في كلمته إلى الفرنسيين ليل الحادي والثلاثين من الشهر الماضي، سعى الرئيس الفرنسي إلى قلب صفحة «السترات الصفراء» نهائيا والتركيز على برنامجه الإصلاحي وعزمه على السير به رغم الصعوبات. لكن الرغبة الرئاسية شيء، والواقع شيء آخر. فلا الكلمة الرئاسية التي تميزت بالتشدد والتركيز على احترام القوانين واللعبة الديمقراطية أعادت «السترات الصفراء» إلى بيوتهم، ولا قلبت صفحة الصعوبات التي أضعفت إيمانويل ماكرون الذي هبطت شعبيته إلى الحضيض.
ومع اقتراب استحقاق الانتخابات الأوروبية في شهر مارس (آذار) المقبل، تتكاثر الأسئلة حول استراتيجية الحكم من أجل استعادة المبادرة سياسيا واجتماعيا وهو يراهن على جولات «الحوار الوطني»، التي أعلن عنها في عز الاحتجاجات الأخيرة التي ستتناول محاور أربعة: النقلة البيئوية، والنظام الضريبي، وتنظيم بنى الدولة، وأخيرا الديمقراطية والمواطنة.
بيد أن توق ماكرون لانطلاقة جديدة عادت لتُكدّرها ترجيعات الأشهر الماضية. فبعد أن اختفت عن التداول ما اصطلح على تسميته «فضيحة ألكسندر بنعالا»، عادت الأشواك تبطئ الحركة الرئاسية مع انكشاف فصول جديدة منها، وأهمها أن بنعالا الذي أزيح من الإليزيه، حيث كان مسؤولا عمليا عن أمن الرئيس وعائلته بداية أغسطس (آب) الماضي، بقي محتفظا بجوازي سفر دبلوماسيين رغم أنه لم يعد يتمتع منذ خمسة أشهر بأي صفة رسمية. والأسوأ من ذلك، أن ماكرون نفسه اعترف أنه بقي على تواصل معه على الأقل مرتين بعد أن هدد بنعالا ضمنيا بكشف القرائن التي بحوزته، والتي تثبت ذلك.
وفي سياق مواز، ما زالت الحركة الاحتجاجية التي انطلقت مع رفع رسوم المحروقات حية رغم مرور فترة الأعياد، وخصوصا رغم تدابير التهدئة المالية التي ستكلف ميزانية الحكومة ما لا يقل عن عشرة مليارات يورو. وأوقفت السلطات الفرنسية مساء الأربعاء، إريك درويه أحد قادة مظاهرات «السترات الصفراء» لتنظيمه مظاهرة لم تأذن بها السلطات في باريس. وخرج بعد ظهر أمس من الحجز الاحتياطي، وقال للصحافيين أمام مركز الشرطة حيث كان موقوفا: «كل ما يحصل هنا له طابع سياسي، الطريقة التي تتم بها الأمور مسيّسة».
للرئيس الأسبق جاك شيراك قول مأثور مفاده أن «المصائب لا تأتي فرادى»، الأمر الذي ينطبق على ماكرون. فما إن خرج الأخير من أزمة استقالة أهم وزيرين في حكومته، وزيري البيئة والداخلية، حتى انفجرت فضيحة بنعالا. وما إن هدأ ضجيجها قليلا حتى انطلقت الحركة الاحتجاجية في باريس وبقية المدن الرئيسية والتي دارت صورها العنيفة بما فيها صور جادة الشانزليزيه ومحيطها متحولة إلى ساحة معارك بين رجال الأمن والمحتجين على قنوات التلفزة عبر العالم. وها هي اليوم هزة جديدة تضرب أبواب القصر الرئاسي، المتمثلة باستقالات جديدة في فريق الإليزيه.
أبرز الاستقالات «الجديدة» تلك التي أعلن عنها أمس مستشار ماكرون الإعلامي، وكاتب خطبه سيلفان فور. وهذا الرجل البالغ من العمر 46 عاما كان يشغل موقعا رئيسيا في الفريق الرئاسي، والأهم من ذلك أنه كان شديد القرب من الرئيس. وقد التحق به عندما كان مرشحا رئاسيا العام الماضي. ولم يتسرب شيء عن وجود خلافات بين الرجلين، لكن توقيت الإعلان عن الاستقالة يثير أكثر من سؤال. وجل ما صدر عن المستشار المستقيل أنه يريد التفرغ لمشروعات مهنية ولعائلته، وهي حجة كلاسيكية يلجأ إليها كل مستقيل لا يريد الإفصاح عن الأسباب الحقيقية لاستقالته. وستصبح استقالة سيلفان فور الذي لا يعرفه الجمهور لأنه «رجل الظل»، نهاية الشهر الحالي.
وفي بيان قديم أعطي لوكالة الصحافة الفرنسية، أشاد فور بالرئيس ماكرون وبحسه «كرجل دولة والتزامه المطلق بخدمة فرنسا»، مؤكدا أنه يشعر بـ«الفخر» لأنه عمل من أجله. وحتى مساء أمس لم تتسرب عن الرئاسة أي معلومة بخصوص خلفه في المنصب الذي يرتدي اليوم أهمية خاصة بسبب «الطلاق» القائم بين ماكرون والرأي العام وحاجة الرئيس لوصل ما انقطع مع منتخبيه قبل ثلاثة أشهر فقط من الاستحقاق الانتخابي القادم، «الانتخابات الأوروبية».
وقبل يومين، صدر في الجريدة الرسمية خبران: الأول يتناول رحيل مستشارة ماكرون للصحافة الدولية بربارا فروجيه التي كانت إلى جانبه عندما كان وزيرا للاقتصاد ومرشحا رئاسيا ودخلت معه إلى الإليزيه. والثاني خروج مستشارة الرئيس لشؤون العالم العربي والشرق الأوسط إلهام الغربي ذات الأصول التونسية. وفي الحالتين، لم يعط الإليزيه أي مؤشرات لأسباب الرحيل.
قد يرى البعض فيما يحصل في باريس نسخة باهتة عما يعرفه البيت الأبيض. لكن ثمة فارق أساسي هو أن ماكرون لا يأتي على هذه المناقلات في تصريحاته العلنية أبدا. لكن الأمور لا تتوقف عند هذا الحد بل ثمة إشاعات أن موجة الاستقالات قد تطال أقرب شخصين للرئيس ماكرون، وهما أمين عام الرئاسة ألكسيس كوهلر وإسماعيل أميليان، مستشاره الخاص والسياسي. ويؤخذ على الأخير أنه كان على علاقة بألكسندر بنعالا وأنه ارتكب خطأ سلوكيا بحصوله على صور فيديو من الشرطة تبين لجوء بنعالا إلى استخدام العنف ضد متظاهرين بمناسبة عيد العمال، رغم أنه لا صفة رسمية له تؤهله لذلك. وتمنع القوانين المعمول بها تسريب شرائط لجهات أخرى غير المخولة بالتحقيق الرسمي.
تبقى حالة ألكسيس كوهلر الذي يقول عنه ماكرون إنه الشخص الوحيد الذي قد يتفوق عليه ذكاء. ومشكلة كوهلر أن اسمه ذكر في الأشهر الماضية في ملف قديم، له علاقة بشركة نقل يمتلكها أقارب له لجهة والدته. ويزعم أنه حبذ حصولها على عقود مع شركة بناء السفن قائمة في مدينة سان نازير «غرب فرنسا»، عندما كان مسؤولا في وزارة الاقتصاد. ولاكتمال المشهد، تجدر الإشارة لاستقالة مستشار آخر لماكرون، هو ستيفان سيجورنيه الذي ترك وظيفته مستشارا في القصر الرئاسي ليهتم بحملة الانتخابات الأوروبية للحزب الرئاسي.
هكذا تبدو حالة ماكرون مع انطلاقة عام 2019 الذي يريد توظيفه لإعادة إطلاق مبادراته الإصلاحية الصعبة، ومنها الضمان الاجتماعي والتقاعد والإصلاحات الدستورية وكلها ملفات متفجرة.
ثم هناك تحديات دولية تواجه الرئيس الفرنسي الذي تترأس بلاده مجموعة السبع لهذا العام، فضلا عن رغبته في العودة لمشروع إعادة إطلاق الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من الانقسامات ومن تبعات خروج بريطانيا منه.
استقالات في حلقة المستشارين المقربين من ماكرون
قصر الإليزيه «بيت أبيض» صغير
إريك درويه أحد قادة «السترات الصفراء» برفقة محاميه في باريس أمس (أ.ف.ب)
استقالات في حلقة المستشارين المقربين من ماكرون
إريك درويه أحد قادة «السترات الصفراء» برفقة محاميه في باريس أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
