بنغلاديش تنتصر على الفقر بالنمو الاقتصادي

دخل الفرد يرتفع إلى 1.751 دولاراً

حققت بنغلاديش أكبر نمو لإجمالي الناتج المحلي خلال العام المالي الماضي بنسبة 7.86%  (رويترز)
حققت بنغلاديش أكبر نمو لإجمالي الناتج المحلي خلال العام المالي الماضي بنسبة 7.86% (رويترز)
TT

بنغلاديش تنتصر على الفقر بالنمو الاقتصادي

حققت بنغلاديش أكبر نمو لإجمالي الناتج المحلي خلال العام المالي الماضي بنسبة 7.86%  (رويترز)
حققت بنغلاديش أكبر نمو لإجمالي الناتج المحلي خلال العام المالي الماضي بنسبة 7.86% (رويترز)

أصبحت بنغلاديش، التي تم تصنيفها يوماً من بين أفقر دول العالم، والأكثر كثافة سكانية على مستوى العالم، ورابع أكبر دولة من حيث عدد السكان المسلمين، مثالاً لقصة نجاح اقتصادي كبيرة.
وقد حققت بنغلاديش أكبر نمو لإجمالي الناتج المحلي خلال العام المالي 2017-2018، ونسبته 7.86 في المائة، متخطية النمو التقديري البالغ 7.65 في المائة، مما ساعد على انتشال 50 مليون شخص من الفقر المدقع، بحسب صندوق النقد الدولي.
وقد زاد دخل الفرد إلى 1.751 دولاراً خلال العام المالي 2017-2018، من 1.610 دولار خلال العام الماضي، بحسب مكتب إحصاءات بنغلاديش. وقد توقعت وحدة الاستخبارات الاقتصادية في لندن أن تشهد بنغلاديش نمواً حقيقياً سنوياً لإجمالي الناتج المحلي نسبته 7.7 في المائة من عام 2018-2019 حتى 2022-2023، تعززه زيادة الاستهلاك الخاص والاستثمارات.
ويكافئ عدد سكان بنغلاديش، البالغ 160 مليوناً، عدد سكان كل من فرنسا وألمانيا وهولندا مجتمعة. وبالنظر إلى حجم وعمق جذور فقرها، يجب تصنيف الازدهار الاقتصادي الذي شهدته البلاد مؤخراً باعتباره أفضل قصة نجاح اقتصادي في العالم.
وقد احتفت بنغلاديش في بداية العام الحالي حين انطبقت عليها معايير الأمم المتحدة، لتخرج من مجموعة «الدول الأقل تطوراً وتنمية» بحلول عام 2024. ومن المتوقع أن يتحول الوضع الاقتصادي في تلك الدولة التي كانت تشتهر بحالتها الفقيرة، والتي كانت دوماً ضحية للمجاعات والفيضانات، إلى وضع يشبه وضع المكسيك وتركيا، على حد تصريح الأمم المتحدة.
وقالت شيخة حسينة، رئيسة وزراء بنغلاديش، التي حظيت بترحاب عالمي لما حققته من ازدهار ونجاح اقتصادي، في مقابلة مع «نيكي آشيان ريفيو»: «نتوقع أن يتجاوز النمو السنوي 9 في المائة خلال الأعوام الخمسة المقبلة، ونأمل أن يصل إلى 10 في المائة بحلول عام 2021».
تدفقات قوية من النقد الأجنبي
على الجانب الآخر، سجل احتياطي النقد الأجنبي في بنغلاديش نمواً بأكثر من 450 في المائة على مدى الأعوام العشرة الماضية، ووصل إلى 33.3 مليار دولار.
وقال سراج الإسلام، المتحدث باسم بنك بنغلاديش المركزي: «يأتي النقد الأجنبي من الصادرات والحوالات المالية والمساعدات الخارجية والمنح، وكذلك من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، وقد كان أداء بنغلاديش في تلك الجوانب جيداً إجمالاً».
جدير بالذكر أن بنغلاديش نجحت في جذب استثمار أجنبي مباشر يقدّر بنحو 3 مليارات دولار خلال 2017-2018، بحسب بيانات البنك المركزي.
وأوضح تقرير لمؤسسة الأبحاث العالمية لمصرف «إتش إس بي سي»، يحمل عنوان «العالم في عام 2030: توقعات طويلة الأمد لـ75 دولة»، أن اقتصاد بنغلاديش سوف يقفز 16 نقطة بين عامي 2018 و2030، وهو المعدل الأعلى بين الدول. وسيقدّر حجم اقتصاد بنغلاديش عام 2030 بـ700 مليار دولار، في حين يقدّر حالياً بنحو 300 مليار دولار، بحسب ما جاء في التقرير.
وتصدرت بنغلاديش قائمة الدول التي شهدت أسرع زيادة في عدد الأثرياء بين عامي 2012 و2017، بحسب تقرير جديد صادر عن شركة أبحاث «ويلث إكس»، التي توجد في نيويورك.
وقد ارتفع عدد الأفراد الأكثر ثراء في بنغلاديش بنسبة 17.3 في المائة خلال تلك الفترة، بحسب تقرير الثراء العالمي لعام 2018. ويتم تعريف الأفراد الأكثر ثراءً بأنهم الأشخاص الذين يمتلكون أصولاً قابلة للاستثمار، تقدّر بنحو 30 مليون دولار على الأقل، مع استبعاد الأصول والعقارات الشخصية، مثل المنازل الأساسية، والمقتنيات، والسلع الاستهلاكية.
ومن المتوقع أن تتخطى بنغلاديش الهند وتتفوق عليها خلال الأعوام القليلة المقبلة، بحسب بنك التنمية الآسيوي. ويشهد متوسط دخل الفرد في البلاد نمواً بمعدل أكبر من نمو متوسط دخل الفرد في الهند بمقدار 3 أمثال. وإذا استمرت البلاد في الحفاظ على معدل نمو إجمالي الدخل المحلي، وإجمالي الناتج المحلي، خلال العامين المقبلين، فسوف يكون متوسط دخل الفرد بها أكبر من متوسط دخل الفرد في الهند بحلول عام 2020.
ما الأمور التي تقوم بها بنغلاديش؟
أصبحت البلاد قلب جنوب آسيا النابض بالحياة بفضل ما حققته من تطور على المستوى الاجتماعي والتكنولوجي، وتطوير للبنية التحتية. ويمكن أن تُعزى قوة وضع البلاد اليوم إلى نظام الائتمان الصغير الناجح، الذي بدأ يترسخ في ثمانينات القرن الماضي، ويمثل نموذجاً يحتذى به لاقتصادات الدول النامية. ومن الأسباب الأخرى للنجاح تركيز الحكومة على تمكين المرأة، ومنح الأولوية للتعليم والصحة.
ويرى جايشري سنغوبتا، الخبير الاقتصادي الزميل رفيع المستوى في مؤسسة «أوبزيرفر ريسرش فاونديشن»، أن الازدهار الاقتصادي يعود بالأساس إلى نمو استثمارات القطاع الخاص، والحوالات المالية التي يرسلها مواطنو بنغلاديش في الخارج. كذلك كان للصادرات، خصوصاً في مجال الملابس الجاهزة، دوراً هائلاً في تحقيق تلك الطفرة. ففي ظل تبني قطاع الملابس لاستراتيجية قومية تركز على التصنيع، ازدادت صادرات البلاد بمعدل متوسط سنوي يتراوح بين 15 و17 في المائة خلال السنوات الأخيرة. وفي عام 2017، صدّرت بنغلاديش ملابس تتجاوز قيمتها 28 مليار دولار، محققة المركز الثاني بعد الصين في التصدير. كذلك تمثل صادرات الملابس 14 في المائة تقريباً من إجمالي الناتج المحلي، و80 في المائة من إجمالي الصادرات.
وأشار دكتور أبو يوسف، أحد خبراء الاقتصاد، إلى أن صناعة الملابس في بنغلاديش واحدة من أهم القوى الدافعة المحركة لاقتصاد البلاد، حيث يعمل بها نحو 4.4 مليون شخص، 3 ملايين منهم من النساء. وأوضح أن ابتعاد الصين عن تصنيع السلع الرخيصة قد ساعد في ترسيخ وتعزيز وضع بنغلاديش في القطاع، حيث بدأت البلاد تجذب مستثمرين عالميين بفضل انخفاض أجور القوى العاملة بها.
وتتميز بنغلاديش بكبر حجم شركات الملابس الرئيسية، مقارنة بتلك الموجودة في الهند، نتيجة اختلاف قوانين العمل بالأساس.
مع ذلك، لم يكن ما حققته البلاد من نمو سريع ليصبح مثيراً للاهتمام لو لم يصل إلى الفقراء. وقد أشار تقرير صادر حديثاً عن البنك الدولي إلى أن متوسط دخل 40 في المائة من الأسر الأكثر فقراً قد ارتفع بمعدل أسرع منه، بشكل مجمل في البلاد، بنسبة 0.5 في المائة بين عامي 2005 و2010. على الجانب الآخر، كان متوسط دخل 40 في المائة من الأسر الأكثر فقراً في الهند أقل من المتوسط المحلي خلال الفترة نفسها.
وقد ذكر الخبير الاقتصادي كاوشيك باسو في دراسته: «لقد اتخذت بنغلاديش خطوات مهمة باتجاه تعليم الفتيات، ومنح النساء فرصة أكبر للتعبير، سواء على مستوى الأسرة أو في المجال العام. وساعد ازدهار اقتصاد بنغلاديش في توفير فرص عمل لملايين الأشخاص، خصوصاً النساء اللاتي بدأن في تقاضي رواتب للمرة الأولى. كذلك نجحت برامج التنمية في قطاع الاستزراع المائي في المناطق الريفية في جعل ربات المنزل، اللاتي كنّ مواطنات من الدرجة الثانية، من أصحاب الدخول، مما حسّن مستوى الأسر ووضعها الاجتماعي».
وأكد المنتدى الاقتصادي العالمي نجاح الحكومة على تلك الأصعدة خلال العام الماضي من خلال تصنيف بنغلاديش كأول دولة من حيث المساواة بين الجنسين بين دول جنوب آسيا، للعام الثاني على التوالي.
ويمثل التعليم قصة نجاح أخرى، حيث حفزت البلاد خطى تطوير التعليم من خلال تبني الوسائل التكنولوجية ودخول العصر الرقمي. ويبلغ عدد حاملي الهواتف المحمولة في البلاد، التي يبلغ تعدادها السكاني 163 مليون نسمة، أكثر من 145 مليوناً، ويمثل ذلك زيادة قدرها 59 مليوناً خلال 6 سنوات فقط.
وقد أدى تبني التكنولوجيا الحديثة إلى تغيرات اجتماعية، وسرعة في التواصل، وزيادة للرغبة في تحقيق الديمقراطية. وقد عمل البرنامج الحكومي «بنغلاديش الرقمية» على توصيل خدمة الإنترنت والخدمات الحكومية بشكل أكبر إلى أقاصي البلاد.
ووصلت نسبة المعاملات الرقمية للحسابات المصرفية للبالغين في البلاد 34.1 في المائة خلال عام 2017، مقارنة بمتوسط قدره 27.8 في المائة بالنسبة لجنوب آسيا.



أسهم الذكاء الاصطناعي تقود تراجع «وول ستريت» من قممها القياسية

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود تراجع «وول ستريت» من قممها القياسية

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تراجعت سوق الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، عن مستوياتها القياسية، لتنضم إلى موجة هبوط عالمية، حيث تسببت أسعار النفط المرتفعة في اهتزاز سوق السندات. وقادت الأسهم المرتبطة بالحماس حول تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي موجة التراجع.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.1 في المائة عن أعلى مستوى له على الإطلاق، الذي سجله في اليوم السابق. كما تراجع مؤشر «داو جونز الصناعي» بمقدار 408 نقاط، أو بنسبة 0.8 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، في حين انخفض مؤشر «ناسداك المركب» بنسبة 1.6 في المائة عن رقمه القياسي، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وشهدت أسهم التكنولوجيا تراجعاً حاداً بعد صعودها الصاروخي، طوال معظم العام، وهو ما دفع الأسواق العالمية إلى مستويات قياسية، لكنه أثار أيضاً انتقادات بأنها تجاوزت الحد.

وانخفض سهم «إنفيديا»، الذي أصبح بسرعةٍ رمزاً لثورة الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.6 في المائة، وكان أكبر ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكان السهم قد دخل جلسة التداول محققاً مكاسب تتجاوز 26 في المائة منذ بداية العام.

وقال براين جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين بشركة «أنيكس لإدارة الثروات»: «يبدو لنا أن الأسواق دخلت منطقة ذروة الشراء». وأضاف أن الأرباح القوية للشركات والاقتصاد الأميركي المتين، اللذين دفعا الأسهم إلى مستويات قياسية، ما زالا قائمين، لكن «المسار من غير المرجَّح أن يكون سلساً. مثل هذه الفترات تتطلب انضباطاً أكثر من الأمل».

وفي الوقت نفسه، تزيد أسعار النفط المرتفعة الضغوط بعد أن رفعت التضخم، بالفعل، إلى مستويات أعلى مما كان يتوقعه الاقتصاديون. وتستمر الحرب مع إيران، بينما لا يزال مضيق هرمز مغلقاً أمام ناقلات النفط، ما يمنعها من تسليم الخام إلى الزبائن حول العالم ويرفع أسعاره.

وارتفع سعر برميل خام برنت القياسي العالمي بنسبة 2.1 في المائة ليصل إلى 107.97 دولار، وهو أعلى بكثير من مستواه قبل الحرب البالغ نحو 70 دولاراً.

وقال عدد من الشركات الأميركية الكبرى إن عملاءها ما زالوا قادرين على مواصلة الإنفاق على منتجاتها وخدماتها، رغم ارتفاع أسعار البنزين. لكن الأُسر الأميركية تشير، في استطلاعات، إلى شعورها بالإحباط حيال الاقتصاد والضغوط المتزايدة، ليس فقط بسبب الحرب، بل أيضاً بسبب الرسوم الجمركية.

وتجلّت هذه المخاوف بوضوحٍ، يوم الجمعة، في سوق السندات، حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، فقد ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 4.56 في المائة، من 4.47 في المائة، في وقت متأخر من يوم الخميس. ويُعد هذا تحركاً ملحوظاً في سوق السندات، وهو أعلى بكثير من مستواه قبل الحرب البالغ 3.97 في المائة. كما يقترب عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً من أعلى مستوى له منذ عام 2023 بعد تجاوزه 5 في المائة.

ويمكن أن تجعل العوائد المرتفعة الرهون العقارية وغيرها من أنواع القروض الموجهة للأُسر والشركات الأميركية أكثر كلفة، ما يبطئ الاقتصاد، كما أنها تميل إلى الضغط على أسعار الأسهم وجميع أنواع الاستثمارات الأخرى نحو الانخفاض.

وقد ارتفعت العوائد منذ الحرب بسبب المخاوف من ارتفاع التضخم، وكيف قد يقيد ذلك قدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل. ووفق بيانات مجموعة «سي إم إي»، لم يتخلّ المتداولون فحسب عن توقعاتهم باستئناف خفض الفائدة، هذا العام، بل بدأوا أيضاً المراهنة على احتمال رفعها في عام 2026.

وفي أسواق الأسهم العالمية، تراجعت المؤشرات، بشكل حاد، في أوروبا وآسيا.

وانخفض مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية بنسبة 6.1 في المائة في أحد أكبر التحركات. وكان قد سجل مستويات قياسية، هذا العام، بفضل تأثير شركات مستفيدة من الذكاء الاصطناعي، مثل «إس كيه هاينكس»، لكنه انعكس سريعاً، يوم الجمعة، بعد أن تجاوز لفترة وجيزة مستوى 8000 لأول مرة.

وحذَّر بعض محللي «وول ستريت» من احتمال حدوث تراجع في زخم أسهم التكنولوجيا عموماً، وفي الأسهم الرابحة في مجال الذكاء الاصطناعي خصوصاً.

وقال جوناثان كرينسكي، كبير محللي السوق بشركة «بي تي آي جي»: «إذا لم يكن هناك شيء آخر، فيجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لكيفية عمل التقلبات في الاتجاهين».


باول يودع «الفيدرالي»: 8 سنوات من «الدبلوماسية النقدية» لترسيخ استقلالية المركزي

جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
TT

باول يودع «الفيدرالي»: 8 سنوات من «الدبلوماسية النقدية» لترسيخ استقلالية المركزي

جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)
جيروم باول خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في واشنطن - 29 أبريل 2026 (رويترز)

اعتاد رؤساء «الاحتياطي الفيدرالي» السابقون على التعامل مع الأزمات وإدارة قرارات الفائدة بخبرة واسعة، وهي مهارات كان على جيروم باول، القادم من خلفية في المحاماة والاستثمار، أن يكتسبها ويتقنها خلال ممارسته في المنصب.

وخلال ولايته المضطربة التي امتدت 8 سنوات، خفّض باول أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر، وأطلق برامج شراء سندات بوتيرة غير مسبوقة لمواجهة التداعيات الاقتصادية والمالية لجائحة «كوفيد - 19»، قبل أن يقود لاحقاً أسرع دورة تشديد نقدي منذ 4 عقود، لمواجهة موجة التضخم التي أعقبت الأزمة الصحية، وفق «رويترز».

كما أعاد باول صياغة استراتيجية السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» مرتين بشكل جذري، وكان الأكثر انفتاحاً في التواصل مع الجمهور بشأن قرارات البنك المركزي ونواياه مقارنة بأي رئيس سابق لـ«الفيدرالي» الأميركي.

ومع نهاية فترة قيادته، قد تكون السمة الأبرز في تجربته، وربما أكثر مهاراته أهمية بوصفه مصرفياً مركزياً؛ هي جهوده الهادئة لإعادة ترميم علاقة «الاحتياطي الفيدرالي» بالمسؤولين المنتخبين في الكونغرس.

وبصفته ابناً لواشنطن، وصانع صفقات سابقاً، ومسؤولاً في وزارة الخزانة، وباحثاً في مراكز الدراسات قبل انضمامه إلى «الاحتياطي الفيدرالي»، ربما كان بناء العلاقات السياسية والمؤسسية أكثر طبيعية بالنسبة لباول، مقارنة بأسلافه مثل جانيت يلين وبن برنانكي، اللذين حملا خلفيات أكاديمية واقتصادية رفيعة وصلت إلى مستوى جائزة نوبل.

غير أن الأمر لم يكن مجرد مجاملات سياسية؛ إذ كان باول ينظر إلى الكونغرس باعتباره المصدر الأساسي للرقابة والمساءلة على البنك المركزي. وبعد خلافه المبكر مع الرئيس دونالد ترمب خلال ولايته الأولى، بات يرى في الكونغرس أيضاً خط الدفاع الأهم ضد أي محاولات للمساس باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في إدارة الاقتصاد، وتحديد أسعار الفائدة بعيداً عن ضغوط البيت الأبيض أو غيره.

وأظهر بحث حديث أجراه توماس دريكسل، الأستاذ المساعد للاقتصاد في جامعة ميريلاند، واعتمد على تصنيف اجتماعات رؤساء «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق جداول أعمال متاحة للعامة، أن باول كان أكثر نشاطاً داخل أروقة الكونغرس مقارنة بكل من يلين وبرنانكي، وأن وتيرة لقاءاته مع أعضاء مجلسي «النواب» و«الشيوخ» من الحزبين، بلغت ذروتها خلال فترة رئاسة ترمب.

ومن المتوقع أن يتبنى كيفن وارش، الرئيس المنتخب المقبل لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، نهجاً مشابهاً، لا سيما أنه محامٍ أيضاً، ويحظى بتقدير واسع لمهاراته الدبلوماسية، خصوصاً إذا تمكن الديمقراطيون مستقبلاً من استعادة السيطرة على الكونغرس، وتغيير قيادة لجان الرقابة الرئيسية المعنية بـ«الفيدرالي».

ومع ذلك، لم ينجح هذا النهج في كسب الجميع إلى صف باول؛ فقد وجّه السيناتور الجمهوري عن ولاية أوهايو بيرني مورينو، انتقادات حادة لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال جلسات استماع أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ عام 2025، مؤكداً أن لقاءاته مع باول في العام الماضي، لم تغيّر قناعته بأنه «شخصية مفرطة في التسييس... وقد ألحق ذلك ضرراً بالغاً بـ(الاحتياطي الفيدرالي)»، وهو رأي يتردد على نطاق واسع بين أنصار ترمب.

لكن دريكسل رأى أن الأرقام تعكس صورة مختلفة، وربما كانت أكثر أهمية خلال الأسابيع الأخيرة، عندما دعم أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ بأول، في مواجهة خلافه مع إدارة ترمب بشأن تحقيق جنائي جرى إسقاطه لاحقاً.

وأشار إلى أن باول عقد، خلال سنوات رئاسته، 11 اجتماعاً مع السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية توم تيليس، وفق بيانات دريكسل. وكان تيليس من بين الشخصيات التي أسهمت في تعطيل ترشيح وارش مع تصاعد الضغوط على باول، قبل أن تتراجع الإدارة لاحقاً عن التحقيق.

وقال دريكسل بشأن تواصل باول مع المشرعين: «كان الأمر منهجياً ومنظماً. وربما بدا طبيعياً بالنظر إلى خلفية باول. فبرنانكي ويلين كانا أكاديميين... لكن بالنظر إلى المناخ السياسي، كان هذا الحجم من التفاعل لافتاً للنظر. وأحد التفسيرات المحتملة هو أن باول عمل بشكل نشط مع الكونغرس لحماية (الاحتياطي الفيدرالي)».


محافظ «الفيدرالي» يحذّر: خفض سيولة البنوك يهدد الاستقرار المالي الأميركي

مايكل بار يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في نيويورك يوم 17 فبراير 2026 (رويترز)
مايكل بار يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في نيويورك يوم 17 فبراير 2026 (رويترز)
TT

محافظ «الفيدرالي» يحذّر: خفض سيولة البنوك يهدد الاستقرار المالي الأميركي

مايكل بار يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في نيويورك يوم 17 فبراير 2026 (رويترز)
مايكل بار يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في نيويورك يوم 17 فبراير 2026 (رويترز)

حذّر مايكل بار، محافظ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، من أن خفض متطلبات السيولة للبنوك بهدف تقليص حجم ميزانية البنك المركزي يُعد فكرة غير سليمة، وقد يهدد استقرار النظام المالي.

وقال بار، في كلمة أمام جمعية خبراء سوق المال بجامعة نيويورك، إن هناك نقاشاً متزايداً حول تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي بهدف تقليص دوره في النظام المالي، مضيفاً: «أعتقد أن تقليص الميزانية هدف خاطئ، وأن العديد من المقترحات المطروحة لتحقيقه قد تضعف مرونة البنوك، وتعرقل عمل أسواق المال، وفي نهاية المطاف تهدد الاستقرار المالي»، وفق «رويترز».

وأوضح أن بعض هذه المقترحات قد تؤدي فعلياً إلى زيادة اعتماد الأسواق على تدخلات «الفيدرالي» بدلاً من تقليصه، مشيراً إلى أن تعديل قواعد السيولة لخفض متطلبات «الاحتياطي» لدى البنوك قد يرفع احتمالات لجوء المؤسسات المالية إلى تسهيلات الإقراض الطارئة التي يوفرها البنك المركزي في أوقات الأزمات.

وأضاف بار أن الضغوط التي واجهتها البنوك في عام 2023 تؤكد الحاجة إلى تعزيز متطلبات السيولة بدلاً من تقليصها، لافتاً إلى أن حجم ميزانية «الفيدرالي» ليس المعيار الأدق لقياس تأثيره في الأسواق، بل مدى فاعلية أدواته في تنفيذ السياسة النقدية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه الجدل حول حجم ميزانية الاحتياطي الفيدرالي وتصميم أدواته النقدية تصاعداً، مع بروز كيفن وارش كأحد أبرز الداعين إلى تقليص دور البنك المركزي في الأسواق المالية.

وكان بار قد شغل سابقاً منصب نائب رئيس «الفيدرالي» للإشراف؛ إذ قاد ملف التنظيم المصرفي والسياسات الرقابية.

في المقابل، انتقد وارش في السابق توسع «الفيدرالي» في شراء الأصول خلال الأزمات المالية، معتبراً أن هذه السياسة أدت إلى تضخم غير مبرر في ميزانية البنك المركزي وتشوهات في أسعار السوق، خصوصاً خلال أزمة 2008 وجائحة «كوفيد-19».

وقد أدت برامج شراء السندات خلال الجائحة إلى تضاعف ميزانية «الفيدرالي» لتصل إلى نحو 9 تريليونات دولار بحلول صيف 2022، قبل أن تنخفض لاحقاً بأكثر من تريليونَي دولار مع بدء تقليص الحيازات. ويحتفظ «الفيدرالي» حالياً بأصول تقارب 6.7 تريليون دولار.

ويؤكد وارش أن تقليص الميزانية العمومية بشكل أوسع قد يتيح مرونة أكبر في خفض أسعار الفائدة مقارنة بالظروف الحالية، في حين يرى منتقدوه أن هذا النهج قد يحدّ من قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة والسيطرة على الاستقرار المالي.

وتكمن المعضلة الأساسية، وفق خبراء، في أن النظام القائم على وفرة الاحتياطيات يحدّ من قدرة «الفيدرالي» على تقليص ميزانيته مع الحفاظ على استقرار أسعار الفائدة المستهدفة.

كما يحذّر بعض الأكاديميين من أن خفض مستويات السيولة لدى البنوك في بيئة مالية متقلبة قد يزيد من مخاطر عدم الاستقرار.

وفي ختام كلمته، قال بار إنه لم يحسم بعد موقفه بشأن السياسة النقدية في الاجتماع المقبل لـ«الفيدرالي»، في ظل استمرار النقاشات حول كيفية التعامل مع صدمة أسعار الطاقة وتأثيرها على التضخم.