كتّاب مصريون: «ألف ليلة وليلة» لا تزال مخزننا السردي الكبير

استلهمها الكتّاب شرقاً وغرباً عبر العصور

بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
TT

كتّاب مصريون: «ألف ليلة وليلة» لا تزال مخزننا السردي الكبير

بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»

لا يزال كتاب «ألف ليلة وليلة»، بعد قرون، يشكل مخزناً لا ينضب للسرد، بكل أشكاله الواقعية والخرافية، ولا يزال الكتّاب في الشرق والغرب ينهلون من هذا المخزن. ومن المعروف، أن الليالي أثارت فضول المستشرقين الذين وجدوا فيها مادة خصبة للتعرف على عوالم الشرق وثقافاته، بعد أن ترجمها أنطوان جالان، للمرة الأولى إلى اللغة الفرنسية (1704 - 1717)، ومن بعدها تُرجمت الليالي إلى معظم لغات العالم، وذُكرت ضمن قائمة أكثر مائة كتاب تأثيراً على مر العصور.
ويعد فولتير من أبرز الأدباء الغربيين الذين تأثروا بحكايات ومغامرات ألف ليلة وليلة كما في رواياته «صادق»، «سميراميس»، و«أميرة بابل»، وكذلك أنطوني هاملتون، الذي استوحى شخصيات روايتيه «حكاية الحمل»، و«قصة زهرة الشوك» من مغامرات «ألف ليلة وليلة»، وأيضاً باولو كويلو، الذي استمد روايته «الخيميائي»، من الليالي، وتحديداً الليلة الحادية والخمسين بعد الثلاثمائة. وعلى مستوى العالم العربي، استقى الكثيرون من عوالم «ألف ليلة وليلة» السحرية كالأديب السوداني الطيب صالح، في روايته «بندر شاه»، والمغربي مبارك ربيع في روايته «بدر زمانه»، ونجيب محفوظ في «ليالي ألف ليلة». وقبل هؤلاء الكتاب، كتب طه حسين «أحلام شهرزاد»، وتوفيق الحكيم «شهرزاد»، ثم كتب الاثنان معاً «القصر المسحور» عام 1936. وفي الآونة الأخيرة، صدرت روايات عدة، استوحت مناخات الليالي، منها «جبل الزمرد»، لمنصورة عز الدين، و«الوصفة رقم7» لأحمد مجدي همام، و«مدينة الحوائط اللانهائية»، لطارق إمام، وروايتا «معبد أنامل الحرير»، و«أبناء الجبلاوي»، لإبراهيم فرغلي، و«عائلة جادو» لأحمد الفخراني.
هذا التحقيق محاولة للوقوف على أبعاد هذا التأثر بكتاب «ألف ليلة وليلة» ودلالته على المستويين الفني والنفسي.
- منصورة عز الدين: سردية مضادة
في البداية، تقول الكاتبة منصورة عز الدين، صاحب رواية «جبل الزمرد»: «لم أرغب في تقليد (ألف ليلة وليلة)، ولا محاكاة لغتها أو نمط تخييلها، بل طمحت إلى تفكيكها وخلخلة بنيتها وكشف ما قد يكون فيها من ثغرات يمكن اللعب بها ومعها لطرح أسئلة تخصني وتنبع من انشغالاتي ككاتبة.
أتعامل بحذر مع النصوص التي تحاكي لغة (ألف ليلة وليلة)، أو تستعير بنيتها من دون محاولة للتمرد عليها، أو تلك التي تمتثل لمنطق الحدوتة التجريدية، ظناً من كُتابها أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لمقاربة هذا العمل الإشكالي الحافل بالصراعات والتناقضات والتركيب».
ووفق هذه الرؤية، تؤكد الروائية، أن «جبل الزمرد»، سردية مضادة لـ«ألف ليلة وليلة»؛ فهي لها «أسئلتها الخاصة، ولغتها المختلفة وحتى نمط تخييلها المغاير عن مخيلة الليالي. كنت أرغب في تفحص العلاقة بين الشفاهي والكتابي انطلاقاً من أفكار جاك دريدا، وأفكار سقراط الواردة في «محاورة فايدروس» لأفلاطون، ولم أجد أفضل من درة النصوص الشفاهية المتوارثة كي يكون تكئة لهذا التفحص. أردتُ أيضاً التوقف أمام مفهوم التحريف والعلاقة بين الأصل المفترض وصوره المختلفة وكانت «الليالي» نقطة انطلاق مثالية لهذا الغرض أيضاً. لقد أعدت قراءة «ألف ليلة» بالورقة والقلم، واهتممت على وجه خاص بحكايات «الحسن البصري»، «رحلات السندباد»، و«حاسب كريم الدين». حكاية زمردة مخترَعة وتخييل جبل قاف وبنيته وتزلزله يخصني، وإن كنت قد انطلقت من رؤية «ابن زيد وعكرمة والضحاك له، الواردة في تفسير القرطبي».
- فرغلي: بنية حكائية مقاربة
أما الروائي إبراهيم فرغلي، فنلحظ تأثره بـ«ألف ليلة» عند تأمل نتاجاته، التي تسير وفق خط سردي يقارب بنية «ألف ليلة»، ليس هذا فحسب، بل نجد أيضا أن الفانتازي والخيالي يطغيان في روايتيه «معبد أنامل الحرير»، و«أبناء الجبلاوي»، وهذا ما يؤكده بنفسه: «في تأمل البناء الأساسي لـ(ألف ليلة) يكتشف المرء أن ميله للـ(ميتافكشن)، أي وضع روايات متداخلة في نص واحد، وجعل السرد نفسه جزءاً من موضوع الحكاية، وهذا نسق سردي أحافظ عليه على امتداد مشروعي السردي عموماً، يعود في أساسه لنص (ألف ليلة)؛ فهناك الحكاية الإطارية عن شهريار، وما ينشطر عنها من حكايات فرعية تحكيها له شهرزاد على مدى ألف ليلة متتالية، وهي تكوّن المتن الحكائي للنص، وهذه الحكايات تتضمن بالإضافة للفانتازيا والغرائبية، أدب الجريمة، وأدب الخيال العلمي، ونوادر الشعوب وجانباً من الرواية التاريخية».
ويرجع فرغلي تأثره بـ«ألف ليلة وليلة»، إلى قراءته لها منذ الطفولة، حتى صارت تربة خصبة لنمو خياله: «هي بالتأكيد نص ملهم بالنسبة لي شخصياً، أولاً من حيث تأثيرها على الخيال الطفولي بداية من القراءات الأولى لمختصرات قصص مستلهمة منها، مثل حكايات السندباد، وعلي بابا، ثم لاحقاً بعد قراءة النص الأصلي، أو أجزاء كبيرة منه، واكتشاف فكرة قوة السرد، أو قوة الحكاية في تأثير حكايات شهرزاد على شهريار بتحويله من قاتل إلى إنسان منصت للحكايات؛ وهو ما أثر في أفكاري عن أهمية الرواية بشكل عام».
- همام: تلاعب واشتباك
الروائي أحمد مجدي همام، يحكي تجربته في كتابة روايته «الوصفة رقم7»، وكيف اشتبك بها مع التراث السردي العربي، ولا سيما «ألف ليلة» قائلاً: «الرواية بشكل أو بآخر تلاعب السردية العربية الكبرى (ألف ليلة وليلة) من جهة العجائبية والفانتازيا أولاً، ومن جهة التقنية أحياناً، تلك الحكايات التي تتناسل وتتكاثر انشطارياً وتتفرّع كروافد كثيرة لنهر واحد، حبكة تسلمك إلى حبكة».
ويشير همام إلى أن الليالي لم تكن المرجع الوحيد الذي استلهم منه روايته، «هناك مرجع رئيسي أيضاً استوحيت منه ملامح بعض الشعوب التي كوّنت عوالم قارّة (أرض اللابوريا) المفقودة، وهذا المرجع هو (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) للقزويني، ومن أقصى غرب العالم العربي، من الأندلس، أزعم أن (الوصفة رقم7) نهلت من رسالة (الزوابع والتوابع) لابن شُهَيد الأندلسي، ورحلة بطله إلى وادي عبقر وعوالم الجن الفصيح وقرناء الشعراء والكتاب الذين مر بهم. وتناولت أيضاً بعض المخلوقات العجائبية الواردة في التراث الإسلامية مثل (الجسّاسة) و(يأجوج ومأجوج)».
ويتابع: «الوصفة رقم7» تحاول – ضمن حزمة محاولات متنوعة – أن تستفيد من الخام السردي والخيال العربي الجامح المتعلق ثقافياً بخوارق الطبيعة وبشكل لا يحتاج إلى بذل جهد كبير لنستخرج منه حكايات وتقنيات وأبعاداً خيالية وزوايا عجيبة للرؤية، ويكفينا هنا الإشارة إلى الافتتاحيات الرائعة المتناثرة في السرديات العربية، مثل «يُحكى أن» و«بلغني أيها الملك السعيد» و«قال الراوي» و«زعموا أن»... لذلك؛ ربما لم أتعجب عندما نوّهت بعض القراءات النقدية في الرواية لهذا التشابك بين «الوصفة» و«ألف ليلة وليلة» وغيرها من كتب التراث.
يرى همّام، أن تأثير «ألف ليلة وليلة» على روايته الأخيرة، وعلى وعيه الأدبي تأثير حتمي، قائلاً: «عندما تكون قادماً من ثقافة مثل ثقافتنا حجر عمود خيمة السرد فيه نص عجائبي مثل (ألف ليلة وليلة) ستصبح احتمالية أن تكتب الفانتازيا أكبر بكثير... هذا بالضبط تأثير (ألف ليلة وليلة) على وعيي... هذا العالم بقصصه العجائبية على مستوى شخصوها أو مساراتها ترك بصمة بشكل أو بآخر على جزء من أفقي السردي».
- الشحات: زاوية نقدية
ومن جهة النظر النقدية، يقول الناقد محمد الشحات: إن «(ألف ليلة وليلة) نص محوري في الثقافة العربية، وفي صناعة الوعي الثقافي، ويمكن النظر إليه من زوايا كثيرة، سواء التاريخية، أو الأدبية، والسردية، والإنسانية دون تمييز لا من ناحية الأعراق أو الأجناس، ولا الديانات؛ ولهذا السبب فقد التفت إليها المستشرقون، وأعطوها ما تستحقه من اهتمام ودراسة أتاحت لهم التعرف على الشرق».
وهو يرى أن أثر «ألف ليلة وليلة» على الأدب، بدأ منذ أول رواية عربية لمحمد حسين هيكل عام 1912، «ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن لم تنقطع المخيلة العربية عن استلهام (ألف ليلة)، أو التأثر بها، وتجلى ذلك في نصوص طه حسين، وتوفيق الحكيم، والعقاد، والطيب صالح، ونجيب محفوظ، وحتى الآن، ولم يقف تأثيرها على العالم العربي فحسب، بل تأثر بها الكُتاب على مستوى العالم، ولا سيما كُتاب أميركا اللاتينية». ويُرجع الشحات سر بقاء «ألف ليلة»، وتأثيرها على الأدب حتى الآن إلى أنها نص مركزي في تأسيس الثقافة، يقدم عوالم مُدهشة، ويصفها بأنها: «نص متعدد ومتنوع متسامح يستوعب الجميع دون إقصاء، ويقدم تصورات مختلفة عن اللغة، وعن المدينة العربية، وبعض مدن الهند وأفريقيا».
في الوقت نفسه، يرى الشحات أن الأعمال التي تستلهم «ألف ليلة» على كثرتها، ليست بالضرورة كلها أعمالاً جيدة: «فكثير من الأعمال التي تتقاطع مع (ألف ليلة) تقف عند حد الاستلهام فقط، من دون أن تنبش فيها أو تقدم إضافة قيمة أدبية أخرى». وهو يعتقد أن رواية «جبل الزمرد» لمنصورة عز الدين من أفضل النصوص التي استفادت من «ألف ليلة».
- أبو الليل: وجهة النظر الشعبية
أما من وجهة النظر الشعبية، فيرجع الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، سر استمرارية «ألف ليلة» نصاً مُلهماً حتى الآن إلى أنها نص إنساني عابر للحدود والأزمنة؛ فهو نص يتحدث عن القيم التي تنادي بها شعوب الإنسانية دون التحيز إلى عرق أو دين أو لون.
ويشير أبو الليل، إلى أن «ألف ليلة وليلة»، كانت نصاً مهملاً يحتقره العرب؛ لأسباب في ظاهرها أخلاقية، أما في حقيقتها فهي سياسية، ويُرجع الفضل للمستشرقين في رفع الغبن عنها. يقول: «كان النص يُعامل باحتقار في المنطقة العربية، حتى ترجمه أنطوان جالان إلى الفرنسية لأول مرة، ثم إلى اللغات كافة تقريباً، ومن هنا عرف العالم أهمية هذا النص، وكانت بمثابة عين للعالم الغربي على العالم الشرقي، حتى بدأ الغرب يوجه أنظاره إلى منطقة الشرق، ويقوم برحلات إليه».


مقالات ذات صلة

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع
ثقافة وفنون رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.