الروس يهجرون الإعلام الرسمي بعدما هجر هواجسهم

البث ركز على تكثيف البروباغندا السياسية وبرامج فضائح المشاهير

الروس يهجرون الإعلام الرسمي بعدما هجر هواجسهم
TT

الروس يهجرون الإعلام الرسمي بعدما هجر هواجسهم

الروس يهجرون الإعلام الرسمي بعدما هجر هواجسهم

تكون العلاقة بين المواطن ووسائل الإعلام محكومة دوماً بعدة عوامل تحدد مدى ثقة المتتبعين بهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك. ولعل أهم ما يؤثر على الثقة بوسيلة إعلامية محددة، أو مؤسسات إعلامية بأكلمها، قدرة واستعداد تلك الوسيلة الإعلامية على تناول القضايا التي تثير اهتمام المواطن، وتشكل مصدر قلق له، وينتظر سماع أكثر من وجهة نظر بشأنها. هذه الرؤية العامة تنطبق بما في ذلك على نظرة المواطنين الروس لوسائل إعلامهم، لا سيما الرسمية منها. وكشف أكثر من استطلاع للرأي، أجرتها مؤسسات بعضها يوصف بأنه «مقرب من السلطات»، وبعضها الآخر بأنه «مؤسسات مستقلة»، عن تراجع ملموس في ثقة المشاهدين الروس بوسائل الإعلام الرسمية، الأمر الذي يحيله مراقبون وخبراء إلى أسلوب تعاطي تلك الوسائل الإعلامية مع قضايا حساسة تثير اهتمام المواطنين.
كانت حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي أقرتها الحكومة الروسية، ومنها بصورة خاصة قرار رفع سن التقاعد، وزيادة ضريبة القيمة المضافة، قد أثارت جدلاً واسعاً في أوساط الرأي العام الروسي، وتسببت بموجة احتجاجات شهدتها أكثر من مدينة روسية. ويقول مراقبون إن وسائل الإعلام الرسمية، وإن خصصت مساحة محدودة جداً لعرض رد فعل الشارع على تلك الإصلاحات، فإنها ركزت بصورة رئيسية على عرض وجهة النظر الرسمية، وشرحها وتفسيرها والدفاع عنها، وهو ما تقول استطلاعات الرأي إنه أثر بشكل كبير على ثقة المواطنين بوسائل الإعلام تلك، وأدى إلى تدني ثقة المواطنين بأدائها بمستويات غير مسبوقة.
وكان لافتاً أنه في حين أوقفت القضايا الحساسة التي تثير اهتمام المجتمع المحلي، والتي يمكن أن تحظى بمتابعة أوسع عبر وسائل الإعلام، ذهبت بعض قنوات التلفزيون الفيدرالية إلى تكثيف البرامج الحوارية من مختلف الأنواع والتوجهات، مثل تلك التي تركز على شؤون السياسة الخارجية، لا سيما العلاقات المتوترة مع الغرب، ونوع آخر يمكن وصفه بأنه من نوع «الصحافة الصفراء»؛ يتناول مواضيع «مثيرة» لكن خيالية، مثل «زيارة كائنات من الفضاء الخارجي» و«تنبؤات بنهاية الكون»، وغيره من مواضيع مشابهة، ونوع آخر يتناول «فضائح» المشاهير، من ممثلين ورجال أعمال وبعض السياسيين، ولم يخل الأمر من برامج تحول فيها المذيع إلى محقق، يستخدم وسائل مثل «فحص الحمض النووي» للكشف عن قضايا خيانة زوجية، أو جهاز «الكشف عن الكذب» للتحقيق في القضايا ذاتها، أو جرائم قتل.
وأطلقت واحدة من قنوات التلفزيون الفيدرالية جملة برامج، بينها برنامج بعنوان «الزمن كفيل بأن يكشف».
وإن كان هذا البرنامج يتناول في بعض الحالات ملفات من الوضع الداخلي، فإنه يركز على ملفات السياسة الخارجية، وبصورة خاصة على التوتر مع الغرب، ومع بعض دول الجوار. على سبيل المثال، في واحدة من ثلاث حلقات بثتها القناة في يوم واحد، خلال قمة العشرين في بوينس أيرس، يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ركز البرنامج على قرار ترمب إلغاء محادثات كان متفقاً عليها مسبقاً مع الرئيس بوتين. وفي عرضه للملف، يتساءل مقدم البرنامج عن الأسباب التي تجعل الاهتمام كله ينصب على «ما قاله ترمب»، بينما يغيب الاهتمام عن قضايا مثل علاقات روسيا مع دول كبرى، مثل الصين والهند وغيرهما. ويعرض الضيوف في الاستوديو وجهات نظرهم، مع تركيز على فكرة يروج لها رسمياً، تقول إن المسؤول عن سياسات ترمب هذه هو وسائل الإعلام الأميركية والكونغرس. وقال أحد الضيوف، وهو أندرانيك ميغرانيان، البروفسور بجامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية: «لو كنت مكان بوتين، لكتبت تغريدة أقول فيها: زميلي العزيز، أتعاطف معك، وأشعر بالأسف، لأنه بفضل جهود وسائل الإعلام الأميركية والكونغرس، تحولت إلى سياسي عقيم، لأن ما يجري يجعل من رئيس أكبر دولة في العالم موضع سخرية».
واتسعت المساحة من البث التي تركز على العلاقات بين موسكو وواشنطن، وتصاعد حدة التوتر بينهما، حين بدأ بث برنامج جديد بعنوان رئيسي «اللعبة الكبرى»، مع عنوان فرعي للتعريف «هذا البرنامج حول أهم شيء، حول مصيركم ومستقبلكم». وفي تعريفها لهذا البرنامج الذي يبث مساء كل يوم تقريباً، بعد المسلسل المسائي، تقول القناة على موقعها الرسمي: «في هذا البرنامج الحواري السياسي - الاجتماعي يتم تحليل الوضع الراهن، وعرض وجهات نظر الروس والأميركيين حوله. البرنامج محاولة لفهم هل سنتمكن من الاتفاق أم أن التناقضات الفكرية والثقافية تجعل اتفاقنا شبه مستحيل»، والحديث طبعاً حول العلاقات الأميركية - الروسية. ويدير البرنامج دميتري سايمس، وهو محلل سياسي أميركي من أصول سوفياتية، ويعمل حالياً رئيس تحرير مجلة «The National Interest» الأميركية، ويشاركه إدارة الحوار نيكولاي نيكونوف، وهو شخصية سياسية سوفياتية - روسية، عمل ضمن طاقم ميخائيل غورباتشوف، ومن ثم الرئيس بوريس يلتسين، وبعد ذلك شغل مقعداً في البرلمان الروسي عن حزب «روسيا الموحدة»، وهو حزب السلطة في روسيا حالياً.
وإلى جانب التركيز على السياسة والتوتر مع الغرب، تركز بعض القنوات التلفزيونية الفيدرالية (التي تبث على جميع مناطق البلاد) على ملفات الخيال العلمي و«سكان الكواكب الأخرى»، وغيره من قضايا من عالم الخيال. كما ظهرت على شاشات فيدرالية أخرى برامج جديدة تتناول قضايا مثل الخيانة الزوجية و«هل هذا ابنك أم لا»، وغيره من قضايا تصلح لشغل الرأي العام، وأن تكون مادة دسمة لـ«أحاديث المطبخ مع كأس شاي». هذه النوعية من القضايا يتناولها برنامج جديد، تحت عنوان «ما حدث في واقع الأمر»، معظم أبطاله من المشاهير الذين يواجهون مشاكل عائلية، ويضطرون للإجابة عن أسئلة مقدم البرنامج، مدعوماً بـ«لجنة تحكيم» هي بمثابة فريق تحقيق يعتمد في عمله على استجواب الضيف مع استخدام جهاز الكشف عن الكذب. وفي آخر حلقات هذا البرنامج الذي يُبث يومياً، يتناول فريق العمل قضية «مليونير روسي يراقب زوجته، ويكتشف خيانتها له مع شاب صغير»، وقبلها كانت القضية «خيانة زوج»، بطلها مخرج سينمائي روسي، متهم بخيانة زوجته الحالية مع زوجته السابقة، وتتطور الحبكة نحو توجيه اتهام للزوجة الحالية بخيانته، وأن ابنتهما ليست منه، وللتأكد من ذلك خضع «أبطال القصة» لفحص الحمض النووي الذي أكد أخيراً أن زوجته لم تخنه، وأن الابنة ابنته. وهذه حبكة ربما تبدو بسيطة مقابل حبكات حلقات أخرى من هذا البرنامج.
نظرة المواطنين الروس لعمل وسائل الإعلام برزت في أكثر من استطلاع للرأي، لعل أهمها الذي أجرته صحيفة «كوميرسانت» على موقعها الرسمي في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث عبر المشاركون عن موقفهم بالإجابة عن سؤال: «أصبحت البرامج السياسية على التلفزيون كثيرة. هذا يستعدي لديكم.....»، وقال 3.46 في المائة إن هذا يجعلهم يشعرون بأنهم يشاركون فيما يجري، وإنهم جزء من الحدث، و10.02 في المائة قالوا إن تلك البرامج تجعلهم يشعرون بـ«التشتت، حيث يظهر على الشاشات الأشخاص ذاتهم يصرخون، ويصبح من الصعب متابعة الحوار»، أما الجزء الأكبر (86.52 في المائة)، فقد عبروا عن استياء واضح من تلك البرامج، حين قالوا إن تلك البرامج تستدعي لديهم «الرغبة في إغلاق التلفاز». وشارك في الاستطلاع نحو 30 ألف مواطن، بينما تكتفي مراكز استطلاع الرأي الرئيسية برصد تعليقات ما بين 1500 و200 مواطن.
وفي نهاية نوفمبر الماضي، نشرت مؤسسة «صندوق الرأي العام» للمسح الاجتماعي استطلاعاً للرأي، أظهرت نتائجه تراجع الثقة بوسائل الإعلام الرسمية من 62 في المائة في مارس (آذار) 2014، إلى 47 في المائة في نوفمبر 2018. وكانت الثقة قد بلغت ذروتها، بنسبة 70 في المائة، في أبريل (نيسان) 2015. مقابل ذلك، ارتفعت الثقة بوسائل الإعلام غير الحكومية، من 16 في المائة ربيع عام 2014، إلى 25 في المائة من المواطنين الروس الذين عبروا عن ثقتهم بوسائل الإعلام الخاصة في نوفمبر 2018. استطلاع آخر للرأي أعدته مؤسسة «ليفادا سنتر» في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، كشف عن تراجع ثقة المواطنين الروس بقنوات التلفزيون الروسية من 80 في المائة في أغسطس (آب) 2009، إلى 45 في المائة في أغسطس 2018. وعزت «ليفادا سنتر» تراجع الثقة بالتلفزيون إلى سببين: الأول، متصل بتزايد استخدام الإنترنت، والاعتماد عليه للحصول على الأخبار. والثاني، قرار رفع سن التقاعد، ولأن «تفسير إصلاحات المنظومة التقاعدية، كما تعرضه الشاشات، تعارض مع تفسير شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما الفئات العمرية التي طالتها التعديلات على القانون».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».