مي منسى رحلت في خضم السباق إلى «جائزة البوكر للرواية العربية»

مي منسى
مي منسى
TT

مي منسى رحلت في خضم السباق إلى «جائزة البوكر للرواية العربية»

مي منسى
مي منسى

لم يتسع الوقت للصحافية والأديبة والناقدة اللبنانية مي منسى لتعرف ما إذا كانت ستدخل «اللائحة القصيرة» لـ«جائزة الرواية العربية (البوكر)» عن روايتها «قتلت أمي لأحيا»، بعد أن أعلن اسمها على «اللائحة الطويلة» منذ أسبوعين. جاء الموت مباغتاً وسريعاً، وصادماً حتى لمن عرفوا بتوعكها بعد أن وقعت وكسرت أضلع في صدرها منذ نحو الشهر. ذاك لم يكن ليبدو خطيراً إلى حد مميت، لكن عوارض أخرى أكثر فتكاً في الرأس كانت مخبأة خلف إرادة العمل والكدّ.
ومن المفارقات الغريبة أن تكون رواية مي الأخيرة؛ هذه التي دخلت بها منافسة «جائزة الرواية العربية»، في جزء منها، تلمّساً للعلاقة الجدلية الأزلية بين الحياة والموت، والصلة التي لا تنقطع بين المقيمين والراحلين، وقراءة لما يقارب قرناً من عمر لبنان المتأرجح بين حروب لا تنتهي، ومحاولات خلاص لا تكلّ. كتبت مي منسى في هذه الرواية قصصاً داخل قصة، وحكايات في حكاية، وهي التي نزعت في السنوات العشرين الأخيرة لتخصيص وقت كثيف للكتابة الروائية بعد أن منحت كل ذاتها للصحافة والنقد الفني بحيث تحولت إلى نجمة هادئة البريق، لكنها لا تخفت ولا تتعب. واحدة من أسماء الصفحة الثقافية لجريدة «النهار» طوال نحو نصف قرن، بحيث اقترن اسمها بالفن والموسيقى والأدب، والكتابة الدمثة الرقيقة التي تنساب بشاعرية هفهافة، لمن يريد أن يستريح من جلافة الصفحات السياسية وصلافتها.
أطلت مي بوجهها الصغير وملامحها الرقيقة من شاشة «تلفزيون لبنان» عام 1959، وكانت في التاسعة عشرة من عمرها، لتكون أول مذيعة امرأة تخاطب اللبنانيين. هناك وطوال 10 سنوات قدمت نشرات الأخبار، وبرنامجا عن الحرف التي خشيت عليها من الاندثار، وآخر للنساء، وحلقات طاردت فيها الفنانين اللبنانيين باحثة عنهم في مخابئهم أثناء الحرب الأهلية، سائلة عما كانوا يفعلونه في ظلمة العنف. وعلى عكس زميلاتها اللاتي انتقلن من المكتوب إلى المرئي، غيّر اتصال من غسان تويني مسارها. عام 1969 حين طلب إليها أن تنضم إلى جريدة «النهار»، لم تتردد لحظة، وعدّت الأمر فتحاً جديداً لها. ذهبت هذه الفرنكوفونية المختصة بالأدب الفرنسي إلى معقل ضم أدباء، وشهد مرور كبار، سيشكلون بعد ذلك علامات فارقة في الحياة الأدبية اللبنانية، مثل أنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، وسعيد عقل.... وآخرين.
وجودها في «النهار» كاد يلامس الخمسين سنة، غطت خلالها مئات الأحداث الثقافية، وكتبت في الموسيقى بشكل خاص التي كانت تجود فيها وتطرب قراءها نغماً وسمفونيات، كأنهم يشاركونها اندغامها في المقطوعات الموسيقية التي كانت تسمعها. ولها مع «مهرجان البستان» الموسيقي حكاية تتجاوز النقد إلى المشاركة الفاعلة والنشاط المؤثر، وصولاتها وجولاتها في «مهرجانات بعلبك» لم تنقطع سنة تلو سنة، وكذلك في «بيت الدين». ناقدة من نوع خاص كتبت في الأدب والفن التشكيلي والمسرح، وكان يؤخذ عليها دائماً لينها المبالغ فيه، ورقتها التسامحية التي تمنعها من الإتيان على ذكر المعايب والثغرات، لكنها نادراً ما كانت تأبه. وهي تدافع عن نفسها فتقول إنها كانت تكتفي بأن تصف ما ترى، وإذا ما كان العمل رديئاً، فإنها تكف عن الكتابة عنه بدل التجريح، لأنه لا يستحق متابعتها، أو لعلها تحدثت مع صاحب العمل ليشرح وجهة نظره، بدل أن تهاجم وتخطئ فتتسبب بأذى في غير مكانه.
مضت مي، وبدا أنها كانت من النبل بحيث أرادت لما حولها أن يكون جميلاً، ولكتابتها أن تعكس صورة لبنان المضيء... هذا الوطن الذي لم يتوقف عن الإمعان في إيلامها... حياة صعبة وطفولة قاسية، بدأت في بيت بسيط لأم تخيط الملابس على ماكينتها طوال الليل «لتواري فقر بناتها الثلاث بفساتين تفصلها ثم تطرزها». من عوز الحرب العالمية الثانية خرجت طفولة مي منسى المولودة عام 1939، ومن مأساة تهجير عائلة والدها في حرب الجبل من «مزرعة الشوف» بحيث «لم يبق لنا هناك قبر ولا عريشة» كما كانت تقول، ومن أوجاع الحرب الأهلية اللبنانية التي عاشتها كما أي صحافية تسعى وراء الخبر ومن أجل الرزق، بكثير من الشغف والتضحية... خرجت كتابات مي؛ لا بل إنها تعدّ أن مقالاتها لم تتجوهر إلا في أتون الحرب.
كتبت بالفرنسية للأطفال أولاً، لكنها في السنوات العشرين الأخيرة، كتبت 9 روايات، وكأنها كرست نفسها لتستلهم القصص التي كابدتها أو حتى عاينتها، وتحيك منها نصوصها التي سرعان ما تفلت من الواقع الذي تنطلق منه، لتبحر في أجواء أكثر تخييلاً.
وكما كان الإنسان بمشاعره وأحاسيسه هو شاغلها في مقالاتها، بقي محور اهتمامها وهي تكتب نصوصها الروائية من «أوراق من دفاتر شجرة رمان» (1998)، مروراً بـ«المشهد الأخير» (2003)، و«أنتعل الغبار وأمشي» (2006) التي وصلت إلى اللائحة القصيرة من جائزة «البوكر» عام 2008، وفي هذه الرواية تروي وتحكي قصة ماريا نور التي تنهش الحرب عائلتها وتوصلها إلى «ميتم» تعيد منه بناء حياة عسيرة بين معهد الصحافة والعمل في مطبعة، لتعاود الالتقاء بالحروب والفواجع، وتصدم من عم خائن لا يأبه لوطن أو ألم.
حاملة قنديل ديوجين، كانت مي منسى تعدّ نفسها، باحثة عن الإنسان الذي بمقدوره أن يعيد للبنان كرامته... وفي كتابها «ما هو اسمي» الذي سطرته بالفرنسية، استلهمت زيارة قديمة لها إلى حلب لتكتب عن الدمار الذي لحق بالمدينة التاريخية... بالبؤس الذي حلّ بأهلها. أما في «ماكينة خياطة» (2012) فتحية لوالدتها التي ماتت وهي تسأل عن الماكينة التي تركتها بمنزلها في عين الرمانة؛ المنطقة التي لم يعد الوصول إليها سهلاً خلال الحرب الأهلية، ولا استعادة الماكينة التي قضت لياليها خلفها ممكنة. وفي «تماثيل مصدعة» (2013) انطلقت من ذاك الرجل الذي جاءها صدفة يطلب منها مساعدة لتعرف أنه تعرض لاعتداء جنسي من والده وهو صغير، ولم يعد قادراً على حمل هذا العبء على كتفيه.
هكذا حولت مي منسى وحدتها بعد أن كبر ابنها الوحيد، إلى مشغل تغزل فيه عوالم من حواضر ما كابدته خلال عمر شقي مليء بالأحداث.
لكن مي منسى، رغم انشغالها بكتابة الرواية، بقيت حتى الرمق الأخير صحافية مدمنة، تعمل كما أي مبتدئة لم تصبها لوثة الاحتراف. تذهب إلى المناسبات الثقافية قبل الوقت المحدد... تجلس على كرسيها، تخرج قلمها ووريقاتها، تنتظر لحظة البدء بكثير من المهابة والانضباط، تسجل ملاحظاتها، وتنسحب سريعاً كي تتمكن من تسليم مقالتها قبل أن ينفد الوقت. كانت كمن لها وجهان يتكاملان بسلام عجائبي؛ واحد متألم تعيشه مع نفسها وتبثه نصوصها الروائية، وآخر أكثر إشراقاً وحبوراً تطالعنا به في مقالاتها التي تشبه أغنيات عذبة... كأنما الحياة التي تحياها صحافيةً ليست سوى أوبرات وسمفونيات لا تنتهي. ومن كان يرى تلك الصبية الرشيقة الأنيقة، تقود سيارتها وتقطع المسافات بحثاً عن تغطية لا تريدها أن تفوتها، لا بد من أنه لم يكن ليفكر بعدد السنوات التي اجتازتها، وهي تقوم بهذه المهام دون تأفف أو تعب. لكن لحظة إعلان رحيلها كانت مفاجأة أكبر من الموت نفسه... أن مي في الثمانين.
لعلها المرة الأولى التي يرحل فيها فائز على إحدى لوائح جائزة الرواية العربية، قبل أن يكمل المشاركة في السباق، فهل سيسقط اسم مي من المنافسة؛ أم ستتابع غائبة؟ وهل يمكن أن تنال أديبة راحلة الجائزة الكبرى؟



الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
TT

الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)

في لحظة ثقافية تتقاطع فيها أسئلة الهوية مع رهانات المستقبل، يفتح المعهد الملكي للفنون التقليدية (وِرث) نافذة جديدة على أحد أكثر الفنون حساسية، وتعقيداً: «الأداء الحركي» ليس مجرد رقصة، أو استعراض، بل يعد خطاباً بصرياً يحمل في طياته تاريخ المكان، وإيقاع الإنسان، وذاكرة الجماعة. ومن هذا الأفق يأتي إعلان «دبلوم متوسط في تصميم الأداء الحركي»، والذي يُقدِّم لأول مرة في المملكة مشروعاً ثقافياً متكاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الجسد والتراث، وبين الحركة والمعنى.

من الفنون الشعبية إلى المختبرات الإبداعية

في المملكة لم تكن الفنون الأدائية يوماً مجرد ترف جمالي، بل كانت، كما تكشف التجارب التاريخية، أداةً للتعبير عن التحولات الاجتماعية، ومرآةً للبيئات المختلفة، من السواحل إلى الجبال. وهذه الفنون، التي توارثتها الأجيال شفهياً وحركياً، تحمل شفرات ثقافية دقيقة تتجلَّى في الإيقاع، واللباس، وحتى في ترتيب الصفوف أثناء الأداء.

رقصة شعبية على إيقاع الطبول تعكس تنوع الفنون الأدائية في السعودية (ورث)

من «العرضة» التي وُلدت من رحم المعارك، إلى «السامري» الذي يهمس بقصص الغزل، ومن «الخطوة» الجنوبية إلى «الدحة» الشمالية، يتشكل أرشيف حي من الحركات التي لا تُقرأ بالكلمات، بل تُفهم عبر الجسد نفسه. وهنا تحديداً يأتي الدبلوم الجديد ليحوِّل هذا الإرث من حالة التلقي إلى فضاء التحليل والإبداع.

برنامج يعيد صياغة العلاقة بين التراث والحداثة

يمتد البرنامج لعامين دراسيين (أربعة فصول)، ويُقدَّم حضورياً في مقر المعهد بحي الفوطة في الرياض، ضمن جدول صباحي، وبشكل مجاني للمواطنين السعوديين، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو دعم الثقافة، وإتاحتها.

لكن الأهم ليس في المدة، أو الشكل، بل في الفلسفة التي يقوم عليها البرنامج؛ إذ يهدف إلى صقل مخيلة الطلاب ليصبحوا مصممين حركيين قادرين على إنتاج أعمال أدائية معاصرة، دون أن يفقدوا صلتهم بالجذور.

المقررات لا تكتفي بتعليم تقنيات الحركة، بل تتجاوز ذلك إلى: تحليل الأساليب التقليدية والمعاصرة، وفهم الخصائص الثقافية للفنون الأدائية السعودية، والدمج بين الارتجال والتجريب والبناء الحركي المدروس، وإنتاج عروض مسرحية متكاملة ضمن فرق فنية.

وهي مقاربة تعليمية تجمع بين النظرية والتطبيق، وبين المختبر والركح، والتراث بوصفه مادةً، والفن بوصفه ممارسةً.

الجسد بوصفه أرشيفاً حياً

رقصة شعبية تعكس تراث المناطق الساحلية في السعودية (ورث)

ما يميز هذا التوجه أنه يتعامل مع الجسد بوصفه وعاء للذاكرة، لا أداة فقط. فكل حركة، كما يشير الباحثون في الفنون الأدائية، تحمل دلالة اجتماعية وثقافية، ويمكن قراءتها بوصفها وثيقة غير مكتوبة عن المجتمع.

في الفنون التقليدية السعودية، تتجسد هذه الفكرة بوضوح؛ إذ تعكس طريقة الاصطفاف في العرضة قيم التلاحم، في حين تكشف الإيقاعات البحرية عن علاقة الإنسان بالبحر، وتحكي الأزياء تفاصيل البيئة، والاقتصاد، وأنماط الحياة.

من هنا، يصبح «تصميم الأداء الحركي» عملية إعادة قراءة لهذا الأرشيف، ثم إعادة كتابته بلغة معاصرة.

صناعة جيل جديد من المصممين الحركيين

لا يقتصر طموح البرنامج على التعليم، بل يتجاوزه إلى بناء جيل جديد من «المصممين الحركيين»، وهو تخصص لا يزال في طور التشكل محلياً، يكونون قادرين على ابتكار عروض أدائية حديثة، وتوظيف التراث في سياقات معاصرة، ودعم المشهد الثقافي بعروض تجمع بين الأصالة والابتكار. وهي أهداف تتقاطع مع التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الثقافي في المملكة، حيث تتزايد الحاجة إلى كوادر قادرة على إنتاج محتوى فني يعكس الهوية، ويواكب في الوقت نفسه المعايير العالمية.

ما بين الذاكرة والمستقبل

في النهاية، لا يمكن قراءة هذا الدبلوم بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المملكة ثقافياً؛ إذ لم يعد التراث مجرد مادة للحفظ، بل أصبح مادة للإنتاج، ومصدراً للإلهام، ومنطلقاً لصناعات إبداعية جديدة.

وبينما كانت الفنون الأدائية في الماضي تُنقل من ساحة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل، ها هي اليوم تدخل قاعات الدرس، لتُدرَّس، وتُحلَّل، وتُعاد صياغتها.

إنه انتقال من «الأداء بوصفه ممارسة» إلى «الأداء بوصفه معرفة»، ومن الحركة بوصفها عادةً، إلى الحركة بوصفها علماً وفناً في آنٍ واحد.


مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»

محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
TT

مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»

محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)
محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)

«أندرتيكر داخل ولا إيه؟»... من وحي تميز المصارع الأميركي المعتزل بظاهرة إطفاء الأنوار وحلول الظلام الدامس مع دخوله صالة المنافسات، شبّه مصريون في سخرية حال شوارعهم بمشهد عالم «WWE» المُرعب.

ومع بدء إظلام القاهرة «التي لا تنام» مع دقات التاسعة، لم يُفوت سكانها وجيرانهم من مختلف المحافظات الفرصة ومارسوا هوايتهم في تأليف النكات، التي حوّلت قرار «الإغلاق المبكر» إلى مصدر للتندر.

ودخل قرار الحكومة بـ«الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي ودور العرض السينمائي عند التاسعة مساء يومياً (عدا الخميس والجمعة في العاشرة مساءً) حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، ومن المقرر أن يستمر لمدة شهر واحد، في إطار خطة لترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط عالمياً.

الشوارع والمحال التجارية بعد قرار ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)

وبينما تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي صوراً لأحياء القاهرة وعواصم المحافظات في حالة ظلام تام، مبدين استياءهم ورفضهم للقرار الحكومي، قرر آخرون مواجهة «الإغلاق المبكر» بتدوينات «ساخرة»، والإبداع في «الكوميكس» المستلهمة من الأفلام الكوميدية، وابتكار «الميمز» والمنشورات الفكاهية.

وتصدرت المشهد الساخر منشورات عديدة عن حال الرجال المصريين بعد غلق المقاهي، واضطرارهم إلى تركها مع دقات التاسعة. منها توظيف مشهد سينمائي يظهر وجود «ناضورجي» بالمقهى، وهو شخص مهمته مراقبة المكان ورصد التحركات الأمنية في محيطه، الذي يحذر رواد المقهى من بدء التفتيش بكلمة «كبسة»، ما يجعلهم يسارعون بالمغادرة.

بينما استخدم البعض مشهد «الشيخ حسني» ورفقائه في الفيلم الشهير «الكيت كات»، للإشارة إلى تحايل بعض المقاهي بغلق أبوابها على روادها مع إظلامها.

أما تعليق «لف لي الحجر ده تيك أواي بعد إذنك»، فيسخر من طلب مدخني «الشيشة» من «القهوجي» أخذ «حجر الشيشة» بنظام الوجبات السريعة.

«القهوجي» ظهر أيضاً بطلاً للعديد من التعليقات، فعلى غرار مُراقبي لجان الامتحانات المدرسية جاء تعليق: «القهوجي الساعة 9 إلا 5 قالنا 5 دقايق وهلم المشاريب».

مغردون حوّلوا قرار «الإغلاق المبكر» إلى مصدر للتندر (فيسبوك)

بينما تبرز «الفهلوة» المصرية في إيجاد مبررات لعدم الغلق، عبر ذكر أحد المغردين: «من ساعة واخدين القهوجي اللي تحت البيت بيقولهم الساعة عندي مش مظبوطة».

ونال حال الزوج مع زوجته بالمنزل مع العودة مبكراً من العمل نصيباً من السخرية، منها تشبيه الزوج بحال شخصية «سي السيد» السينمائية الشهيرة، بطلباته المتكررة من زوجته.

كما أشارت تعليقات عديدة إلى كثرة الشجارات المنزلية بوجود الزوج طويلاً، وأجمع كثيرون على أن نتيجة الجلوس بالمنزل ستؤدي إلى كثرة حالات الطلاق، أو إلى الزيادة السكانية.

بينما تندر آخرون من المتزوجين بغير علم زوجاتهم، عبر تساؤل: «اللي متجوز على مراته وكان بيقولها رايح القهوة دلوقتي هيقول إيه؟».

الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي في مصر، محمد فتحي، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن قطاعاً واسعاً من المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي اتجه إلى توظيف السخرية أداةً للتفاعل مع قرار الإغلاق المبكر، وظهرت هذه الممارسة في إنتاج محتوى ساخر يستند إلى مواقف حياتية يومية، ولجأ بعض المستخدمين إلى المقارنة بين هذا القرار وفترات سابقة، مثل إجراءات الإغلاق خلال جائحة «كورونا»، فضلاً عن استحضار مشاهد من أعمال درامية وسينمائية وإعادة توظيفها بشكل كوميدي.

ويشير فتحي إلى ظهور عدة أنماط رئيسية في التفاعل الرقمي، من أهمها «الميمز» ذات التعليق الساخر المختصر، ما ساهم في سرعة انتشارها وسهولة فهمها، ومقاطع الفيديو القصيرة التي تعتمد على تمثيل مواقف يومية بأسلوب كوميدي، كما تحوّلت التعليقات المصاحبة للمنشورات إلى مساحة إبداعية بحد ذاتها، يتنافس فيها المستخدمون على تقديم صياغات ساخرة لافتة، ويرجع التركيز على هذه الأدوات إلى عدة عوامل؛ من أبرزها «سرعة إنتاجها واستهلاكها، وقدرتها العالية على الانتشار، وتوافقها أيضاً مع خوارزميات المنصات، التي تعزز المحتوى القصير والتفاعلي»، على حد تعبيره.

بالتوازي مع «الإغلاق المبكر» تُطبِّق الحكومة المصرية «خطة ترشيد» تشمل «خفض إضاءة الأعمدة في الشوارع، وإيقاف إنارة الإعلانات على الطرق العامة، وغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) بالكامل في تمام الساعة السادسة مساءً».

وفرض إغلاق قاعات الأفراح والمناسبات عند التاسعة نفسه «كوميديا» على المشهد «السوشيالي»، خاصة «تيك توك»، عبر مساحة إبداعية بتمثيل مشاهد تدور حول تبكير الأفراح، وتصرف العروسين بطريقة غير متوقعة مع حلول التاسعة.

«هي الناس بتجري في الشارع ليه؟.. ده ميعاد قفل المحلات مش حظر تجول»... تعجب ساخر عن حالة الارتباك الاجتماعي خلال الساعات الأولى لتطبيق القرار، استدعته ذاكرة بعض المغردين من وحي فترات سابقة من «الحظر»، سواء السياسي، خلال «أحداث 25 يناير 2011» أو الصحي أثناء «كورونا».

ومع استثناء القرار الحكومي بـ«الإغلاق المبكر» محال المواد الغذائية والصيدليات والمطاعم المصنفة بوصفها منشآت سياحية، مع السماح باستمرار خدمة التوصيل على مدار 24 ساعة، ظهرت الصيدليات «سوشيالياً» وهي تستضيف موائد المقاهي وروادها.

وبينما تضرر كثيرون من أن الغلق سيسبب لهم خسائر مادية كبيرة، عدد آخرون بشكل تهكمي المستفيدين من القرار، أبرزهم محال بيع التسالي (المقلة).

ويلفت باحث الإعلام الرقمي إلى أنه «يمكن تفسير اللجوء إلى السخرية بوصفه إحدى آليات التكيف مع الضغوط، عبر تحويل المواقف المزعجة إلى مادة قابلة للكوميديا، كذلك أيضاً تعزيز الشعور بالمشاركة الجماعية، والتعبير غير المباشر عن الرأي بشكل ساخر».

ويتابع: «تعكس هذه الحالة تحول السخرية الرقمية إلى أداة تواصل جماهيري فعّالة، تُسهم في تشكيل الرأي العام والتفاعل مع القرارات اليومية، كما تؤكد أن المحتوى الساخر، خصوصاً في صيغته المختصرة، بات يمثل لغة رقمية سائدة، قادرة على نقل الرسائل المعقدة في قالب بسيط وسريع الانتشار».


«الأقصر للسينما الأفريقية» يحتفي بمسيرة ريهام عبد الغفور الفنية

ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
TT

«الأقصر للسينما الأفريقية» يحتفي بمسيرة ريهام عبد الغفور الفنية

ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)
ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)

شهدت فعاليات الدورة الـ15 من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» احتفاء بمسيرة الفنانة ريهام عبد الغفور التي كرمها المهرجان في حفل الافتتاح، الأحد، وأقيمت ندوة للاحتفاء بمسيرتها أدارها الكاتب والناقد جمال عبد الناصر في اليوم الأول للفعاليات، وسط اهتمام بالممثلة المصرية التي جذبت الأنظار بمسلسل «حكاية نرجس» في رمضان، وتصدر فيلمها «برشامة» شباك التذاكر في موسم عيد الفطر.

واختار المهرجان الذي يستمر حتى 4 أبريل (نيسان) المقبل في نسخته الجديدة دولة «جنوب أفريقيا» ضيفة شرف في الفعاليات المختلفة، مع عرض عدد من الأفلام السينمائية التي تمثل مراحل مختلفة في تاريخ السينما بها، بالإضافة إلى تخصيص ندوة لاستعراض تاريخ السينما بجنوب أفريقيا، فيما جرى تكريم المخرج الجنوب أفريقي تشافيني وا لورولي إلى جانب المخرج والسيناريست المغربي جمال سويس، والفنانين خالد الصاوي وريهام عبد الغفور والمخرج محمد أمين.

وخلال ندوة تكريمها في المهرجان وصفت ريهام عبد الغفور دورها في مسلسل «حكاية نرجس» بأنه «دور العمر» الذي عملت عليه لفترة طويلة مع إعجابها بالشخصيات البعيدة عنها بشكل كامل وحماسها لتقديمها، وعملها مع المخرج سامح علاء على السيناريو لفترة طويلة من أجل تقديمها بطريقة تجعل الجمهور يتعاطف معها، في ظل الضغوط المجتمعية التي يمكن أن تدفع الإنسان للتغير بشكل كامل.

صورة تذكارية خلال حفل الافتتاح (إدارة المهرجان)

وتحدثت ريهام عبد الغفور عن دعم والدها الفنان الراحل أشرف عبد الغفور لها في بدايتها الفنية وخوف والدتها عليها باعتبار أن التمثيل مهنة صعبة ومليئة بالإحباط، وطلبت من الحضور قراءة الفاتحة على روح والدها الراحل، معتبرة أنها تشعر بأنها حققت جزءاً كبيراً مما تحلم به في التجارب الفنية التي قدمتها.

وأكدت أنها تسعى دائماً إلى الخروج من المنطقة الآمنة، وهو ما عملت عليه في اختياراتها الفنية بشكل أكبر، خصوصاً بعد مشاركتها في مسلسل «الريان» الذي عرض قبل 15 عاماً، لكن الأمر لم يحدث بشكل سريع واستغرق وقتاً حتى جاءت إليها الفرص المغايرة التي وجدت بها تحدياً لنفسها ولم تتردد في تقديمها.

وعبرت ريهام عبد الغفور عن سعادتها بردود الفعل على فيلمها «برشامة» المعروض بالصالات السينمائية، مؤكدة أنها «محظوظة بالوجود وسط فريق قوي من الممثلين مع المخرج خالد دياب».

وشهدت فعاليات حفل افتتاح المهرجان الذي أقيم في معبد الأقصر حضور عدد كبير من الفنانين منهم يسرا، ومحمود حميدة، ومحسن منصور، وكريم قاسم، وأحمد فتحي، وشهد احتفاء بمئوية المخرج الراحل يوسف شاهين، مع عرض فيلم تسجيلي يستعرض مسيرته الفنية تضمن شهادات عدد من النجوم الذين عاصروه، فيما يقدم المهرجان عروضاً خاصة لأعماله المرممة ضمن الفعاليات.

ويقدم الفنان خالد الصاوي خلال الفعاليات «ماستر كلاس» عن تجربته الفنية يتحدث فيه عن خبرته بالتمثيل وتجربته بين الكتابة المسرحية والسينمائية والإخراجية، مع التطرق لأهم المحطات التي شكلت مسيرته في جلسة تفاعلية هدفها نقل خبرته الفنية للأجيال الجديدة.

خالد الصاوي على السجادة الحمراء (إدارة المهرجان)

وبينما استحدث المهرجان جائزة باسم المخرج الراحل داود عبد السيد لدعم سينما المؤلف وتشجيع المواهب الجديدة مع تكريم اسمه ضمن مكرمي الدورة الجديدة، فإن زميله ورفيق رحلته السينمائية مصمم المناظر أنسي أبو سيف سيقدم «ماستر كلاس» بعنوان «سينما داود عبد السيد».

وعبّر أبو سيف لـ«الشرق الأوسط» عن سعادته بتكريم المهرجان لاسم المخرج الراحل لكونه يعد من أهم المخرجين الذين قدموا أعمالاً متميزة في السينما المصرية، لافتاً إلى أن «الماستر كلاس» سيركز بشكل أساسي على أعماله التي تركت بصمة وسيتحدث عن اهتمامه بالتفاصيل بحكم عملهما المشترك سوياً.

ويعرض المهرجان 11 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام الطويلة، من بينها فيلم «ملكة القطن» للمخرجة السودانية سوزانا ميرغني والحائز على جائزة الجمهور في النسخة الماضية من مهرجان «الدوحة» وسبق عرضه في مهرجان «البندقية السينمائي»، وهو العمل الذي تدور أحداثه في قرية سودانية حيث تجد «نافيسة» المراهقة نفسها في قلب صراع لتحديد مستقبل الأرض. مع وصول رجل أعمال يروّج للقطن المعدل وراثياً، تقرر «نافيسة» الدفاع عن الحقول وعن مصيرها.

كما يعرض الفيلم الجزائري «رقية» الذي كتبه وأخرجه ينيس كوسيم، وتتناول أحداثه الأوقات الصعبة في فترة «العشرية السوداء»، التي مرَّت بها الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي، إلى جانب الفيلم الجنوب أفريقي «قضاء العرب» في عرضه الأول عربياً، وهو الفيلم الذي تدور أحداثه في مدينة بجنوب أفريقيا داخل مبنى متهالك يوفر ملاذاً هشاً لمجموعة من الرجال بلا مأوى يعيشون على هامش المجتمع.