مقاطعة مصراتة والسلفييون وحضور «ثورة القذافي» في أولى جلسات البرلمان الليبي

متطرفون يفجرون مبنى أمن بنغازي واستمرار القتال في محيط مطار طرابلس

نازح فلبيني يحمل معه صور الدمار والحرائق في ليبيا عقب وصوله إلى مطار أكينو في العاصمة مانيلا أمس (أ.ف.ب)
نازح فلبيني يحمل معه صور الدمار والحرائق في ليبيا عقب وصوله إلى مطار أكينو في العاصمة مانيلا أمس (أ.ف.ب)
TT

مقاطعة مصراتة والسلفييون وحضور «ثورة القذافي» في أولى جلسات البرلمان الليبي

نازح فلبيني يحمل معه صور الدمار والحرائق في ليبيا عقب وصوله إلى مطار أكينو في العاصمة مانيلا أمس (أ.ف.ب)
نازح فلبيني يحمل معه صور الدمار والحرائق في ليبيا عقب وصوله إلى مطار أكينو في العاصمة مانيلا أمس (أ.ف.ب)

عقد مجلس النواب المنتخب في ليبيا أمس أولى جلساته الرسمية في مدينة طبرق أقصى شرق البلاد، حيث أدى 158 عضوا اليمين الدستورية، بينما تغيب 30 من إجمالي أعضاء المجلس.
وجرى الإعلان في ختام الجلسة عن فتح باب الترشح لرئاسة مجلس النواب الذي لم يشهد المراسم البروتوكولية المفترضة لنقل وتسلم السلطة من المؤتمر الوطني العام (البرلمان) الذي غادر أمس المشهد السياسي في ليبيا بعد عامين من الجدل حوله. وهدد أبو بكر بعيرة، رئيس الجلسة، باتخاذ إجراءات لم يحددها ضد الأعضاء المتغيبين في حالة استمرار عدم مشاركتهم في جلسات المجلس، الذي يعد ثاني برلمان تنتخبه ليبيا بعد ثلاث سنوات من الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011. وشهدت الجلسة عدة مواقف أبرزها تعمد أعضاء سلفيين وإسلاميين عدم النهوض لدى سماع أسمائهم لتفادي أداء القسم، فيما أقسم عضو آخر على الحفاظ على مبادئ «ثورة الفاتح»، وليس «ثورة السابع عشر من فبراير»، قبل أن يتدارك باسما الموقف، في إشارة إلى الانقلاب العسكري الذي قاد القذافي إلى السلطة عام 1969.
وقبل لحظات من رفع الجلسة التي كان يفترض استئنافها في الثامنة من مساء أمس بالتوقيت المحلي، حضرت إحدى العضوات المتأخرات لأداء اليمين، الذي تم بشكل فردي بينما كان الأعضاء في طريقهم لمغادرة القاعة.
وتقدم أعضاء المجلس الجدد لدى سماع أسمائهم وفقا لترتيب الحروف الأبجدية لأداء القسم من ورقة مكتوبة، خلافا لما جرى في القسم الجماعي الذي أداه أعضاء المؤتمر الوطني في شهر أغسطس (آب) عام 2012.
كما تغيب أعضاء من مدينة مصراتة في الغرب ومدن أخرى في الجنوب اعتراضا على عقد الجلسة في طبرق، والتي تمت في غياب نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر بينما شارك نائبه الأول عز الدين العوامي وعدد من أعضاء المؤتمر والحكومة الانتقالية وعدد من ممثلي الدول العربية والأجنبية وممثلون عن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأفريقي.
وبعد تلاوة آيات من القرآن الكريم جرى عزف النشيد الوطني، قبل أن يلقي العوامي كلمة عد فيها أن هذه الخطوة هامة لتنفيذ إرادة الشعب الليبي في بناء دولة المؤسسات والقانون، مشيرا إلى أن عقد الجلسة في طبرق وفي هذه المرحلة التي ارتفع فيها صوت السلاح بين أبناء الوطن الواحد هو انتصار لمصلحة الوطن.
وقدم العوامي اعتذاره للشعب الليبي عن أي تقصير في أداء المؤتمر الوطني في المهام التي أوكلت له، معربا عن أمله في تجنب أعضاء مجلس النواب الأخطاء التي وقع فيها أعضاء المؤتمر الوطني.
من جهته قال بعيرة: «سنؤكد للعالم أن ليبيا ليست دولة فاشلة بل ستنهض في القريب العاجل لتصبح دولة نموذجية». وأكد أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية كبيرة في معالجة ما يجري في ليبيا الآن بشكل عاجل، محذرا من أن خروج الوضع عن السيطرة ستكون له انعكاسات سلبية على مستوى العالم، خاصة في قضايا انتشار السلاح والطاقة والهجرة غير المنظمة. ودعا حاملي الأسلحة إلى «الاحتكام إلى العقل والحكمة وترك قعقعة السلاح جانبا، واللجوء إلى الحوار الجاد من أجل الوطن»، محذرا من قال: «إنهم يدمرون مقدرات الشعب الليبي، من دفع الوطن وأهله إلى الهاوية».
كما ألقيت في الجلسة الأولى كلمات للحكومة التي يترأسها عبد الله الثني، ولجنة صياغة الدستور والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وبعثة الأمم المتحدة في ليبيا والمجلس البلدي لطبرق.
وأعلن السفير هشام يوسف، الأمين المساعد لمنظمة التعاون الإسلامي، أن المنظمة ستقوم بإبلاغ الدول الأعضاء لتقديم المساعدة إلى ليبيا ضمن برنامج عاجل لبناء المؤسسات، بما في ذلك الجيش الوطني الليبي وقوات الأمن وغيرها من مؤسسات الدولة الليبية، وأن يتم إخلاء العاصمة وغيرها من المدن والمناطق التي تشهد قتالا، من كافة المجموعات المسلحة.
كما رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ببدء مجلس النواب المنتخب لأعماله في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها ليبيا والتي تتطلب الإصرار على الاستمرار في العملية السياسية رغم التحديات الراهنة.
وتجمع المشرعون في فندق يخضع لحراسة مشددة في مدينة طبرق بشرق البلاد بعدما جعل القتال المستمر منذ ثلاثة أسابيع في طرابلس وبنغازي الوضع غير آمن لعقد الجلسة في العاصمة أو في ثاني أكبر مدن البلاد.
في المقابل لم يحضر أي عضو من أعضاء المجلس الجلسة التي دعا إليها نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني والتي عقدها بمقر المؤتمر في العاصمة الليبية طرابلس.
وقال مسؤول أمني في العاصمة لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف: «دعا أبو سهمين بالفعل للاجتماع ولم يحضر أحد، جاءت مديرية أمن طرابلس للتأمين ولم يحضر أحد من النواب المتبقين ولا من أعضاء المؤتمر السابقين». وأضاف: «ما حدث مهزلة كبيرة بكل المقاييس، ذهبت بنفسي مع مدير أمن طرابلس ومع رئيس الأمن المركزي ولم نجد أحدا، إنها مهزلة المهازل».
وكان أبو سهمين قد جدد دعوته لجميع أعضاء المؤتمر ومجلس النواب المنتخب لحضور جلسة التسليم والتسلم في تمام الساعة الحادية عشرة صباح أمس بالقاعة الرئيسية بمجمع قاعات المؤتمر الوطني العام بغابة النصر بمدينة طرابلس. وتأمل الدول الغربية التي سحبت دبلوماسييها ومواطنيها من البلاد بسبب العنف في أن يساهم البرلمان الجديد في دفع الميليشيات المتناحرة لوقف إطلاق النار وأن تسهم المفاوضات في إنهاء الخلافات السياسية بينهم.
وانتخب مجلس النواب الليبي في شهر يونيو (حزيران) الماضي ليحل محل المؤتمر الوطني الذي يقول بعض المحللين إن تأثير الإسلاميين فيه كان أكبر مقارنة بالبرلمان الجديد.
في غضون ذلك، استمر القصف العنيف في محيط مطار طرابلس الدولي وجنوب المدينة لكن دون ورود أي تقارير عن سقوط مزيد من الضحايا في الاشتباكات التي دخلت أسبوعها الثالث عل التوالي من دون توقف. وقالت مصادر وسكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» إن القصف لم يتوقف، حيث كان بالإمكان سمع دوي إطلاق نار بالأسلحة الثقيلة والصواريخ، بينما انقطعت الكهرباء لبضع ساعات عن معظم أحياء المدينة. ولاحظت وكالة الأنباء الرسمية أن هذه الاشتباكات أجبرت آلاف الليبيين على ترك منازلهم في العاصمة طرابلس والبحث عن مأوى آمن بعيدا عن القتال الذي يسفر أحيانا عن سقوط قذائف طائشة تصيب المدنيين. واستمر القصف المدفعي والصاروخي في أنحاء جنوب طرابلس حيث تتقاتل ميليشيات لها ميول إسلامية من مصراتة لإزاحة ميليشيات منافسة من الزنتان من المطار الدولي الذي يسيطرون عليه منذ 2011.
وأغلقت بريطانيا أمس سفارتها، وهي واحدة من الحكومات الغربية التي قررت سحب دبلوماسييها في الآونة الأخيرة بعد إجلاء الولايات المتحدة والأمم المتحدة دبلوماسييها عقب اندلاع العنف في طرابلس.
وقامت سفينة تابعة لسلاح البحرية الملكي البريطاني بإجلاء أكثر من 100 مواطن بريطاني وأسر ليبية وبعض الأجانب، بينما عبر دبلوماسيون آخرون الحدود برا إلى تونس.
من جهتها، أعلنت الحكومة الانتقالية في بيان لها أمس أن النيران اشتعلت مجددا بعد إخمادها في مستودعات شركة البريقة للمشتقات النفطية بطريق المطار نتيجة القصف العشوائي الذي طالها من قبل المتصارعين في المنطقة مما أجبر فرق الإطفاء على الانسحاب من المكان في ظل استمرار هذه الاشتباكات.
وقالت الحكومة إنها في هذه الظروف الحرجة والخطيرة تناشد كافة الأطراف التوقف فورا عن إطلاق النار والكف عن العبث بأرواح المواطنين وممتلكاتهم، مشيرة إلى أنها تحمل أطراف الصراع التي لا تلتزم بوقف إطلاق النار فورا كامل المسؤولية الجنائية والقانونية على هذه الحرائق وما ينتج عنها من كوارث. وتدارس مسؤولون بوزارة النفط الليبية في اجتماع موسع عقدوه أمس الوضع الحالي في مستودع خزانات الوقود بطريق المطار، بعرض حلول لتفادي ما سينتج في حال وصول الحريق لخزانات الغاز.
بموازاة ذلك، قال مكتب عبد الله الثني رئيس الوزراء الليبي بأنه بدأ أمس زيارة إلى العاصمة الأميركية واشنطن لحضور قمة قادة أفريقيا والولايات المتحدة الأميركية التي تعقد على مدى اليومين المقبلين.
وأوضح المكتب في بيان له أن زيارة الثني إلى واشنطن والتي تعد الأولى من نوعها منذ تسلمه مهام منصبه العام الماضي، تستهدف التباحث بشأن الأوضاع الراهنة في ليبيا.
ولفت إلى أن الثني سيقوم لاحقا بزيارة إلى منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لمناقشة الأوضاع الأمنية في ليبيا وسبل دعم الدولة الليبية لحل الأزمة وبسط الأمن في ربوعها.
إلى ذلك، قال مصدر أمني رفيع المستوي بمدينة بنغازي في شرق ليبيا بأنه تم تسوية مبنى مديرية أمن بنغازي بالأرض، مشيرا في تصريحات بثتها وكالة الأنباء المحلية إلى أن مجموعة تابعة لمجلس شورى ثوار بنغازي المكون من تنظيم أنصار الشريعة ودرع ليبيا - 1. وكتيبة راف الله السحاتي، قامت بتفجير المبنى تماما وتسويته بالأرض على مدى يومي الجمعة والسبت.
وقال المصدر إن المبنى كان خاليا من عناصر الشرطة، مشيرا إلى أنه استهدف بالحرق أولا، قبل أن تقوم المجموعة المهاجمة بتفجيره بالكامل. وأوضح أن الجماعات المسلحة قامت بسرقة مخازن المديرية، فيما وُجدت مجموعة كبيرة من سيارات الشرطة محترقة بالكامل.
كما أعلنت إدارة جامعة بنغازي عن توقف الدراسة بشكل مؤقت إلى أن تنتهي الأزمة الراهنة بالمدينة، مشيرة إلى أن تعرض مباني وإدارات وكليات الجامعة للقصف المتكرر بالإضافة إلى إطلاق النار داخل الحرم الجامعي حال دون عودتها للعمل.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.