الحكومة الأفغانية تشن هجمات ضد تنظيم {داعش}

تخوف في كابل من مستقبل قاتم بعد الانسحاب الأميركي

تأهب أمني عقب تفجير انتحاري في كابل أدى إلى سقوط 47 قتيلاً نهاية الشهر الماضي (إ.ب.أ)
تأهب أمني عقب تفجير انتحاري في كابل أدى إلى سقوط 47 قتيلاً نهاية الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

الحكومة الأفغانية تشن هجمات ضد تنظيم {داعش}

تأهب أمني عقب تفجير انتحاري في كابل أدى إلى سقوط 47 قتيلاً نهاية الشهر الماضي (إ.ب.أ)
تأهب أمني عقب تفجير انتحاري في كابل أدى إلى سقوط 47 قتيلاً نهاية الشهر الماضي (إ.ب.أ)

زادت القوات الأفغانية من حدة المواجهات مع قوات طالبان في عدد من الولايات الأفغانية، وذلك بعد أيام قليلة من تعيين وزيري دفاع وداخلية جديدين معروفين بعدائهما الشديد لطالبان وباكستان، وتباينت نتائج المعارك والمواجهات بين ما تصدره الحكومة الأفغانية وما تتحدث عنه طالبان عن تقدم قواتها. وترافق هذا مع تخوفات شديدة بدأت تظهر على الشارع الأفغاني من العام الجديد وما يحمله من إمكانية الوصول إلى اتفاق سلام يمكن طالبان من استعادة السيطرة على الحكم في أفغانستان. فميدانيا قالت القوات الأفغانية إن غارات جوية نفذها الجيش بولاية ننجرهار شرق البلاد، أسفرت عن مصرع 28 مسلحاً على الأقل من عناصر تنظيم الدولة. وقالت وزارة الدفاع الأفغانية في بيان نشرته على «تويتر»، إن الضربات الجوية، استهدفت أحد الملاجئ السرية للمسلحين في قرية شالخي بمنطقة أشين بولاية ننجرهار. وأوضحت الوزارة، أن من بين القتلى كان هناك 3 من قادة تنظيم داعش في أفغانستان. وترافق هذا مع إعلان الحكومة الأفغانية عن مقتل مسؤول الاستخبارات في تنظيم داعش خلال عملية أمنية في ولاية ننجرهار شرقي البلاد. وقال المتحدث باسم الولاية، عطاء الله خوجياني، إن قوات الأمن نفذت عملية بريّة مدعومة جوًا ضد خلية تتبع تنظيم داعش - ولاية خراسان.
ونقلت وكالة أنباء الأناضول عن خوجياني قوله إن قوات الأمن تمكنت خلال العملية من قتل مسؤول الاستخبارات التابعة لتنظيم الدولة في أفغانستان، صدیق یار أورکزي. وأشار إلى أن العملية أدت أيضًا لتدمير أربعة مخابئ ومقتل 27 من عناصر التنظيم. ونفذت قوات الأمن الأفغانية عملية في الولاية نفسها، أدت لمقتل 16 من تنظيم الدولة. وكانت حركة طالبان قالت في بيان لها إن قواتها تمكنت من السيطرة على مركز أمني في ولاية زابل جنوب أفغانستان بعد مهاجمة المركز في منطقة ليلي كيلي، وحسب بيان طالبان فإن ستة من قوات الحكومة قتلوا أو أصيبوا في الاشتباكات التي استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة. وفي بيان آخر لطالبان قالت إن ستة عشر من القوات الحكومية لقوا مصرعهم في ولاية غزني بعد أن هاجمت قوات طالبان قافلة للقوات الحكومية في مديرية قره باغ في ولاية غزني، ووقعت اشتباكات عنيفة بين قوات طالبان والقوات الحكومية، ما أسفر عن مقتل أربعة أفراد من القوات الحكومية وجرح آخرين، فيما تم تدمير ناقلة نفط وسيارتين عسكريتين للقوات الحكومية كما ذكر بيان طالبان. وكانت وحدة من قوات طالبان اشتبكت مع القوات الحكومية داخل مدينة غزني، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أفراد من القوات الحكومية وتدمير دبابة، فيما قتل سبعة آخرون من القوات الحكومية في هجوم شنته قوات طالبان على قافلة عسكرية حكومية في مديرية شولجار في ولاية غزني.
وكان مسلحون مجهولون اغتالوا ضابط استخبارات حكوميا في ولاية فراه غرب أفغانستان، حيث نقلت وكالات أنباء أفغانية عن قائد الشرطة الأفغانية في ولاية فراه رحمة الله صديقي قوله إن ضابط استخبارات يدعى سيد عاشق الله قتل في ولاية فراه. وتزامنت هذه التطورات الأمنية مع تخوفات تسيطر على الشارع الأفغاني حول المستقبل الغامض لبلادهم في ظل إمكانية سحب نصف عدد القوات الأميركية أو التوصل إلى اتفاق سلام مع طالبان.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مواطنين قولهم إنهم يشعرون بيأس متزايد إزاء آفاق المستقبل. وقال الطالب محمد حسين: «الوضع يسوء كل يوم»، متحدثا عن كابل التي تعد أحد أكثر الأماكن دموية في أفغانستان على المدنيين. وقال: «الإجراءات الأمنية قبل أربع أو خمس سنوات كانت أفضل من الآن». وقال ذبيح الله شيرزاد إنه لا يتذكر سنة أكثر دموية من عام 2018 وتوقع أن تكون سنة 2019 أسوأ، وأضاف: «سنرى مزيدا من القتل وإراقة الدماء»، مضيفا: «لست متفائلا بمحادثات السلام». وتوصلت دراسة أجرتها منظمة آسيا فاونديشن في ديسمبر (كانون الأول) إلى أن أكثر من 60 في المائة من الأفغان يرون أن بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ. وسجل القتلى المدنيون رقما قياسيا في النصف الأول من العام في وقت يقوم عناصر طالبان بقتل القوات الأفغانية بأعداد متزايدة. وشهد هذا العام أيضا عددا من أعنف الهجمات الانتحارية منذ اندلاع النزاع عام 2001، منها تفجير سيارة إسعاف مفخخة في كابل في يناير (كانون الثاني)، ما أدى إلى مقتل أكثر من 100 شخص وجرح مئات آخرين. وتصاعدت أعمال العنف الدامية مع إعلان ترمب استراتيجية جديدة لأفغانستان في أغسطس (آب) 2017، تضمنت تعزيز قواته بآلاف الجنود على الأرض وإعطاء وحداته الجوية هامشا أكبر للتحرك ضد طالبان وتنظيم داعش. ويشير أحد التقديرات إلى سقوط أكثر من 40 ألف قتيل في حوادث مرتبطة بالنزاع، وفقا لبيانات قام بجمعها «مشروع جمع بيانات مناطق النزاع المسلح وأحداثه» ومقره في الولايات المتحدة. وأصبحت أفغانستان «الدولة الأكثر دموية في العالم بالنسبة للصحافيين». فقد قتل 15 من طواقم وسائل الإعلام. وقال توماس راتينغ المدير المشارك في «شبكة محللي أفغانستان»: «كانت سنة سيئة جدا، الوضع لم يتحسن على الإطلاق». وقال راتينغ واصفا السياسة الأميركية في أفغانستان بأنها «تعاني خللا». في المقابل، يرى بعض المراقبين مؤشرات إيجابية يمكن أن تترجم أخبارا جيدة في 2019 إذا كانت الظروف مواتية. ورحب الأفغان بهدنة غير مسبوقة استمرت ثلاثة أيام في يونيو (حزيران)، في مؤشر على ما يبدو على رغبة لدى الجانبين في تحقيق السلام. والرغبة التي تبديها طالبان للقاء مسؤولين أميركيين لإجراء محادثات سلام في الأشهر الأخيرة يمكن أن تبشر باتفاق، وفقا للطف الله نجفي زاده، مدير «طلوع نيوز» أكبر قناة تلفزيون خاصة في أفغانستان. وقال نجفي زاده: «أعتقد أن أفغانستان ستعبر 2019 ببعض النجاح. آمل في أن تكون سنة تاريخية».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended