جريدة «المحروسة»... صفحات من تاريخ مصر السياسي والأدبي

أسسها سليم النقاش في الإسكندرية وظهر فيها اسم مي زيادة للمرة الأولى

صورة نادرة لمي زيادة من أرشيف مكتبة الإسكندرية - ترويسة «المحروسة» بعد تحولها من يومية إلى أسبوعية - جانب من إعلانات «المحروسة»
صورة نادرة لمي زيادة من أرشيف مكتبة الإسكندرية - ترويسة «المحروسة» بعد تحولها من يومية إلى أسبوعية - جانب من إعلانات «المحروسة»
TT

جريدة «المحروسة»... صفحات من تاريخ مصر السياسي والأدبي

صورة نادرة لمي زيادة من أرشيف مكتبة الإسكندرية - ترويسة «المحروسة» بعد تحولها من يومية إلى أسبوعية - جانب من إعلانات «المحروسة»
صورة نادرة لمي زيادة من أرشيف مكتبة الإسكندرية - ترويسة «المحروسة» بعد تحولها من يومية إلى أسبوعية - جانب من إعلانات «المحروسة»

صفحات بارزة من تاريخ مصر كانت جريدة «المحروسة» شاهدة عليها، بكل تفاصيلها، بل وشاركت في نسجها بين القرنين التاسع عشر والعشرين. ففي 5 يناير (كانون الثاني) 1880، أصدر سليم النقاش صحيفة يومية تحمل اسم «المحروسة»، وأصدر أخرى أسبوعية هي «العصر الجديد»، وذلك بعد توقف مطبوعته «التجارة»، وكان ذلك في أوج هجرة الشوام لمصر عقب المذابح العثمانية في سوريا، ومثلت «المحروسة» الطور الثاني من أطوار الصحافة المصرية، بعد أن أصبحت متاحة للشعب، حيث كانت الصحافة في بدايتها مع صحيفة «الجورنال» محصورة على رجال الوالي والحاشية، فظهرت «المحروسة» وكان الباب قد فتح على مصراعيه للصحافة للخوض في الشؤون السياسية، ومن ثم شاركت مع عدد من الصحف الشامية آنذاك في تغطية الحرب الروسية - التركية، لذا اتسمت الصحف في تلك الفترة بكونها صحافة رأي، وكان عليها موالاة تركيا ضد روسيا. واستمرت الصحيفتان «المحروسة» و«العصر الجديد» في الصدور حتى قيام الثورة العربية، وهي الفترة التي شهدت توقف بعض الصحف عن الصدور.

يبدو أن حالة الاستقطاب الإعلامي وصلت أوجها في ذاك الوقت بسبب انقسام الصحف بين تأييد العرابيين وتأييد القصر الملكي. وقد غادر سليم النقاش إلى سوريا، بعدما أُجبرت «المحروسة» على التوقف، ثم عاد في 1882 من سوريا، وأعاد إصدار صحيفة «المحروسة» عام 1884، من القاهرة، واستمرت في الصدور أسبوعياً حتى وفاة صاحبها في العام نفسه. ووفقاً للمراجع المتخصصة في تاريخ الصحافة، فإنه قد تولى إدارة الصحيفة بعد ذلك ابنه خليل النقاش الذي حولها عام 1886 إلى صحيفة يومية. وفي 11 يناير 1909، انتقل امتياز صحيفة «المحروسة» إلى إلياس زيادة، حيث تنازل له إدريس راغب، مالك مطبعة «المحروسة» في ذاك الوقت عن حقوق نشر «المحروسة»، وعهد له بتحريرها وملكيتها، وقام بتحريرها عدد من الصحافيين الشوام، مثل: إبراهيم الحوراني، وإدوار مرقص، ومي زيادة (التي كانت تكتب في عدد من الصحف والمجلات المصرية، من بينها «الأهرام» و«الهلال»).
وتاريخ «المحروسة» غامض كغموض حياة آخر من تولت رئاسة تحريرها، مي زيادة، حيث واجهنا صعوبة كبيرة في معرفة تاريخها ما بين الإسكندرية والقاهرة، فضلاً عن عدم ذكر المراجع المتخصصة في تاريخ الصحافة ما يخص محتوى جريدة «المحروسة». فقد كانت هناك صعوبة كبيرة في الوصول لمحتواها، حيث لا يوجد أرشيف لها يمكن الرجوع إليه، لكن دكتورة نعمات أحمد عتمان، أستاذة الإعلام بجامعة الإسكندرية، كانت قد درست محتوى الجريدة التي تعد من أوائل الصحف التي صدرت في مصر، خلال دراستها الشهيرة عن «تاريخ الصحافة السكندرية (1873 - 1899)». وقد قالت لـ«الشرق الأوسط»: «خلال الفترة من عام 1882 حتى 1884، احتوت (المحروسة) على آراء الصحف الإنجليزية والفرنسية في المسألة المصرية، وجعلت يوم الخميس وقفاً على أخبار مصر الداخلية، وقدمت تراجم لروائع الأدب الفرنسي تحديداً».
وأكدت: «كانت (المحروسة) موالية لفرنسا، بحكم ثقافة مؤسسها سليم النقاش، كذلك كان عدد كبير من الصحف التي أسسها الشوام آنذاك موالية لفرنسا وبريطانيا، لكن المحروسة كانت تناطح الاحتلال الإنجليزي لمصر عقب انتقالها للقاهرة، وجاء ذلك في صالح المصريين الوطنيين، على عكس صحيفة (المقطم) التي كانت موالية بشكل فج للإنجليز». ولفتت عتمان إلى أن «جريدة (الأهرام) أيضاً كانت ذات توجه ثقافي فرنسي، لكنها انحازت مع الوقت للجانب الشعبي في مواجهة الاحتلال البريطاني». وترجح عتمان أن العلاقة بين «الأهرام» و«المحروسة» كانت تنافسية على استقطاب القراء وجذبهم.
وتضيف عتمان أنه في فترة الاحتلال البريطاني لمصر، تحاملت الصحف على الثورة العرابية، وحملتها تبعات ما حدث لمصر، ثم بدأت «المحروسة» في مهاجمة الاحتلال البريطاني، وانتقاد السياسية الإنجليزية، بنشرها لآراء سياسية لأمثال «بسمارك» الألماني الذي كان ينتقد السياسية الاحتلالية لبريطانيا في مصر. وترى دكتورة عتمان، وفقاً لتحليل مسيرة جريدة «المحروسة»، أنها كانت تتناقض مع فكرة القومية المصرية، حيث كانت تحذر المصريين من فكرة الخروج عن الدولة العثمانية، بينما تؤكد أنها لعبت دوراً تثقيفياً تنويرياً كبيراً، حيث كانت تنشر القصص المترجمة عن الأدب الفرنسي، مثل: «الطواف حول الأرض» و«الشهامة والحب» و«الصديقين الحميمين»، وكان لها دور في تهيئة البيئة الثقافية للصالونات الأدبية.
وفي أعقاب أحداث 8 مارس (آذار)، واعتقال الزعماء المصريين الوطنيين، وهو السبب الرئيسي لثورة 1919، أخذت «الأهرام» جانب الجماهير التي خرجت للتظاهر ضد سياسات الاحتلال القمعية، وأيدتها كثير من الصحف الوطنية، واحتجبت عن الصدور عدة أيام. وكانت تلك الفترة، بحسب المتخصصين في تاريخ الصحافة، متأرجحة، وشهدت تغيرات كبرى في توجهات الصحف وكبار الكتاب والصحافيين آنذاك، هكذا تؤكد د. نجوى كامل، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام - جامعة القاهرة، المتخصصة في تاريخ الصحافة المصرية، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «صدرت المحروسة قبل وجود الاحتلال البريطاني لمصر، وكان ولاؤها كغالبية ولاء الصحف آنذاك لفرنسا، لكن لا يمكن تصنيفها كصحيفة حزبية أو وطنية شعبية، لأن تلك الفترة كانت مليئة بالتغيرات في المواقف السياسية»، وتشير إلى «أن (المحروسة)، فور صدورها، كانت تهاجم حكومة شريف باشا، ولعبت دوراً مهماً في إصدار قانون المطبوعات عام 1881، رغم أن هذا القانون كان يستهدف مواجهة الصحف التي تسبب أزمات مع السلطان العثماني والدول الأجنبية».
وأوضحت كامل أن ذلك الوقت شهد نهضة صحافية غير عادية، حيث كان لكل فصيل صحيفة تعبر عنه، وتدافع عن مصالحه، وتغيرت مواقف كثير من الكتاب مع الثورة العربية، حتى محمد عبده، عندما تولى رئاسة تحرير جريدة «الوقائع» المصرية، كان موالياً وقتها للخديوي، لكن مع نجاح الثورة العربية في بدايتها، انحاز لها محمد عبده ولما حققته، فيما تغير موقف الصحافي المصري أديب إسحاق، بعد أن كان رافضاً للتدخلات الأجنبية، ويقف في صف العرابيين، عاد لينقلب ضدهم ويهاجمهم، رغم أنه كان مؤيداً لشعار «مصر للمصريين»، وتلفت كامل إلى أن «تلك الفترة شهدت حالة من عدم الثقة بين القراء والصحافيين الشوام وولاءاتهم».
وفي السياق نفسه، يشير كتاب «تطور الصحافة المصرية 1798 - 1981»، للمؤلف إبراهيم عبده، إلى أن الحكومة أوقفت «المحروسة» لمدة 15 يوماً، لمهاجمتها للأجانب المقيمين في مصر، وطالبت بفرض الضرائب عليهم، حيث كتبت: «ما من نظام أو قانون وضع في الدنيا وبقي نافذاً إلى الأبد، فما كان ملائماً على عهد محمد علي باشا، صار في هذا الزمان غير ملائم».
وبدا سليم النقاش جريئاً في طرح موقفه للقراء، وكتب على صفحاتها الأربع: «(المحروسة) تجرأت أيام الاستبداد المحض، ونادت بالحكومة الشورية، ووحدها بين الجرائد العربية في ذلك الحين أخذت تناصر الحزب الوطني، وهي وحدها أيضاً عارضت النفوذ الأجنبي عند خوف الأفراط فيه، وهي أول جريدة صرحت بسوء إدارة بعض المصالح الأجنبية، وهي وحدها تحملت غضب المسيو دوبلينيار وتحامله عليها، وقد حرمت لذلك من فوائد جمة حباً منها بالوطن وأهله، وكم وقفت، وكم أنذرت، وكم عطلت، وكم حذرت». ثم يشير الكتاب إلى أن الأمور زادت تعقيداً، وشنت صحيفة «المفيد» حملة على الشوام وصحافتهم، ونقلت عنها الصحف الناشئة في أحضان الثورة، حتى شغل هذا الموضوع حياة المصريين جميعاً. وإبان الحرب العالمية الأولى، تأثرت «المحروسة» كباقي الصحف بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار الورق وتوقفت.
ونظرا لما في هذه الحقبة من تشابك بين التاريخ السياسي والصحافي في مصر، توجهنا لكبار أستاذة التاريخ والباحثين فيه، لسؤالهم حول قيمة وتوجهات جريدة «المحروسة»، فقال د. خلف الميري، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس، لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك أن جريدة (المحروسة)، ومؤسسها سليم النقاش، لعبا دوراً مهماً في تاريخ تلك الحقبة السياسية الحرجة التي مرت بها مصر، والمنطقة بشكل عام. وكان توجه سليم النقاش هو البحث عن منابع ومكامن النهضة المصرية، والتركيز عليها، ويتجلى ذلك في مجلداته الشهيرة (مصر للمصريين)، التي هي خلاصة مقالات ووقائع يومية نشرتها (المحروسة)، وتعد من أهم الكتب التي وثقت لتلك الفترة المهمة من تاريخ مصر».
وأضاف أن «دور الصحافة الشامية كانت له أبعاد سياسية وانتقامية بلا شك من الدولة العثمانية التي تسببت في هجرتهم من مذابحها في سوريا، ويجب أن نعلم أن الصحف كان لها تأثير بالغ الخطورة والأهمية، كونها الأداة الإعلامية الوحيدة في ذاك الوقت، قبل ظهور المذياع أو الراديو، وكان يلعب معها الدور الإعلامي الخطباء في المساجد والكنائس، لذا يمكننا القول إن المحروسة كانت مرآة لتلك الحقبة التاريخية».
ويؤكد د. خالد عزب، المشرف على مشروعات توثيق تاريخ مصر وذاكرة الوطن العربي بمكتبة الإسكندرية، لـ«الشرق الأوسط» على أهمية الدور الذي لعبته الصحف في ذاك الوقت، خصوصاً أن تلك الحقبة كانت فيها مساحة حرية لمهاجمة الدولة العثمانية ومشروعها، وساهمت تلك الصحف في محاربة الاستعمار، وكانت تتبارى في كسب القراء، وكانت أرقام توزيعها تفوق أرقام توزيع الصحف المصرية حالياً، في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية تحارب على الجبهة الداخلية ضد الأحزاب المتكونة فيها.
ويشير عزب إلى أنه «على الرغم من قيمة تلك الصحف في توثيق التاريخ، فإن مصر فقدت جزءاً كبيراً جداً من أرشيف تلك الصحف الشامية التي مثلت اللبنة الأولى التي انطلقت منها الصحافة المصرية والعربية».
وتشير المراجع التاريخية إلى قيام ملاك «المحروسة» باتخاذ منحنى أدبي وثقافي، والتخلي عن التوجه السياسي، لضمان استمرارية الصحيفة، بعد انتقالها لملكية إلياس زيادة، فقد صدر العدد الأول من جريدة «المحروسة» باسم صاحبها ومديرها المسؤول إلياس زيادة في القاهرة، في يناير (كانون الثاني) 1909م. وكانت مي زيادة تكتب فيها بأسماء مستعارة، منها «إيزيس كوبيا»، لكنها بعد أن أتقنت العربية، على يد أحمد لطفي السيد الذي أعجب بها وبثقافتها، لكنه رأى أن قلمها فرنسي الطابع، وأهداها نسخة من القرآن الكريم لتستقي من حلاوة لغته ومعانيه، بدأت تكتب بالعربية، وتوقع في عدد «المحروسة» الصادر في 3 فبراير (شباط) 1911م، تحت مقال بعنوان «خواطر»، كتبت فيه: «ذهبت إلى الجامعة المصرية وفي قلبي شيء من السرور، ولم أجد في الجامعة في أثناء المحاضرة أكثر من ستين سيدة، بين سوريات ووطنيات». وكرست قلمها في هذا الباب للحديث عن التنوير والتعليم والثقافة متخذة طابعاً نسوياً في مناقشة قضايا المرأة.
وفي عام 1929، انتقلت رئاسة تحرير «المحروسة» إلى مي زيادة، بعد وفاة والدها، واستكتبت «المحروسة» أيضاً محمود عباس العقاد، وعبد الله النديم، وأحمد لطفي السيد، وأنطون جميل، وخليل مطران، وعدداً من كبار الأدباء، لكن عانت الصحيفة بسبب أزمة ألمت بالصحف إبان الحرب العالمية الأولى، حيث ارتفعت أسعار الورق ارتفاعاً كبيراً. واستمرت أزمة الصحف حتى حقبة أربعينات القرن العشرين، حيث بدأ التوجه يميل لتيار الوطنية وأسلمة الصحف الكبرى.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».