وضوح «جنرال الحديدة» يزعج الحوثيين ويعكر مراوغاتهم

قيادي في الصف الثاني يتهم كومارت بالسعي إلى إسقاط «استوكهولم»

صورة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لسيارات الأمم المتحدة التي كانت تقل الجنرال وقت إطلاق النار في الحديدة أول من أمس
صورة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لسيارات الأمم المتحدة التي كانت تقل الجنرال وقت إطلاق النار في الحديدة أول من أمس
TT

وضوح «جنرال الحديدة» يزعج الحوثيين ويعكر مراوغاتهم

صورة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لسيارات الأمم المتحدة التي كانت تقل الجنرال وقت إطلاق النار في الحديدة أول من أمس
صورة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لسيارات الأمم المتحدة التي كانت تقل الجنرال وقت إطلاق النار في الحديدة أول من أمس

اتفق مسؤولون ومحللون سياسيون يمنيون على أن وضوح الجنرال الهولندي باتريك كومارت رئيس لجنة إعادة الانتشار في الحديدة أزعج الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، ودفعها إلى اعتباره «مشكلة» وإلى اتهامه بالسعي إلى إسقاط اتفاق استوكهولم، وعكر صفو المراوغات التي يتخذونها سبيلا في التعاطي مع المجتمع الدولي.
هذا الوضوح دفع قياديا في الصف الثاني بالجماعة أمس، إلى إعلان عدم قبول القرار الأممي رقم 2452 الذي يدعم خطة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للحديدة، في إشارة تمهيدية تعتقد الجماعة بأنها ستنجح بعد مزيد من التصعيد حولها إلى المساومة، لتكون المعادلة: قبول القرار=تغيير الجنرال. وتستخدم الجماعة عادة أسلوب التصعيد والتهديد على الأرض لتمهد لخطوات سياسية مقبلة، على غرار ما فعلت مع المبعوث الأممي السابق إسماعيل ولد الشيخ أحمد.
وغداة اتهام الحكومة اليمنية للميليشيات الحوثية باستهداف باتريك كومارت، صعّد القيادي في الصف الثاني بالجماعة من لغة التعاطي مع الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، متهما الجنرال الهولندي بالسعي لإسقاط اتفاقية «استوكهولم».
ونقلت «فرانس 24» على موقعها، إعلان عضو المجلس السياسي للحوثيين محمد البخيتي رفض الجماعة (المدعومة من إيران) توسيع البعثة الأممية، وقال البخيتي «لن نقبل الحوار حول زيادة عدد المراقبين الدوليين إلا بعد حل مشكلة باتريك كومارت لأنه قد سعى منذ اللحظة الأولى من تعيينه لإسقاط اتفاق استوكهولم حيث وصفه بأنه اتفاق غامض وسعى لاتفاق جديد».
وكان الجنرال قضى يوما عصيبا أول من أمس في الحديدة، بدأ بعرقلة تحركه تجاه وفد الشرعية المشارك في اللجنة، وانتهى باستهداف موكبه.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة إن الجنرال وأعضاء فريقه سالمون في الحديدة، في اليمن، بعد وقوع حادثة إطلاق نار (أول من أمس). ووفقا لما نشره موقع أخبار الأمم المتحدة بنسخته العربية، ذكر المتحدث ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة أن كومارت «كان في اجتماع مع ممثلي الحكومة اليمنية في لجنة التنسيق، وعند مغادرته مع فريقه تعرضت سيارة مصفحة عليها شارة الأمم المتحدة، لإطلاق نيران أسلحة صغيرة»، وأضاف أن الفريق عاد إلى قاعدته دون وقوع أي حوادث أخرى»، مشيرا إلى «عدم تلقي معلومات عن مصدر إطلاق النار».
واتصلت «الشرق الأوسط» أمس بالجنرال كومارت لمزيد من التفاصيل حول الحادثة، لكنه فضل عدم التعليق.
قراءة في استعداء كومارت
يقرأ حمزة الكمالي وهو وكيل وزارة الشباب والرياضة اليمني تصريحات البخيتي بالقول: «التصعيد الإعلامي الحوثي هو سياسة الحوثيين في التعاطي مع الأمم المتحدة خلال هذه الفترة، وهي سياسة موجهة لإفشال جهود المنظمة الدولية للسلام في اليمن»، وبسؤاله خلال اتصال هاتفي أمس «لماذا الجنرال وليس المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث مثلا»، قال الوكيل «لأنهم يشعرون بأن الجنرال يطبق القرار بحذافيره ولا يجيد التلاعب والالتفاف وليس لديه هامش سياسي كما يوجد لدى المبعوث».
ويتفق نجيب غلاب رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات مع الكمالي في مسألة الوضوح. لكنه يقرأ المسألة من عدة زوايا. ويقول غلاب الذي ألف كتابا عن «الإسلامويين في اليمن»: كومارت قدم تفسيرا واضحا لاتفاق استوكهولم مستندا على القرارات الأممية، ومن الواضح أنه بعد اللقاءات المتعددة التي جرت في الحديدة مع الحوثيين في اللجنة المشتركة لإعادة الانتشار وجدت الحوثية أن أطروحات الجنرال أكثر وضوحا، وهذه لجنة تقاريرها ترفع إلى الأمين العام وهي أكثر قربا إلى مجلس الأمن، وتفسيراتها التي تقدمها هي الأقرب إلى روح ونصوص اتفاقية استوكهولم إلى مجلس الأمن، هذا شكل صدمة للحوثيين لأن تعامل المبعوثين الناعم أوحى لهم بأن تفسيراتهم يمكن تمريرها لكن اتضح لهم من خلال الاجتماعات مع كومارت أن هناك اتجاها واضحا لإخراجهم من الميناء والاتفاقية واضحة مثل إزالة كافة العوائق كالمشرفين الذين يديرون بالفعل أعمال الحوثيين في مناطق سيطرتهم.
«الجنرال عسكري ولديه خبرة سابقة في التعامل مع المقررات الأممية وهو تنفيذي أكثر من أنه سياسي» يضيف غلاب: «لقد رفض المسرحية الحوثية في ميناء الحديدة وكان أكثر التزاما بنصوص الاتفاق والمقررات الأممية ولذلك وجدنا أن الحوثية لجأت إلى المبعوث وطالبته بإخراج باتريك رغم أنه لا يملك هذا الحق».
ويشدد رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات أن المسألة تأخذ اتجاهين، الأول صنع صراع بين مكتب المبعوث والمراقبين، وهذه طريقة ساذجة لأن الحوثية هنا تتعامل مع الأطراف الدولية وكأنها تتعامل مع قبيلة من طوق صنعاء. أما الثاني فهي تريد إعاقة تنفيذ الاتفاق وتدرك بأن ذلك سيقود إلى ضغط من مجلس الأمن وبالتالي وصاية دولية بمظلة أممية وإن حدث ذلك فإن هذه الوصاية ستصل إلى صنعاء.
ويتوسع غلاب في قراءة الصراعات داخل الحركة، بقوله «إن الجناح المتطرف داخل الحركة والمرتبط بإيران يقود إلى هدم الاتفاقات كلها حتى تستمر ورقة أمن البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية بيد طهران وبالتالي لن تفقد هذه الورقة في حال المصالحة، وهي توجه وكيلها الحوثي إلى إعاقة الحل».
كما يذهب إلى أن «اتفاق استوكهولم كان الهدف الإنساني منه حل المسألة الإنسانية أولا وأيضا تسهيل مرور المساعدات والإغاثة والسلع التجارية، وكان هذا الملف من أقوى الملفات التي توظفها الحوثية وبعض الدول والمنظمات الدولية ضد التحالف والشرعية، واتضح أن هذا الملف والكثير من المشاكل سببها الحوثي، وكانت تقارير الغذاء العالمي ومنظمات أخرى مؤشرا واضحا، وبالتالي تشعر الحوثية بخسارة كاملة هي وإيران، وبالذات الجناح المتطرف داخلها»، مكملا: «هناك جناح معتدل لا يمانع وصاية دولية حتى على صنعاء نفسها لأن لديهم قناعة كاملة أن الحوثية أصبحت ضعيفة وأن انتصار اليمنيين عليها مسألة وقت وبالتالي يريدون جعل الوصاية الدولية جزءا من صالحهم، وهذا التيار تستغله بعض القوى الغربية (...) لكن هذه الاتجاهات داخل الحركة لن تقود إلى حلول سياسية بل إلى فوضى وأزمات مركبة». وزاد غلاب: «لو كانت الحوثية فعلا مراهنة على المصالح الوطنية وعلى مصالح الناس والحل السياسي لقبلت بتسليم الموانئ والمدينة لليمنيين والقوى المحلية رغم أن الشرعية لا تسيطر عليها بل هي قوى محلية موجودة من قبل الشرعية وتمارس عملها بكل أريحية، لكن من الواضح أن الحوثية معادية ضد كل اليمنيين ويتعاملون كعصابة لا يعتبر اليمن بالنسبة لهم حتى آخر الهموم».

- إدانة لاستهداف الأمم المتحدة
ووجد الهجوم على الجنرال الهولندي رد فعل غاضبا لدى الحكومة اليمنية والتحالف، إذ قال رئيس الوزراء اليمني الدكتور معين عبد الملك إن الحادثة لا تستهدفه كشخص «بل تستهدف مساعي السلام التي خرجت بها مشاورات استوكهولم وجهود المجتمع الدولي».
وفي تعليقه على استهداف الجنرال أول من أمس، أعلن الأمير خالد بن سلمان السفير السعودي لدى الولايات المتحدة إدانة بلاده للهجوم الذي استهدف موكب الأمم المتحدة من قبل الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران. وأكد السفير في تغريدة على حسابه في «تويتر» أن الحوثيين «الذين انتهكوا التزاماتهم الموقعة في استوكهولم يستمرون في انتهاك القانون الدولي ويصعدون عدوانهم على الشعب اليمني».
بدوره، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإيرياني إن «مجلس الأمن والمبعوث الخاص لليمن مطالبان بموقف صارم مع ميليشيا الحوثي التي أكدت بتصعيدها الأخير والخطير ما أكدنا عليه مرارا أن الميليشيا عائق أمام السلام في اليمن وأنها مجرد أداة إيرانية لنشر الفوضى وزعزعة أمن واستقرار المنطقة وتهديد دول الجوار وأمن الممرات الدولية في البحر الأحمر»، مضيفا في سلسلة تغريدات عبر حسابه في «تويتر»: «إصرار الميليشيات الحوثية على إفشال اتفاق استوكهولم تجاوز رفضها تنفيذ بنوده الملزمة بالانسحاب من موانئ ومدينة الحديدة وفتح الطرق للإمدادات الغذائية وعرقلة التئام اللجنة المشتركة والاستمرار في خرق وقف إطلاق النار ليصل حد الاعتداء على موكب فريق الرقابة الأممية».

- تهديدات سابقة
لم يكن جديدا تصعيد الحوثيين ضد الأمم المتحدة وممثليها. فمنذ مطلع يناير (كانون الثاني) الحالي، هاجمت لجنة اقتصادية حوثية الأمم المتحدة، فقد سبق وأن دعا القيادي البارز في الجماعة ووزيرها في حكومة الانقلاب للشباب والرياضة حسن زيد، إلى طرد رئيس المراقبين في الحديدة وإشعال القتال مجدداً، معتبراً في منشور له على «فيسبوك» أن كومارت يحاول تسليم المدينة وموانئها لأعداء الجماعة من الأميركيين والبريطانيين والسعوديين والإماراتيين، على حد زعمه.
وقال القيادي الحوثي حسن زيد مخاطبا جماعته: «احذروا الهولندي، وتباً له وللترتيبات الممهدة للاحتلال» على حد زعمه. مشيراً إلى أن القوات الحكومية والتحالف الداعم لها عجزت عن أخذ المدينة والموانئ بالقوة وهو ما لا يمكن منحه للهولندي كومارت. ودعا زيد وهو من المطلوبين للتحالف الداعم للشرعية ضمن قائمة الأربعين، إلى طرد رئيس المراقبين الأمميين من الحديدة، وقال: «فليرحل من اليمن ولندافع عن كل شبر حتى آخر قطرة من دمائنا».
وفي أعقاب الفضيحة الأممية التي ألمت بالجماعة، اتهمت اللجنة الاقتصادية الحوثية الأمم المتحدة «بالتقاعس والبرود إزاء الملف الاقتصادي للشعب اليمني، وانخفاض صوتها الذي كان مناديا بضرورة وسرعة صرف رواتب موظفي الخدمة المدنية في عموم اليمن باعتبار ذلك المدخل العملي والأكثر أهمية لوقف التداعيات الإنسانية».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.