الخرطوم «ثكنة عسكرية» ومواجهات «كر وفر» مع آلاف المحتجين

البشير يتحدث عن قرب «تجاوز المرحلة الصعبة»... وجهاز المخابرات يعلن إطلاق معظم الموقوفين

جانب من المواجهات التي شهدتها الخرطوم أمس بين قوات الأمن وآلاف المحتجين ضد حكومة الرئيس عمر البشير (أ.ف.ب)
جانب من المواجهات التي شهدتها الخرطوم أمس بين قوات الأمن وآلاف المحتجين ضد حكومة الرئيس عمر البشير (أ.ف.ب)
TT

الخرطوم «ثكنة عسكرية» ومواجهات «كر وفر» مع آلاف المحتجين

جانب من المواجهات التي شهدتها الخرطوم أمس بين قوات الأمن وآلاف المحتجين ضد حكومة الرئيس عمر البشير (أ.ف.ب)
جانب من المواجهات التي شهدتها الخرطوم أمس بين قوات الأمن وآلاف المحتجين ضد حكومة الرئيس عمر البشير (أ.ف.ب)

فرّقت أجهزة الأمن السودانية بالغاز المسيل للدموع والهراوات، أمس، تجمعات كبيرة من المواطنين كانت تنوي تنظيم موكب ينطلق من أحد ميادين العاصمة، الخرطوم، إلى القصر الرئاسي لتسليم مذكرة تطالب بتنحي الرئيس عمر البشير وحكومته. وجاء تفريق تجمعات أمس فيما أعلن جهاز الأمن والمخابرات إطلاق سراح معظم معتقلي الاحتجاجات السابقة.
وتزامن ذلك مع إبداء الرئيس عمر البشير، تقديره لـ«معاناة» الشعب، وشكره على «صبره» على الظروف التي يعيشها، وبشّر بقرب تجاوزها.
وقال البشير في كلمته بمناسبة الذكرى الـ63 لاستقلال البلاد أمس: «نوشك على تجاوز هذه المرحلة الصعبة». وجدد الدعوة إلى المعارضة للانضمام إلى الحوار الوطني، وتعهد بإجراء الانتخابات في عام 2020 في أجواء من الشفافية والنزاهة.
وفي الشأن الخارجي، شدد البشير على المحافظة على «علاقات متوازنة» والتعاطي الإيجابي مع قضايا المنطقة، وفقاً للمصالح الوطنية العليا للبلاد.
واستجاب آلاف المواطنين، أمس، للدعوة الثانية التي وجهها «تجمع المهنيين السودانيين» للتجمع في ميدان القندول عند السوق العربي في الخرطوم. بيد أن السلطات استبقت هذا التحرك بحشد قوات كبيرة احتلت الميدان منذ نهار أول من أمس، وزادت تمركزها ليلة الخميس وعززته صباح الجمعة، وحوّلت الميدان إلى ثكنة عسكرية مقفلة أمام المشاة والسيارات.
وقال عضو سكرتارية «تجمع المهنيين»، محمد ناجي الأصم، إن احتجاجات أمس «فاقت التوقعات»، مشيراً إلى أن «الجماهير شاركت فيها بأعداد أكبر من الأعداد التي شاركت في احتجاجات الثلاثاء الماضي»، وهو ما أدى إلى إغلاق مؤسسات حكومية وبنوك ومتاجر.
وأوضح الأصم أن ما قام به المواطنون «يؤكد إرادتهم وقوتهم في مواجهة النظام، وإصرارهم على تنحيه». وأضاف: «قدّرت أعداد المشاركين بالآلاف، بيد أن القوة الكبيرة التي واجهتهم، اضطرتهم للتحول إلى احتجاجات متفرقة». وتابع: «استخدمت قوات الأمن العنف المفرط مع المواطنين، بما في ذلك الرصاص الحي، ما أدى إلى إصابة ثلاثة على الأقل بجروح خطيرة».
وتحدث عن احتجاجات شهدتها أيضاً مناطق متعددة في الخرطوم، وقام بها من لم يتمكنوا من دخول المدينة، مشيراً إلى مواجهات في أحياء السجانة: نمرة 2، والديوم، وإلى مظاهرات صاخبة في مناطق الكلاكلة بالخرطوم والشنقيطي بأم درمان.
وكشف الأصم كذلك عن الإعداد لمظاهرات ليلية في أحياء متفرقة من الخرطوم، بالتزامن مع احتفالات البلاد بأعياد الاستقلال ورأس السنة الجديدة، إضافة إلى احتجاجات توقع حدوثها من دون ترتيب مسبق.
وأشار شهود إلى أن وحدات أمنية مختلفة انتشرت في أنحاء العاصمة السودانية، حيث لوحظت مشاركة قوات عسكرية بآليات تحمل لوحات الجيش السوداني. وهذه المرة الأولى منذ اندلاع الاحتجاجات في البلاد التي يشارك فيها الجيش، كما يبدو، في قمع الاحتجاجات.
ونشرت قوات الأمن في الخرطوم مدرعات خفيفة وعربات «لاند كروز» تحمل مدافع مضادة للطيران ورشاشات ثقيلة من طراز «دوشكا» عند منعطفات الطرق الأساسية وحول الجسور وأمام الأماكن الاستراتيجية. وسدت هذه القوات شوارع السيد عبد الرحمن، والقصر، والحرية، والبلدية أمام حركة السير حتى وقت متقدم مساء، وغيّرت اتجاه السير فيها، كما رصت صفوفاً من الرجال المسلحين وبأيديهم هراوات في طوابير طويلة في الشوارع الأساسية. كما فرضت قوات الأمن حراسات مشددة على منطقة سوق الذهب وحول مسجد الخرطوم العتيق، وأجبرت حافلات النقل العام على تفريغ المسافرين إلى وسط المدينة، ثم أمرت أصحاب المحلات التجارية في مناطق السوق العربي والأفرنجي بإقفال متاجرهم والمغادرة.
وحوّلت مظاهرات أمس المدينة إلى ساحة معركة حقيقية بين جنود بكامل عتادهم ورجال الأمن بثيابهم المدنية وأسلحتهم الظاهرة وصنوف كثيرة من مركبات القتال، وبين حشود من المواطنين، في أكبر مظهر من مظاهر استعراض القوة وقمع المتظاهرين تشهده البلاد منذ فترة طويلة.
وظللت المدينة سحابة كثيفة من الغاز المسيل للدموع الذي استخدم لتفريق المحتجين. واستمرت معارك «الكر والفر» لساعات، وأطلقت خلالها الذخيرة الحية التي سُمع صوتها من مسافات بعيدة.
وقال شهود إن آلاف المحتجين رفعوا في وسط الخرطوم وفي عدد من شوارعها، شعارات مطالبة بـ«إسقاط النظام»، مشددين على سلمية تحركهم. ولفتوا إلى أن محتجين ابتدعوا شعاراً جديداً لتحركهم رداً على محاولات تحميل «أبناء دارفور» المسؤولية عن أعمال التخريب التي جرت قبل أيام. ويقول الشعار الجديد «يا عنصري يا مغرور... كل البلد دارفور»، في محاولة لتأكيد وحدة الشعب ووحدة مصيره.
من جانبهم، دخل المحامون في إضراب عن العمل ابتداء من أمس، وشوهدت أعداد منهم في ميدان القندول يحملون شعارات تتضمن مطالبهم، فيما تراص محامون في أحد أهم شوارع مدينة ود مدني بوسط البلاد وهم يحملون لافتات تندد بالنظام، وتعلن الإضراب. وقال شاهد إن محامية واحدة على الأقل اعتُقلت بسبب الإضراب في ود مدني.
وأفادت مصادر معارضة بأن سلطات الأمن ألقت القبض على مئات المحتجين أمس، ونقلتهم في سيارات نصف نقل وحافلات نقل ركاب صغيرة إلى جهات غير معلومة، مشيرة إلى أن من بين الموقوفين نجلة زعيم المعارضة الصادق المهدي، زينب، لتضاف إلى ابنها محمد أحمد المحتجز منذ يومين.
في المقابل، أعلن جهاز الأمن والمخابرات الوطني إطلاق سراح معظم الموقوفين أثناء المظاهرات الأخيرة، عقب اكتمال الإجراءات الأمنية اللازمة حيالهم، فيما تستمر التحقيقات بشأن بقية الموقوفين. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية «سونا» عن مدير الإعلام بالجهاز قوله إن من أطلق سراحهم «أقروا خلال التحقيقات أن الهالة الإعلامية بالخارج كانت أكبر من الحجم الحقيقي للمظاهرات، وبأن أحزاباً سياسية استغلت مهنيين وطلاباً لتحقيق أجندتها الخاصة».
وفي لندن، قالت مصادر سودانية معارضة إن قوى معارضة شكّلت مركزاً موحداً تحت مسمى «منسقية الانتفاضة السودانية» بهدف ضمان مزيد من التنسيق والعمل في اتجاه دفع «الحراك الجماهيري الساعي للإطاحة» بحكومة الرئيس البشير.
وأكد بيان لقوى معارضة أن تكوين المنسقية لا يعني أنها «صانعة للثورة» ولكنها «طرف أصيل في قلب الحراك ومكمل وداعم لها (الثورة)، كما أنها مفتوحة لكل الكيانات السياسية والمجتمعية التي تؤمن بالثورة والانتفاضة من أجل إسقاط النظام وتفكيك بنيته». وتضم المنسقية: «تحالف قوى الإجماع الوطني»، وقوى «نداء السودان»، و«تيار الوسط للتغيير»، و«تجمع المهنيين السودانيين»، و«تيار الانتفاضة»، و«التجمع الاتحادي» و«الحزب الجمهوري».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.