«الشرق الأوسط» ترصد فرار الآلاف من ليبيا في اتجاه حدود مصر الغربية

بينهم مصريون وعرب وأفارقة.. وسلطات السلوم وتطارد المتسللين..ومخاوف من دخول جهاديين

مدخل مدينة مرسى مطروح وجهة القادمين من الحدود الليبية
مدخل مدينة مرسى مطروح وجهة القادمين من الحدود الليبية
TT

«الشرق الأوسط» ترصد فرار الآلاف من ليبيا في اتجاه حدود مصر الغربية

مدخل مدينة مرسى مطروح وجهة القادمين من الحدود الليبية
مدخل مدينة مرسى مطروح وجهة القادمين من الحدود الليبية

رصدت «الشرق الأوسط» فرار الآلاف من ليبيا في اتجاه حدود مصر الغربية عبر المنفذ الرسمي في هضبة السلوم، وكذلك من خلال الدروب الجبلية لمن لا يحملون أوراقا ثبوتية، حيث تقوم سلطات حرس الحدود على الهضبة الحدودية بمطاردة المتسللين، وسط مخاوف من دخول جهاديين إلى داخل الأراضي المصرية. ويأتي هذا ضمن موجة من النزوح من هذا البلد الغني بالنفط الذي تضربه الفوضى منذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي في خريف 2011. وغادر البلاد الألوف من العرب والأجانب الذين كانوا يعملون في ليبيا، بالإضافة إلى بعثات دبلوماسية ورجال أعمال وغيرهم. وبعد تكدس الفارين من ليبيا على منفذ «رأس جدير» التونسي، ووقوع أعمال شغب هناك، بدأ الألوف، خاصة المصريين، في الاتجاه نحو منفذ «السلوم» على الحدود مع مصر.
وأكد العميد حسين المعبدي، نائب مدير ميناء السلوم البري، تزايد أعداد النازحين من ليبيا إلى مصر عبر الحدود الغربية خلال اليومين الماضيين. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المتوسط اليومي للعائدين كان يتراوح حول ألفي شخص، لكنه ارتفع خلال الـ24 ساعة الماضية إلى نحو خمسة آلاف يوميا، بينهم أجانب. وروى عدد من الفارين من الجحيم الليبي لـ«الشرق الأوسط» قصصا مأساوية لما لاقوه في أكبر مدينتين بالبلاد وهما بنغازي وطرابلس اللتان تتصارع فيهما الميليشيات والكتائب المسلحة للسيطرة على مقاليد الحكم بالقوة، رغم انتخاب برلمان جديد قبل أسبوع. وقال مسؤول حدودي مصري آخر، إن غالبية الفارين من جحيم الاقتتال الأهلي، مصريون وعرب وأفارقة، وإن هؤلاء بدأوا أخيرا الاتجاه إلى الحدود الشرقية لليبيا، بعد الصعوبات التي لاقوها حين حاولوا الفرار عبر الحدود الليبية - التونسية، خلال الأيام الماضية، مشيرا إلى أن آلاف المصريين غيروا وجهتهم من منفذ «رأس جدير» إلى منفذ «السلوم»، بعد أن ناشد المتحدث باسم الخارجية المصرية، السفير بدر عبد العاطي، قبل يومين، المصريين في ليبيا بالتوجه إلى أماكن أكثر أمانا و«إذا كانوا راغبين في العودة، فإن معبر السلوم هو الأقرب إليهم».
كما بدأت أنظار عدة دول لها رعايا داخل ليبيا، مثل الأردن، توجيه أنظارهم للتوجه إلى منفذ «السلوم» كبديل عن «رأس جدير». ومن جانبه، قال العميد المعبدي إن «عدد القادمين من ليبيا زاد خلال آخر يومين، أي الخميس والجمعة الماضيين، ووصل العدد إلى 9800 مصري، بينهم 366 من جنسيات غير مصرية»، مشيرا إلى أن المعدل اليومي للعائدين كان يتراوح بين أو 1500 أو 1700 أو 2500 كحد أقصى، لكن ومنذ يوم الخميس الماضي جاء 5100 ويوم الجمعة الماضي 4600.
أما بالنسبة لليبيين، فلم يتمكن ألوف الفارين من المعارك الجارية في بنغازي، بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر ومتشددين، من الدخول إلى مصر، من خلال منفذ السلوم، وتقطعت بهم السبل في مدينتي إمساعد وطبرق وغيرها من البلدات الصغيرة المجاورة مثل كمبوت والبردي. وقال مسؤول حدودي مصري إنه يجري السماح بالدخول للمصريين العائدين من ليبيا والسماح لليبيين ذوي الحالات الإنسانية مثل تلقي العلاج، إضافة إلى السماح لليبيين الذين يثبت أن لهم أقارب في مصر، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن السلطات تواجه أيضا مشكلة المتسللين عبر الدروب الجبلية، وتتخوف من دخول عناصر من المتشددين الإسلاميين لتنفيذ عمليات تخريبية داخل مصر.
ويتنوع العائدون، المصريون وغير المصريين، من ليبيا إلى نوعين.. الأول أولئك الذين يحملون أوراقا ثبوتية ودخلوا إلى ليبيا في الماضي بشكل رسمي وسليم قانونا، وهؤلاء، وهم بالآلاف، يتجهون مباشرة إلى منفذ السلوم لإنهاء إجراءات العودة إلى مصر وختم جوازات السفر بشكل طبيعي، أما النوع الثاني، وفقا للمسؤول الحدودي، فهم الذين دخلوا إلى ليبيا بشكل غير قانوني في أيام الفوضى التي شهدتها كل من مصر وليبيا في النصف الأول من عام 2011، مشيرا إلى أن عدد المقبوض عليهم من المتسللين خلال الأسبوعين الماضيين فقط بلغ عدة مئات من المتسللين، الذين كان من بينهم مهربو أسلحة و«ممنوعات أخرى». ويزيد من معاناة العائدين قلة عدد سيارات الأجرة في الداخل الليبي، حيث يخشى السائقون الليبيون الوقوع في الأكمنة التي ينصبها المتحاربون في البلاد، خاصة بين أكمنة «أنصار الشريعة» وأكمنة قوات حفتر، إضافة إلى الأكمنة التي ينصبها لصوص وقطاع طرق يتحركون بآليات عسكرية وأسلحة ثقيلة في هذا البلد الذي تضربه الفوضى منذ ثلاث سنوات. ويقول محمد عبد الباسط، وهو شاب في الثلاثينات من مدينة السادات المصرية، وكان يعمل في مدينة الخُمس القريبة من طرابلس، إنه رغم ظروف الحرب حول مطار طرابلس الدولي بين قوات مصراتة والزنتان، فإنه تمكن من الوصول إلى العاصمة، ومن هناك اضطر لسداد أربعمائة وخمسين دينارا ليبيا (أي أربعة أضعاف الأجرة الحقيقية التي كان معمولا بها قبل الأحداث الأخيرة)، لكي يصل للحدود المصرية.
وتعرض محمد وعشرة آخرون كانوا في حافلة ليبية صغيرة متجهين من طرابلس إلى حدود مصر الغربية، لقطاع طرق قرب مدينة سرت (وسط ليبيا)، نهبوا كل ما كان معهم من أموال وملابس وأجهزة كهربائية. ويقول إن كل هذا يهون بعد أن رأى الموت بعينيه عدة مرات. ويروي عائدون مصريون آخرون من طرابلس الغرب حكايات مأساوية، بعد أن تقطعت بهم السبل على منفذ «رأس جدير» لأكثر من أسبوع دون أي أموال، واضطروا أخيرا للعودة عبر أكثر من ألف وثلاثمائة كيلومترا على الطريق البري للوصول إلى «السلوم».
ويقول محمد زين العابدين، وهو طبيب سوداني كان يعمل في ضاحية التميمي ببنغازي، ولديه أقارب يريد أن يعود إليهم في مصر، إنه كان في عيادته يوم السابع والعشرين من الشهر الماضي، حين توقفت سيارة دفع رباعي ونزل منها ثلاثة مسلحين ملتحين، وطلبوا منه اصطحابهم لعلاج مجموعة من الجرحى في مزرعة تقع على مسافة قصيرة من استاد بنغازي الرياضي.. «وفي الطريق، اقتحموا صيدلية وجلبوا منها الصيدلي، وهو رجل سوري الجنسية، وجلبوا معه أيضا كميات من الأدوية والقطن والشاش وغيرها».
وبينما يذكر زين العابدين كيف كان أهل بنغازي يهرولون لشراء السلع التموينية وتخزينها خوفا من الأيام المقبلة، يروي أيضا قصصا بطولية قام بها متطوعون من قطاعات مختلفة، لنقل الجثث ومساعدة الجرحى في مواقع الاقتتال وعبر الرصاص المتطاير في بنغازي. ويزيد هذا الطبيب وهو أصلا من العاصمة الخرطوم، موضحا مغامرات الحياة والموت في بنغازي، قائلا: «ونحن في السيارة، في شارع الشط، غطوا أعيننا بقماش أسود، وساروا بنا نحن الاثنين (أي هو والسوري) بسرعة كبيرة.. وللوهلة الأولى، لم أكن أدري أن هؤلاء المسلحين ينتمون إلى تنظيم أنصار الشريعة، إلى أن رأيت فيما بعد الشارة التي تعبر عنهم مطبوعة على ورقة ملصقة وسط مقود السيارة.
ويضيف الطبيب، البالغ من العمر 45 سنة، الذي يعمل في بنغازي منذ سبع سنوات: «كان جرحى (أنصار الشريعة) خمسة، بينهم اثنان يتحدثان بلهجة تشبه لهجة الجزائريين والتونسيين، والباقون ليبيون. وأثناء مداواتهم، عرفت من الحديث المتداول أنهم أصيبوا في هجوم لم يكتمل على معسكر تابع لقوات حفتر جنوب شرقي المدينة.. كان الهاجس أن يقوم هؤلاء المسلحون بقتلي أنا والصيدلي السوري، ولهذا كنت أتظاهر بأنني لا أعرف من هم ولا أين نحن. ومع ذلك، كنت أشعر من خلال تصرفاتهم ونظرات أعينهم بأنهم يفكرون جديا في قتلي أنا والسوري. أعمال الذبح البشعة تلك، وإطلاق النار على الرأس التي كنت أشاهدها على موقع (يوتيوب) بالإنترنت.. قلت إنها أصبحت من نصيبي الآن».
وتابع قائلا: «بعد نحو ساعة، شكرونا، في الحقيقة، على التعاون، لكنهم عادوا وغطوا عيني، وقالوا إنهم سيتوجهون بنا إلى منطقة أخرى لعلاج الجرحى، لكن السيارة تعرضت لإطلاق نار، وانحرفت ثم توقفت. وشعرت بالفوضى فنزعت القماش عن عيني وكان السائق منكفئا على المقود والدم يسيل من كتفه.. قفزت من السيارة لأجد نفسي في شارع عمر المختار، ولا أعرف ماذا حدث للسوري أو باقي المجموعة. ومنذ تلك الواقعة، قررت أن أرجع إلى مصر، لكن المشكلة كانت في خطورة الطرق الواصلة بين بنغازي ومنفذ السلوم، وبعد عدة محاولات تمكنت من الوصول سالما».
ووفرت السلطات المصرية حافلات إضافية وخيام إيواء وإسعاف لتوفير الخدمات للأعداد المتزايدة للمصريين وغيرهم من جنسيات أخرى، العائدين من ليبيا، بالإضافة إلى تشديد إجراءات الأمن على المنفذ وفحص جوازات السفر للقادمين، منعا لتسلل أي عناصر خطرة من المتشددين أو المتطرفين، خاصة أن المعلومات تقول إن الكثير من المصريين انخرطوا في صفوف المقاتلين الليبيين خلال الفترة الماضية. ويقول العائدون من جحيم الاقتتال إنهم اضطروا إلى ترك متعلقاتهم ومستحقاتهم المالية، بسبب سوء الأحوال هناك.
وفي منفذ السلوم أيضا، وقف رجل في العقد الرابع من العمر، يدعى عبد العال، من مدينة ديروط في صعيد مصر، في انتظار إنهاء إجراءات الدخول لبلده بعد 18 شهرا من العمل هناك، والحسرة تبدو على وجهه، بعد أن فقد مدخراته في ليبيا. ويوضح: «كنت أعمل لدى رجل يدعى الحاج صالح في بناء عمارة بمنطقة الليثي في بنغازي، مع خمسة عشر مصريا آخرين، إضافة إلى خمسة تونسيين وآخرين من الأردن والسودان، وفجأة بدأت مشكلة سقوط صواريخ الـ(غراد) في المنطقة. توقفنا عن العمل عدة أيام، وحين زادت وتيرة سقوط الصواريخ، حتى طالت المجمع السكني الذي نعيش فيه، قبل عيد الفطر بأسبوع، طلبنا من الحاج صالح أجرتنا وقلنا له إننا سنغادر، لكنه أخبرنا أنه من المستحيل أن يتمكن من توفير أي مبالغ مالية لنا في ظل ظروف الحرب التي تشهدها المدينة.. البنوك مغلقة والمتاجر مغلقة، والناس تفر بحثا عن ملجأ».
وبينما دعا مجلس النواب الليبي الجديد، في أولى جلساته التي عقدت في مدينة طبرق بأقصى شرقي البلاد، جميع الأطراف المتنازعة في طرابلس وبنغازي لوقف القتال فورا، قالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامدازاني، إن المواجهات المستمرة في هاتين المدينتين، تسببت في وصول القصف العشوائي بين الجانبين لمناطق مكتظة بالسكان، وإن هذا يشكل جرائم حرب، خاصة أنها تقتل وتصيب المدنيين وتؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية.
ومن مظاهر معاناة المصريين الذين ما زالوا يعيشون في ليبيا، «عمليات التحويل المالي العكسي». ويشرح منصور العميري، الذي يعمل في تحويل الأموال في نقطة إمساعد الليبية، هذه الظاهرة بقوله: «المصريون الذين يعملون في ليبيا يعتمدون في تحويل أموالهم إلى أسرهم في مصر، على القطاع الخاص، وليس على البنوك لأسباب تتعلق بالعلاقات المصرفية بين البلدين والقيمة الرسمية للعملة الليبية (الدينار). ويجري التحويل عن طريق القطاع الخاص عبر وكلاء موثوق بهم في الكثير من المدن الليبية، إلى ذوي العمال المصريين في المحافظات المصرية».
ويقول العميري إن كثيرا من أصحاب الأعمال الليبيين غير قادرين على تحصيل أموالهم لسداد أجور العاملين المصريين لديهم، ويطلبون منهم الاستمرار في العمل والانتظار إلى حين عودة الهدوء وعودة الحياة إلى طبيعتها، ولهذا فإن الكثير من العمال الذين يفضلون البقاء في ليبيا على أمل تحسن الأحوال، أصبحوا يطلبون من ذويهم في مصر تحويل أموال إليهم بالطريقة السابقة نفسه لكن بشكل عكسي، حتى يتمكنوا من مواصلة الحياة في ليبيا، وهذا ما أصبح يطلق عليه لدى وكلاء التحويلات في المدن الليبية والمصرية «التحويل المالي العكسي».
ومن بين العائدين أيضا، شاب من مدينة الإسكندرية يدعى جمال الدين النبوي، وكان يدير متجرا لبيع الملابس المستوردة في شارع الخليج العربي بمنطقة الماجوري في بنغازي منذ سنتين، واسم المتجر «الذوق العصري». ويقول: «كنا نستورد الملابس من تركيا ومن إيطاليا، ورغم ظروف ليبيا غير المستقرة فإنه كان يوجد بيع ويوجد إقبال على الشراء، لكن شحنات الملابس في الأيام الأولى للحرب بين قوات حفتر، والمتشددينـ، توقفت بعد توقف العمل في ميناء بنغازي».
ويضيف ابن الإسكندرية، البالغ من العمر 37 سنة: «كانت لنا طرود بضائع محتجزة على طريق سرت من جانب مسلحين يريدون إتاوات مالية قبل الإفراج عنها. كنت أظن أن المشكلة الأمنية ستنتهي وأن الأحوال ستتجه للاستقرار، لكن ومنذ بداية الشهر الماضي أخذت الأحداث تتصاعد، وبدأت أخشى على نفسي وعلى بضاعتي، وأخبرت شريكي الليبي بهذه المخاوف، لكنه طمأنني في البداية، وقال إنه طالما كانت هناك قوات لحفتر في المدينة، فلا تشغل بالك، فإن هذه النظرية لم تكن صحيحة. فجأة، اختفت قوات حفتر من الشوارع وأصبحنا تحت رحمة الميليشيات التي تقتل دون تحقيق».
ويقول النبوي إنه أغلق المتجر وترك المفاتيح مع شريكه الليبي، لكن المشكلة كانت في البحث عن طريق آمن يمكن أن يسلكه ليعود إلى مصر بدلا من منفذ «رأس جدير». ويضيف: «مطار بنينة في بنغازي مغلق، وطريق الطيران الوحيد موجود في تونس، ولكي أصل إلى هناك مع عائلتي (زوجة وثلاثة أطفال)، لا بد أن أمر عبر طرابلس، وهي الأخرى منطقة غير آمنة، ناهيك بأن الطريق من بنغازي إلى سرت، غربا، محفوف بالمخاطر هو الآخر. وكان لا بد بعد ذلك من عبور الطرق المتجهة شرقا، وأخطرها الطريق الساحلي الذي يمر عبر كل من مدينتي البيضاء ودرنة، بسبب تنظيم أنصار الشريعة، أما الطريقان الآخران فهما الأكثر أمنا مع أنهما الأسوأ والأبعد من بنغازي إلى الحدود المصرية. ولم تستوقف السيارة الأجرة التي كان يستقلها النبوي وأسرته إلا بوابتان تابعتان لقوات حفتر في منطقتي الأبيار وكمبوت، قبل أن يصل إلى منفذ السلوم ويتنفس الصعداء.
وتمنع السلطات المصرية دخول الليبيين إلى الداخل المصري إلا في الحالات الضرورية ومع بعض الاستثناءات، مثل أن يكون هدف القادم إلى مصر العلاج أو الدراسة أو العبور إلى دولة ثالثة. ويقول مسؤول في المنفذ البري المصري، إنه يتطلب للسماح لليبي بدخول مصر، أن يكون له أقارب مصريون من الدرجة الأولى مثل الأم أو الأب أو الأخ أو الأخت. كما يمكن استثناء بعض الحالات التي لها أقارب من الدرجة الثانية في مدن قريبة من الحدود مثل السلوم أو براني أو مرسى مطروح، بشرط أن تكون هناك ضمانة لهذا من وجهاء المنطقة الموثوق بهم.
ويقول علي عبد الله، وهو شاب ليبي الجنسية يبلغ من العمر 25 سنة، ويحمل حقيبة صغيرة على كتفه في الجانب الليبي من الحدود، إن والدته ليبية لكنها من أب مصري، وتقيم بمصر منذ عدة أشهر، وأراد اللحاق بها بعد تدهور الوضع الأمني في بنغازي، مشيرا إلى أن السلطات المصرية لم تسمح له بالدخول إلى أراضيها، واشترطت عليه أن تأتي والدته التي تقيم بمرسى مطروح على بعد نحو 220 كيلومترا من منفذ السلوم، لكي تتسلمه. وأضاف أن مصر تسمح بدخول الليبيين إلى أراضيها، لكن عبر مطار القاهرة الدولي، والمشكلة أنه لا يوجد طيران بين البلدين في الوقت الحالي، بعد تعطل العمل في مطاري طرابلس الدولي في العاصمة، ومطار بنينة في بنغازي.
وبينما يعمل موظفو الجوازات ومكاتب الأمن في السلوم على مراجعة أوراق الفارين من ليبيا، الذين بلغ عددهم منذ أواخر شهر يوليو (تموز) حتى الآن نحو ثلاثين ألفا، تقوم دوريات تابعة لقوات حرس الحدود بسد المنافذ الهشة التي يمكن أن يلجأ إليها من لا يحملون أوراقا ثبوتية أو مهربون أو جهاديون. ويقول مسؤول أمني في السلوم، إن قوات حرس الحدود التابعة للجيش تمكنت من ضبط ما لا يقل عن 500 حاولوا التسلل عبر الدروب الجبلية والوديان الوعرة جنوب منفذ السلوم، غالبيتهم مصريون، ومن بينهم أيضا نحو 30 سودانيا وسبعة فلسطينيين وخمسة سوريين وثلاثة من مواطني دولة بنغلاديش.
ويضيف المسؤول الحدودي أن المقبوض عليهم تتراوح أعمارهم بين 23 سنة و37 سنة وجرى توقفهم، بعد أن تسللوا إلى داخل البلاد، في عدة نقاط منها السلوم وبراني ومرسى مطروح ورأس الحكمة، وجرى إحالة المشتبه في علاقتهم بـ«تهريب الأسلحة» أو علاقتهم بـ«الإرهابيين» إلى النيابة العسكرية المختصة، والتحفظ على سيارات الدفع الرباعي التي جرى ضبطها بحوزتهم.
وتمكن ثلاثة شبان ليبيين من دخول مصر بعد معاناة وانتظار لأكثر من أسبوعين في مدينة إمساعد الحدودية. ويقول جبريل، البالغ من العمر 26 سنة ويعمل موظفا في مطار بنينة، إن باقي أقاربه، وعددهم 25 من الرجال والسيدات والأطفال، ما زالوا ينتظرون في إمساعد، لأن السلطات المصرية ترفض دخولهم، وتطلب منهم العودة لليبيا مرة أخرى.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.