضع، ثم أسرع إلى الجناح العائلي في البيت الأبيض، حيث كانت زوجته تنتظره للعشاء.
وصباح الخميس، عاد مسؤولون أمنيون وعسكريون إلى البيت الأبيض في وقت مبكر لاستعراض آخر التطورات، ومنها تقرير من السفارة الأميركية في بغداد، جاء فيه: «يتدهور الوضع بسرعة كبيرة. وأربيل تواجه الخطر. والناس يفرون منها».
وقال مسؤول اشترك في آخر اجتماع إن «سقوط سد الموصل، على نهر دجلة، في أيدي (داعش) كان علامة خطر محدق في كل العراق. وصولا إلى بغداد، حيث تقع السفارة الأميركية على نهر دجلة أيضا». وقال المسؤول: «كانت السيطرة الإرهابية على سد دجلة بعد انسحاب قوات البيشمركة منه، دافعا كبيرا لقرار الضربة العسكرية». وأضاف المسؤول «سألنا أنفسنا: ماذا إذا دمر (داعش) سد الموصل؟».
وفي الساعة العاشرة صباح الخميس، انتقل الاجتماع إلى قاعة مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، برئاسة أوباما. وحسب استشارات قانونية عرضت على المجلس، تأكد أن ما حدث للإيزيديين، ثم المضايقات للمسيحيين، على أيدي «داعش» ليس إلا إبادة. وقدم الاستشارات الرئيسة خبراء قانونيون واستخباراتيون من وزارة الخارجية. وقال واحد منهم، في وقت لاحق: «جاءتنا قصص إعدامات جماعية، وناس يموتون من العطش، ونساء سبين». وأضاف: «سمعنا قصصا كثيرة عن القتل والدمار والجوع والعطش. لكن، لأول مرة، سمعنا عبارة (إبادة جماعية) أثناء مناقشات المجلس».
وقال المسؤول إنه، في ذلك الاجتماع، عبر أوباما عن ارتياحه بأن شحنات من الطعام والماء ستسقط على الإيزيديين ليلة الخميس بتوقيت واشنطن. لكن، أضاف أوباما أنه «يميل للمضي قدما للموافقة على ضربات جوية على مواقع (داعش) في المنطقة». وقدمت له خيارات، وقال إنه «سينظر فيها في اجتماع مقرر في نفس اليوم» ، أي الخميس.
غادر أوباما البيت الأبيض للتوقيع على مشروع قانون قدامى المحاربين في قاعدة «فورت بلفور»، في ألكساندريا، بولاية فرجينيا، خارج واشنطن.
ومساء يوم الخميس، كان استؤنف الاجتماع في غرفة العمليات، واستمر لثلاث ساعات. هذه المرة، انضم إليه، على شاشة فيديو، وزير الخارجية جون كيري، الذي كان في جولة في أفغانستان. وأيضا، انضم، من الهند، وزير الدفاع تشاك هيغل. وكانت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، سامانثا باور، على شاشة منفصلة. وأيضا، قائد القيادة المركزية الأميركية الوسطى الجنرال لويد أوستن.
مع نهاية هذا الاجتماع، كان أوباما اتخذ قراره النهائي بشن غارات جوية. وتحولت المناقشة إلى الكيفية التي سيجري بها عرض القرار على الكونغرس، وعلى الشعب الأميركي، وجرى الإعداد لخطاب قبل منتصف الليل يوجهه أوباما إلى الشعب الأميركي تسبقه اتصالات مع قادة الكونغرس.
وجرى توقيت الخطاب مع بداية إسقاط المساعدات الإنسانية، والتي قرر أوباما أن يركز عليها مثل تركيزه على العملية العسكرية. وكان قال ذلك للذين يكتبون له الخطاب، وذلك حتى لا يفهم أن عودة القوات الأميركية إلى العراق عمل عسكري فقط، ولكنه عمل إنساني أيضا.
بالنسبة للعمليات العسكرية، رفض البنتاغون الحديث عن عمليات اليوم الثاني. وكان البنتاغون أعلن، أول من أمس، أن طائرات «إف إيه 18» قامت بالهجوم الأول. وأنها أسقطت قنابل موجهة بالليزر زنة 500 رطل. وأنها انطلقت من حاملة الطائرات «جورج بوش الأب». وكانت تحرسها طائرات مقاتلة. وحسب معلومات قدمها الجنرال المتقاعد كولبي هوارد، تحمل كل واحدة من هذه الطائرات جهاز توجيه فضائيا بأشعة الليزر. ويسمى «سيلف ليزر» (موجه ذاتي) أو «بودي ليزر» (ليزر مرافق). وفي الماضي، كانت هذه الطائرات تستخدم نظام «دجام» (الضرب المباشر) بمساعدة نظام «جي بي إسي» الذي يحدد المواقع بالأقمار الصناعية.
وقال الجنرال جون ستروبردج، وهو، أيضا، عسكري متقاعد: «في العراق وأفغانستان كانت هناك بعض الحالات التي لم يستطع فيها الطيارون التعرف بشكل إيجابي على الهدف من دون التعاون مع وحدات أرضية، قبل إنزال القنابل». وقال إنه ليست لديه معلومات كافية عما حدث في شمال العراق. لكنه، يعتقد أن وحدات أرضية يمكن أن تكون ساعدت الطيارين وهم يحلقون فوق المنطقة. وقال: «ليس سهلا على طيار (يحلق على ارتفاع أبعد من مدى الصواريخ الأرضية) معرفة أي شاحنة تتبع لـ(داعش)، وأي شاحنة تتبع للقوات العراقية».
وعن احتمال تدمير قوات «داعش» سد الموصل، قال كيث جونسون، خبير في مجموعة «فورين بوليسي»، التابعة لمركز غراهام «واشنطن بوست» سابقا: «يمكن أن يكون سد الموصل من أخطر أسلحة الدمار الشامل». وأشار إلى أنه أكبر سدود العراق. وأضاف: «إذا دمر السد، ستغرق كل الموصل خلال ساعات، وسيرتفع مستوى الماء في بغداد 15 قدما، وسيبلغ عدد الغرقى نصف مليون». وأشار إلى أنه، في عام 2007، خلال احتلال القوات الأميركية للعراق، أرسل الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوت الأميركية في العراق، وريان كروكر، السفير الأميركي في العراق، خطابا إلى نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، جاء فيه أن سد الموصل، الذي بناه الروس عام 1980، يقوم على قواعد غير ثابتة. ويواجه «خطر الانهيار» وقال جونسون: «هذا التقييم لا صلة له باحتمال نسف (داعش للسد(». وقال جونسون إن «(داعش) كان سيطر على سد النعيمية على نهر الفرات، غرب العراق. لكن، يظل سد حديثة، وهو الآخر يقع في محافظة الأنبار، في أيدي القوات العراقية». وأضاف: «إذا سيطر (داعش) على سد حديثة، فإنه سيقدر على إغراق كل مزارع المنطقة، وعرقلة إمدادات ماء الشرب هناك». وأشار إلى أن «داعش» كان قد سيطر على سد صغير قرب الفلوجة، وفتح الماء وراءه، مما جعل أكثر من 50 ألف شخص يهجرون المنطقة، التي تقع بين الفلوجة وأبو غريب، بالقرب من بغداد.
من ناحية ثانية ، جلب مسلحو «داعش» الذين سيطروا على سد الموصل، أكبر سدود في العراق، مهندسين لإصلاحه، حسبما قال شهود أمس.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.