آخر الصحف المستقلة في فنزويلا تودع الورق بعد أكثر من 7 عقود

رئيس تحرير «إل ناسيونال» لـ «الشرق الأوسط»: القرار مؤقت يعتمد على انهيار النظام الذي لن يستمر طويلاً

أحد موظفي الصحيفة في ديسمبر 2018 يناهض قرار إلغاء النسخة الورقية جراء ضغوط الحكومة (غيتي)
أحد موظفي الصحيفة في ديسمبر 2018 يناهض قرار إلغاء النسخة الورقية جراء ضغوط الحكومة (غيتي)
TT

آخر الصحف المستقلة في فنزويلا تودع الورق بعد أكثر من 7 عقود

أحد موظفي الصحيفة في ديسمبر 2018 يناهض قرار إلغاء النسخة الورقية جراء ضغوط الحكومة (غيتي)
أحد موظفي الصحيفة في ديسمبر 2018 يناهض قرار إلغاء النسخة الورقية جراء ضغوط الحكومة (غيتي)

يعبر اسم «إل ناسيونال» في فنزويلا عن إحدى المؤسسات الصحافية المهنية في أميركا اللاتينية. فمنذ أكثر من 75 عاماً، كانت هذه الصحيفة الكبيرة شاهد عيان على تاريخ بلد بأسره. ومنذ بداية عهد هوغو شافيز في البلاد قبل عشرين عاماً، كانت هذه الصحيفة دون غيرها هدفاً مقصوداً لدى حكومة البلاد. وكان سبب استهدافها المعروف هو: استقلالها المهني.
جاء مؤخراً، ومما يؤسف له بشدة، إعلان صحيفة «إل ناسيونال» أن مخزونها من ورق الطباعة قد نفد تماماً، مما يجبرها على وقف إصدار النسخة المطبوعة من الجريدة. ويعد الأمر من دون شك كارثة على وسائل الإعلام في قارة أميركا اللاتينية على وجه العموم، وعلى الشعب الفنزويلي على وجه الخصوص.
وفي مقابلة أجرتها صحيفة «الشرق الأوسط» مع ميغيل إنريكي أوتيرو، رئيس تحرير صحيفة «إل ناسيونال»، الذي يعيش في المنفى بسبب الاضطهاد الذي عاناه من قبل حكومة بلاده، يقول أوتيرو إن الصحيفة سوف تواصل عملها، بنسختها الإلكترونية على شبكة الإنترنت، من أجل الديمقراطية في فنزويلا.

> لماذا تتوقف صحيفة «إل ناسيونال» عن الطباعة الآن؟
- إن نظام نيكولاس مادورو الحاكم هو نظام ديكتاتوري، يهدف إلى بسط السيطرة الكاملة على المعلومات في وسائل الإعلام. فلقد نجح النظام في إسكات الإذاعة والتلفزيون الوطنيين في البلاد، من خلال التشريعات التي وافقوا عليها، وتحولت وسائل الإعلام هذه في الوقت الحاضر إلى تطبيق أسلوب الرقابة الذاتية الكاملة لخدمة النظام الحاكم. ثم انطلقوا خلف الصحافة، عبر تطبيق عدد من التدابير القمعية من خلال المحاكم، والهيئات التابعة، وحتى الاعتداءات البدنية، وكافة أشكال الإجراءات الأخرى، حتى تبينوا السبيل الواصلة إلى تقييد المعروض من ورق الطباعة.
ومن ثم، بدأت الصحف الـ66 العاملة في البلاد في الاختفاء واحدة تلو الأخرى. وبعضها قد توقف عن العمل بالكلية، في حين تخيرت صحف أخرى الانتقال إلى شبكة الإنترنت. وكانت صحيفتنا «إل ناسيونال» هي آخر الصحف التي اختفت كمنفذ إعلامي مطبوع في فنزويلا. ولذلك، وفي الآونة الراهنة، فإن المنفذ الوحيد المتبقي لدينا للأخبار في البلاد هو شبكة الإنترنت.
ومع ذلك، فإن النظام الحاكم يعمل بالفعل على تطبيق الرقابة الصارمة، أو إغلاق البوابات الإلكترونية، وحجب المواقع وصفحات الويب، من خلال مشغلي الهواتف في البلاد. وعندما تنتهي عملية الحصار الشامل، لن يكون هناك في فنزويلا إذاعة أو تلفزيون أو جرائد أو إنترنت، مما يعني إغلاقاً تاماً لكافة منافذ حرية التعبير في بلادنا.
> كيف تمكنت صحيفة «إل ناسيونال» من البقاء لفترة طويلة على قيد الحياة؟
- لقد توقعنا الأمر قبل حدوثه. لقد أنشأ النظام الحاكم هيئة لبيع وشراء ورق الطباعة. وأدركنا أنهم لن يوافقوا أبداً على بيع ورق الطباعة إلينا. وعندما بدأ ذلك كان لدينا مخزون كبير من الورق، وكنا نستهلك ذلك المخزون يوماً بعد يوم، ثم أعربت بعض الصحف في أميركا اللاتينية عن تضامنها معنا، ومنحتنا ورق الطباعة كي نواصل العمل.
وبعد أن عملنا على ترشيد الاستهلاك بطريقة تجعل الصحيفة التي كانت توزع 120 ألف نسخة يومياً و250 ألف نسخة أيام الآحاد من كل أسبوع، وتتراوح بين 60 إلى 120 صفحة، انتهى بنا الحال إلى طباعة الصحيفة في 10 آلاف نسخة من 15 صفحة للنسخة الواحدة، ولم نعد ننشر الطبعة الخاصة بأيام الاثنين أو السبت من كل أسبوع.
بطبيعة الحال، كان بإمكاننا الاستمرار على هذا النحو، ونتحول إلى صحيفة تبيع 1000 نسخة من صفحة واحدة فقط، ولكننا قررنا ألا نفعل ذلك أبداً. لذا، اتخذنا القرار بوقف الطباعة مع نفاد آخر كمية من مخزون الورق لدينا، وتحولنا إلى منصة الإنترنت فحسب. وأخبرنا قراءنا أننا لن ننهزم أبداً، وأن التوقف الراهن هو توقف مؤقت يعتمد على انهيار النظام الحاكم في البلاد، وأعتقد أن ذلك النظام لن يستمر على قيد الحياة طويلاً.
> لماذا في رأيك تعمد النظام الفنزويلي الحاكم اضطهاد صحيفة «إل ناسيونال»؟
- إن النظام الحاكم في بلادنا يضطهد كافة وسائل الإعلام. مع مزيد من الضغط موجه ضد صحيفة «إل ناسيونال»؛ نظراً لأنها تمثل الصحافة الحرة، والمستقلة، والجريئة، والرمزية، وبطبيعة الحال فإننا تلقينا بسبب ذلك أقسى الضربات الموجعة وأقواها.
> كيف تمكنتم من اتخاذ هذا القرار؟ أعتقد أنه كان أمراً عسيراً للغاية؟
- إننا نتصور الأمر بمرور الوقت، وندرك أننا سوف نبلغ هذا الحد لا محالة. وظللنا نقلل من الكم والكيف حتى جاءت اللحظة المنتظرة. كنا نعي بصورة أو بأخرى أن الأمر قيد الحدوث ولقد حدث بالفعل. ولقد كان قراراً اتخذناه بسبب انعدام سبل العمل الأخرى في البلاد.
> كيف تصف حرية الصحافة في فنزويلا؟ وهل صحيح عدم وجود وسائل إعلام معارضة للنظام تماماً هناك؟
- كلا، لا يوجد، لا بالشكل المطبوع، ولا المسموع، ولا المرئي. ولكن هناك البوابات الإلكترونية، غير أن الحكومة تملك استراتيجية واضحة المعالم، تمنع وجود هذه البوابات في المدن. ولن تجد في العاصمة كاراكاس بوابة إلكترونية واحدة قط، فلقد حجبوا الوصول إلى شبكة الإنترنت، ويعمل النظام على قمع «صحافة المواطن الذاتية» بمنتهى الصرامة. وهناك مستخدمون على موقع «تويتر» تعرضوا للسجن لعام كامل من أجل تغريدة واحدة فقط. وهم يقمعون بشدة المواطنين الذين يلتقطون الصور في الشوارع باستخدام الهواتف المحمولة؛ لأنهم يعلمون أنهم سوف ينشرونها على وسائل الإعلام الاجتماعية بعد ذلك.
> كيف تصف واقع البلاد حالياً بصفة عامة؟
- إنه وضع حرج للغاية. الحكومة في حالة ارتباك شديدة، بسبب الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية العارمة بصورة يومية، والناس يتظاهرون من أجل توفير الخدمات العامة، ومن أجل الغذاء. إننا نتحدث عن 20 إلى 30 حالة تظاهر واحتجاج يومي، تلك التي ينتهي الأمر بقمعها بكل قسوة وصرامة على أيدي قوات الحرس الوطني في البلاد.
هناك واقع من الغليان الشديد داخل القوات المسلحة. وتمكن النظام الحاكم من سحق خمس محاولات للتمرد العسكري خلال العام الماضي وحده، ولدينا أكثر من 250 سجيناً عسكرياً الآن.
هناك انقسامات كبيرة في الزمرة الشافيزية الحاكمة، كما أن هناك شخصيات بارزة قد غادرت البلاد بالفعل. والبلدان المجاورة لفنزويلا، مثل كولومبيا، والبرازيل، والولايات المتحدة، والبيرو، وتشيلي، والأرجنتين، ليست لديها الرغبة في التدخل العسكري، ولكنها على استعداد للمساعدة بأي وسيلة أخرى للتخلص من النظام الحاكم لدينا، وهناك حالة من التضخم الاقتصادي الرهيب، وهي الظاهرة التي طالما أسفرت عن سحق وسقوط الحكومات.
> كيف كان شكل الدعم من المجتمع الدولي لبلادكم؟
- هناك 50 شخصية مهمة من النظام الحاكم فُرضت بحقهم العقوبات الدولية. ثم تأتي البيانات الدولية والفعاليات الدبلوماسية النشطة للغاية، من البلدان التي ذكرتها والمناوئة للنظام في فنزويلا، ثم هناك أنشطة منظمة الدول الأميركية، التي تغير فيها وجه التصويت بصورة جذرية فيما يتعلق بفنزويلا، ذلك إلى جانب العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.
وفنزويلا معروفة على الصعيد العالمي بأنها بلد من بلدان المخدرات. وإن تحدثتم مع مكتب المخدرات التابع للأمم المتحدة في فيينا، فسوف يقولون لكم إن جزءاً كبيراً من مخدر الكوكايين الذي يدخل إلى أوروبا قادم بالأساس من فنزويلا، وتشرف عليه حكومة البلاد.
هذا ولقد غادر 4 ملايين مواطن البلاد بالفعل! ورحيل هذا العدد الهائل يؤثر من دون شك على بلدان أخرى. ووصول مليوني لاجئ من فنزويلا إلى كولومبيا وحدها ليس إلا كارثة محققة. كما هو الحال تماماً في كل من البيرو والإكوادور، إذ يتحول الشتات الفنزويلي إلى كابوس شديد الإزعاج لبقية الدول من حولنا.
إنه نظام ديكتاتوري غاشم، يلهو بألعاب جيوسياسية خطيرة تسبب الإزعاج لكثير من الجهات المعنية. إن بعض القاذفات الروسية تساعد تنظيم «حزب الله» اللبناني ومتحالفين مع إيران. إنهم يتحالفون مع أكثر أنظمة العالم خبثاً وشراً.
> كيف هي أكثر اللحظات انفعالاً في صحيفة «إل ناسيونال»؟
- يكون ذلك عندما نعمل على تحقيق صحافي حصري وبالغ الأهمية للغاية، أو عندما نكتب موضوعاً له نصيبه المعتبر من العمق والتأثير، لدرجة أنه يترك بصمته الأكيدة على المجتمع.
> ما مفهوم صحيفة «إل ناسيونال» في نسختها الإلكترونية الجديدة؟
- لدينا ثالث أكبر موقع إلكتروني من حيث حركة الزيارة والتصفح للمواقع الإخبارية الناطقة بالإسبانية في العالم، ولسوف نعمل على تكريس أنفسنا وتخصيص مواردنا لتعزيز هذا الزخم القائم، وعلى تطويره وتحديثه، ذلك لأن الجانب المطبوع من عملنا لا يمكن القضاء عليه تماماً. لا تزال المطابع تعمل، وبالقليل من التعب والمجهود، ونجد أنفسنا وكأننا لم نخسر شيئاً البتة.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.