دريدا: العالم يحتاج إلى الفلسفة

ترجمة عربية للقائه الأخير مع جريدة «لوموند» الفرنسية

دريدا: العالم يحتاج إلى الفلسفة
TT

دريدا: العالم يحتاج إلى الفلسفة

دريدا: العالم يحتاج إلى الفلسفة

ما الذي يمكن أن يُثيره فيلسوفٌ باعثٌ على الجدل والاختلاف مثل جاك دريدا، أو ما يتركه من أسئلة لها حواف حادة؟ ففي كل ما انخرط فيه، وما تمرد عليه، أو ما شاكسه، كان دريدا شغوفاً بمواجهة الأفكار التي يصنعها الآخرون، هو يدرك أن هذه المواجهة هي جوهر رغبته العميقة في التغيير، وفي تنشيط دينامية التفكير، لكي يكون فاعلاً ومؤثراً مثل أي سلطة أخرى، لأنه يدرك أن كل ما في التاريخ، أو كل ما في الوجود، لا يتحرك إلا بدافع من سلطة ما، حيث دافعية سلطة الوعي، أو الحب، أو الكراهية، أو سلطة تقويض «اللوغوس» أو المركز، أو المنطق؛ فكلها تمثل واجهات لسلطة القوة والثروة والتاريخ.
العالم يحتاج إلى الفلسفة لكي «يتعلم التغيير»، هذا ما يقوله دريدا، ولكي يمارس التفكير بالتقويض والاختلاف، والشغف بالحرية، بوصفهما تصريحاً علنياً عن الحاجة إلى تلك الفلسفة، لأن فعل التغيير ليس بريئاً، فله لبوس سياسية وأخلاقية ومعرفية، وله تأثيره على إعادة هندسة العالم بعد فوضاه، وهذا ما يجعل الفلسفة ضرورية وحمائية، فضلاً عن دورها في تعليم الإنسان كيف يكون معرفياً في تفسير وتأويل الحرية والسعادة، ولكي يواجه - بالمقابل - الاستبداد والعنف والتوحش الرأسمالي، فهو مؤمن بأن الأفكار التي لا يمكن استعمالها في هذه المواجهة، يجب تلفها، أو وضعها في المتحف، وأن جرأته هي التي جعلته في حالة من «الاحتجاج الدائم»، وربما في حالة صاخبة من «التفكير الدائم».
«ميراث الغائب» هو الكتاب الذي صدر أخيراً عن دار «نينوى» (دمشق، 2018)، للباحث المترجم نصير فليح، وهو عبارة عن ترجمة للحوار الأخير الذي أجراه دريدا مع جريدة «لوموند» الفرنسية قبل رحيله بشهرين.
تضمن الكتاب فصلين، استقرأ فيهما الباحث أبرز الفلسفات المعاصرة التي واجهها دريدا في جدله وفي صراعه، وفي فلسفته التي لامست تابوهات المركز الميتافيزيقي للعقل الغربي، ولمهيمناته في السلطة والمقدس. في الفصل الأول، وضعنا الباحث في فضاء الحوار، وفي طبيعة ما حاول دريدا أن يطرحه من إجابات تتعلق بالموت والمعيش، ليس من وجهة نظر فلسفية فقط، بل عبر رؤية شمولية، أراد من خلالها أن يمارس نوعاً من الاعتراف حول «فن العيش»، وعن ضآلة كل الأشياء أمام هذه اللعبة الخطيرة التي لم يشأ أن يتعلمها، وأن إحساسه بالموت دفعه إلى سيكولوجيا التعلم، بقصد إبقاء لغته متوترة مثيرة، لأن التوتر شرط ضروري للتعلم والمعرفة، كما يقول.
التعريف بفلسفة دريدا وتحولاته هو الأمر الأكثر أهمية، فالرجل سريع التحول، وبعيد النظر في استقراء ما يمكن أن يتركه الثبات على الأفكار، وعلى الكينونات، وأن الغرب وفلسفاته وسلطاته، وحتى تاريخه، يتمحور حول وجود علاقة مزعومة بين الأنا والعالم، وأن حضورها سيكون موهوماً، أو أنه سيكون نوعاً من «ميتافيزيقا حضور»، كما يسميها، التي تحولت إلى خطوط في مواجهته لأطروحات وفلسفات ديكارت وهيدغر وليفناس وهيغل وماركس ونيشته، تلك التي لم تتخلص من مركزية اللوغوس الغربي، وأنويته الأوروبية المتعالية بشكلٍ خاصٍ.

- دريدا ومصطلحاته التقويضية
قدم الباحث في الفصل الثاني قراءة لمصطلحات دريدا في الترجمات العربية لكتبه، وهو موضوع ريبة وجدل دائمين، ولعل من أكثر هذه المصطلحات إثارة: «التقويض – التفكيك»، و«الاختلاف- الاختلاف المرجأ»، كما يقترحه المترجم. فدريدا في مقاربة هذه المصطلحات كسياقات للفهم والتفكير، ولإعادة قراءة التاريخ والمركز اللوغوسي، وضع نفسه في تقصٍّ إشكالي لأفكار نيتشه وهيدغر بشكلٍ خاصٍ، وفي جدل دائم مع فلاسفة معاصرين، لا سيما مع فوكو وإيغلتون ونعوم تشومسكي وهابرماس وآلان باديو، وغيرهم.
إن ما يُثير في هذه المصطلحات هو طابعها الإحالي، إذ إنها تمارس وظيفة التعرية المفهومية، مثلما أنها تدفعه لمواجهة كثير من الفساد في اللغة، وفي المعرفة، وحتى في العقل المؤسسي، وهذا ما يجعلها مصطلحات «مُهدِدة» للمركز التقليدي، وللمعنى التقليدي، وبما يجعل هذه المراكز تفقد قوتها، وتتحول طروحاتها إلى مقاربات، وإلى «مجرد تأويلات مستمرة لدلالات غير نهائية»، فضلاً عن أن هذه المصطلحات تُشكل الأساس في مجال قراءاته التقويضية لثنائيات اصطلاحية أخرى، مثل «الطبيعة والثقافة، والكتابة والكلام، والحضور والغياب، والعقل والجسد، والشكل والمعنى، وغيرها).
إن الترجمات العربية لقاموس دريدا تكشف عن الطابع الإشكالي لطروحاته الفكرية، ولتعقد كتاباته، ولطبيعة مواقفه الفلسفية إزاء قضايا تاريخية وسياسية وثقافية، تؤسس لنفسها تداولية استثنائية داخل النسق الذي كثيراً ما يتعرض للإزاحة، كما يقول المترجم، بسبب بحثه الدائم عن الحقيقة، أو بسبب ما يواجهه من نزعات عدمية، تستدعي بالضرورة فهماً ووعياً، وربما حساسية ما لمصطلحاته ولأفكاره، لا سيما مصطلح التقويض، كمقابل لمصطلحي التفكيك والتدمير الهيدغري.

- اعترافات دريدا
قد يكون الحوار الأخير لدريدا وجهاً آخر للاعتراف، فهو يفتح أفقاً لأفكاره، ويُزيح عنها كثيراً من الالتباسات، لا سيما أن المحرر الثقافي جان برنباوم في جريدة «لوموند» الفرنسية حاول أن يضعه أمام هذا الاعتراف، وكأنه يعرف أنه الخطوة الأخيرة له قبل الموت الذي يجتاحه.
في هذا اللقاء، قال دريدا صراحة: «أريد أن أتعلم العيش أخيراً، لكن هذا التعلم ليس بعيداً عن فكرة تقبل الموت، وعن الخروج من الفوضى، بما فيها فوضى العالم والسياسة والحقوق والنظام الدولي».
تعلم الموت هو مقابل لتعلم العيش، هذا ما يعترف به دريدا، إذ يقول: «جميعنا ناجون مُنحوا إنقاذاً مؤقتاً». وكأنه كان يراقب جسده المنخور، مثلما يراقب العالم العاصف، لذا «يتوجب العيش، فما زلت لم أتعلم، أو التقط أي شيء حول هذا الموضوع». ويعترف دريدا، في موقع آخر من الحوار، بأنه سعى دائماً إلى تعقيد فكرة نرجسية تعلم العيش، إذ يربط فكرة العيش بالإنقاذ، لا سيما الإنقاذ المعرفي، فهو «لن يفهم أن صحافياً ما لا يعرف كيفية قراءته، أو حتى قراءة عنوان الكتاب»، مثلما يكره أن يموت الإنسان بسبب الغباء، إذ لا مناص أمامه سوى أن يكتب، وأن يترك الأثر. لكن هذا الأثر، كما يقول: «لا أستطيع أن أجعله متاحاً لكائن من كان، لا أستطيع حتى أن أعنونه بطريقة فردية إلى شخص معين».
اعتراف دريدا بأنه بعيد عن الفهم، وأن هناك من لا يقرأه جيداً، قد يكون قاسياً، رغم أن مثل هذا القارئ سيظهر هنا أو هناك، كما يقول، ولعله من الوهم والقلق والخوف أن «تكون هناك فرصة لظهور كل هذا لاحقاً. لكن أيضاً من الجانب الآخر، وبالتالي بصورة متزامنة، لديّ شعور بأنه، بعد أسبوعين أو شهر من موتي، لن يبقى هناك شيء، لا شيء عدا ما تم حفظ حقوق طبعه وأُودع في المكتبات».
هذا الاعتراف هو ما يشبه الخذلان، الذي جعله يدرك أهمية تلازم تعلم الموت والحياة، والذهاب بالأفكار إلى النهاية، فعالم والأفكار، بما فيها أفكار القوة والمعرفة والسطوة والجسد والاستعمار والكوزمبوليتية، ستكون بعض ذلك الأثر القابل للنسيان أيضاً، الذي سيُحفظ في المتاحف والمكتبات.


مقالات ذات صلة

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصر: اكتشاف بقايا طريق «عسيلة» على الدرب السلطاني في شمال سيناء

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف بقايا طريق «عسيلة» على الدرب السلطاني في شمال سيناء

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار)

يأتي الكشف عن بقايا خان طريق «عسيلة» بشمال سيناء على الدرب السلطان ليلقي المزيد من الضوء على تاريخ سيناء وطرقها التاريخية، ويرجح الأثريون أنه كان أحد خانات الطريق التي خدمت القوافل التجارية وقوافل الحجاج المصريين والمسافرين على الدرب السلطاني، المعروف باسم «درب الحاج المصري»، الذي كان يربط مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف، «إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ سيناء وإلقاء الضوء على الحضارات والمجتمعات التي ازدهرت على أرضها»، مشيراً في بيان للوزارة، الثلاثاء، إلى أن «الموقع ظل مطموراً تحت الرمال لقرون، قبل أن تبدأ أعمال الحفائر العام الماضي في الكشف عن ملامحه وإعادة إحياء تاريخه».

ويفتح الاكتشاف نافذة على شبكة الطرق التاريخية التي ربطت مصر بالمشرق العربي، وفقما أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، مؤكداً أن أعمال الحفائر كشفت عن بقايا جدران مشيدة من الطوب اللبن والطوب الأحمر، ومدعمة في أساساتها بأحجار كلسية كبيرة، وهو أسلوب معماري كان شائعاً في تشييد وتدعيم المنشآت الكبرى خلال العصور الإسلامية.

وأضاف أن «الجدران المكتشفة تمتد في اتجاهات الشمال والشرق والجنوب، وتضم تشكيلات معمارية داخلية تشير إلى وجود عدد من الحجرات، يرجح أن يكون بعضها قد استخدم كحوانيت ملحقة بخان الطريق، ويتشابه التخطيط العام للموقع إلى حد كبير مع تخطيط خان الخوينات، إحدى المحطات التجارية المهمة بشمال سيناء، وإن كان موقع عسيلة أصغر مساحة، بما يدعم فرضية استخدامه كمحطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني».

الخان القديم يرجح أنه كان على طريق الحجاج (وزارة السياحة والآثار)

وأسفرت أعمال الحفائر عن العثور على مجموعة من اللقى الأثرية التي تعكس طبيعة الحياة اليومية بالموقع، من بينها كميات من الفخار كبير الحجم المستخدم في تخزين المياه والمؤن، إلى جانب أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني، وأخرى باللونين الأحمر والأبيض، فضلاً عن أجزاء من مسارج كانت تستخدم للإضاءة.

ويسهم الكشف، حسب محمد خليل وصدام حسين، رئيسي البعثة الأثرية، «في فهم طبيعة البنية التحتية التي دعمت حركة التجارة والحج والتحركات العسكرية في العصور الإسلامية، كما يساعد على دراسة شبكة المحطات الاستراتيجية التي أقيمت على طرق سيناء لخدمة المسافرين والقوافل، أما عن اللقى الأثرية المكتشفة فترجح تأريخ الموقع إلى العصر المملوكي، ومن بينها أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني مميزة لهذه الفترة، بالإضافة إلى كسر من الفخار المزجج تحمل عناصر زخرفية يمكن نسبتها إلى فترة السلطان الناصر محمد بن قلاوون في العصر المملوكي البحري».

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الطريق ظل مستخدماً لقرون إلى أن توقف استخدامه وتحول مسار حركة الحج إلى الطريق الجنوبي عبر عيذاب - جدة.

وقال الدكتور محمد حلمي، مدير عام آثار سيناء، إن الاكتشاف يأتي في إطار خطة لإعادة إحياء الحواضر المندثرة، ومكملاً لاكتشافات أخرى تعمل على مشروع إحياء حصون الشرق، ويختص بالمناطق الدفاعية على الحدود المصرية الشرقية. وقال حلمي لـ«الشرق الأوسط»، إن «البعثات الاستكشافية سعت للقيام بمشروع مكمل هدفه إحياء الحواضر وتتمثل في المدن التي كان يقيم بها المصريون في العصور الإسلامية المختلفة، وهذه المدن تتغير تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئة التي تؤثر على محيطها، ما يجعلها تزدهر فترة ثم تختفي وتندثر تماماً، مثل منطقة الفرما وكانت مزدهرة خلال العصر الروماني وبداية العصر الإسلامي، وحتى العصر الفاطمي، بعدها جرت كثير من المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية هناك أدت لهجرة السكان منها واندثارها، بعد ردم فرع النيل الذي كان يصب في البحر، وهكذا فقدت المدينة أهميتها وبدأت الناس تهجرها، وظهرت حواضر أخرى بديلة محيطة بها».

إحدى اللقى الأثرية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

وأضاف حلمي أن «علماء الأثار عملوا على هذا الخط على منطقة قاطيا، الفلوسيات، وخلال استقصائهم ومسح للمساحة محل البحث اكتشفوا طريقين؛ الأول شمالي والثاني جنوبي، طريق بحري يمر بالبحر مباشرة، وهو طريق حورس الحربي الذي كانت تمر من خلاله الحملات العسكرية، وطريق جنوبي يبعد عنه نحو 5 كيلومترات، وهو معروف بطريق الجفار، أو (الدرب السلطاني) وقد ازدهر خلال الفترة الإسلامية، وعليه تكونت مجموعة من الحواضر».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


باراك أوباما... مذيع بودكاست عن الكتب

باراك أوباما يقرأ كتابا للأطفال أثناء احتفالية في البيت الأبيض (غيتي)
باراك أوباما يقرأ كتابا للأطفال أثناء احتفالية في البيت الأبيض (غيتي)
TT

باراك أوباما... مذيع بودكاست عن الكتب

باراك أوباما يقرأ كتابا للأطفال أثناء احتفالية في البيت الأبيض (غيتي)
باراك أوباما يقرأ كتابا للأطفال أثناء احتفالية في البيت الأبيض (غيتي)

لطالما شارك الرئيس السابق باراك أوباما الجمهورَ ما يقرأه من كتب. والآن، يعتزم أوباما الخوض في تفاصيل مجموعة من الكتب التي أثرت فيه، وذلك من خلال بودكاست جديد من المقرر إطلاقه في شهر سبتمبر (أيلول).

وقد أعلن كل من منصة «أوديبول» (Audible)، وشركة «هاير غراوند» (Higher Ground) - وهي الشركة الإعلامية المملوكة للرئيس السابق والسيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما - عن هذا البرنامج الذي يحمل عنوان «كتاب عظيم مع باراك أوباما» (A Great Book with Barack Obama).

وقال أوباما في بيان: «لطالما ساعدتني الكتب العظيمة في فهم هويتي وما أؤمن به. لقد رافقتني الكتب الستة التي تتناولها هذه السلسلة طوال حياتي، وكل منها يقدم درساً لنا حول التجربة الإنسانية».

وأضاف الرئيس السابق أن مجموعة صغيرة من الأصدقاء ستشاركه في حلقات البودكاست لمناقشة هذه الأعمال المختارة، بهدف «استكشاف أسباب تأثيرها العميق، وكيف يمكنها تشكيل فهمنا لأنفسنا ولبعضنا بعضاً، ولماذا تكتسب الأدبيات أهمية بالغة في وقتنا الراهن أكثر من أي وقت مضى». وتابع قائلاً: «آمل أن يجد المستمعون الإلهام لاكتشاف - أو إعادة اكتشاف - كتبٍ من شأنها تغيير نظرتهم لأنفسهم وللعالم من حولهم». وفي منشور منفصل على وسائل التواصل الاجتماعي، قال أوباما: «في وقت يتناقص فيه عدد الأشخاص القادرين على الجلوس وقراءة كتاب، من المهم أن نتذكر المتعة والقوة الكامنتين في القراءة».

باراك أوباما وميشيل أوباما أثناء احتفالية في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

وسيكون البودكاست عبارة عن سلسلة محدودة الحلقات تتناول الأعمال التالية: «النار في المرة المقبلة» (The Fire Next Time) للكاتب جيمس بالدوين؛ و«أغنية سليمان» (Song of Solomon) للكاتبة توني موريسون؛ و«كل الخيول الجميلة» (All the Pretty Horses) للكاتب كورماك مكارثي؛ و«جلعاد» (Gilead) للكاتبة مارلين روبنسون؛ و«كل رجال الملك» (All the King’s Men) للكاتب روبرت بن وارن؛ و«سمكري، وخياط، وجندي، وجاسوس» (Tinker, Tailor, Soldier, Spy) للكاتب جون لو كاريه.

لم يُعلن بعد عن أسماء الضيوف في هذا البودكاست، الذي وصفه بيان صحافي بأنه يضم «ستة من أكثر المفكرين والكُتّاب والفنانين إثارة للاهتمام في عصرنا»، إلا أن تقدير أوباما لكثير من المؤلفين الذين اختارهم ليس بالأمر الخفي. ففي عام 2012، قلّد أوباما الكاتبة موريسون «وسام الحرية الرئاسي»، وفي العام نفسه، مُنحت الكاتبة روبنسون «الوسام الوطني للعلوم الإنسانية». وفي عام 2017، وصف أوباما روبنسون بأنها «صديقة مقربة»، مشيراً إلى أن كتاباتها ساعدته على الشعور بصلة أقوى بالناس الذين التقاهم خلال حملاته الانتخابية؛ إذ صرّح لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن قراءة الأعمال الأدبية الخيالية «تُمرّن تلك العضلات» (أي عضلات التعاطف والفهم الإنساني).

ولن يكون هذا البودكاست الجديد أول تعاون بين شركتي «أوديبول» (Audible) و«هاير غراوند» (Higher Ground)؛ فقد سبق أن تعاونتا في إنتاج بودكاست «ميشيل أوباما: ذا لايت» (Michelle Obama: The Light Podcast) الذي تقدمه السيدة الأولى السابقة، بالإضافة إلى برامج أخرى قدمتها الصحافية ميشيل نوريس والمؤلف مالكولم غلادويل. وقالت راشيل غيازا، الرئيسة التنفيذية للمحتوى في «أوديبول»، إن أوباما يتمتع «بقدرة استثنائية على الربط بين الكتب وتساؤلاتنا حول هويتنا وكيفية رؤيتنا للعالم».

من جانبه، قال دان فيرمان، المسؤول عن المحتوى الصوتي في «هاير غراوند»، إن برنامج «كتاب عظيم» (A Great Book) سيُذكّر المستمعين بـ «أهمية فن السرد القصصي». ومنذ تأسيسها عام 2018، طورت شركة «هاير غراوند» محفظة متنوعة من المشاريع التي تشمل مجالات السينما والتلفزيون والمسرح وغيرها. وفي هذا العام، خاضت الشركة أولى تجاربها في مسارح «برودواي» من خلال إعادة تقديم مسرحية «بروف» (Proof) - الحائزة على جائزتي «توني» و«بوليتزر» - ببطولة كل من أيو إديبيري ودون تشيدل.

* خدمة نيويورك تايمز


أولى «جوائز المونو»... تحية للمسرح واختبار للمستقبل

تغيّرت وظيفة المسرح لليلة واحدة... من رواية حكايات الآخرين إلى إنصاف أصحابه (المونو)
تغيّرت وظيفة المسرح لليلة واحدة... من رواية حكايات الآخرين إلى إنصاف أصحابه (المونو)
TT

أولى «جوائز المونو»... تحية للمسرح واختبار للمستقبل

تغيّرت وظيفة المسرح لليلة واحدة... من رواية حكايات الآخرين إلى إنصاف أصحابه (المونو)
تغيّرت وظيفة المسرح لليلة واحدة... من رواية حكايات الآخرين إلى إنصاف أصحابه (المونو)

احتفى مسرح «المونو» في بيروت بالمسرح اللبناني بطريقة افتقدها طويلاً. أمسية كاملة خُصّصت لصنّاع الخشبة؛ مَن يقفون تحت الضوء ومَن يعملون خلفه... من الممثل والمخرج والكاتب، إلى مصمّم السينوغرافيا والإضاءة والصوت والأزياء والموسيقى. ولأول مرة، لم تتوقّف الجوائز عند الوجوه المألوفة لدى الجمهور، وذهبت أبعد في جسد العرض، إلى أسماء يدين لها المسرح كثيراً.

في ليلة التكريم... خرج المسرح من عروضه المتفرّقة ليلتقي بنفسه (المونو)

تنجح التجارب الأولى حين تؤسِّس لما يليها، وليس مطلوباً منها بلوغ الصيغة النهائية منذ انطلاقتها. بهذا المعيار، اجتازت «جوائز المونو» اختبار انطلاقتها. يمكن النظر إلى الدورة الافتتاحية التي نقلتها «تلفزيون لبنان» على أنها نسخة تأسيسية لمشروع يملك مقوّمات التحوّل موعداً يُعتدّ به، إذا حافظ على جدّيته ووسّع مداه عاماً بعد عام. وراء المبادرة جوزيان بولس، مديرة المسرح ومؤسِّسة «الجائزة»، التي تخوض مع فريقها مشروعاً طَموحاً بموارد محدودة، مُدركةً أنّ المسرح اللبناني يواصل صناعة مبادراته بعيداً عن دعم رسمي يوازي حاجاته وحجم ما يقدّمه. وجاء التنفيذ متناسباً مع الإمكانات المُتاحة، من دون أن يخفي ذلك المسافة التي تستطيع «الجائزة» قطعها مستقبلاً.

لجنة التحكيم... مِن هنا مرَّت أصعب مهام الأمسية (المونو)

لجنة التحكيم برئاسة وليد دكروب، وعضوية سوسن عواد، وربيع شامي، وروزيت فاضل، وفادي جانبار، وسرمد لويس، وميرانا نعيم، وميساء حنوني يعفوري، تضمّ اختصاصيين وأسماء ذوي خبرة. وكان تقديم أعضائها إلى الجمهور بصورة أوسع سيُضيف إلى «الجائزة» عنصراً مهماً من عناصر الثقة. دقيقة مصوَّرة عن الأعضاء ومسيرتهم وعلاقتهم بالمسرح كانت كفيلة بأن تجعل المُشاهد يعرف مَن يحكُم ولماذا يُعتدّ برأيه.

وقد قيّمت اللجنة 14 عملاً عُرضت على خشبة «المونو» بين سبتمبر (أيلول) 2025 ويوليو (تموز) 2026.

ويبقى التحدّي الأهم للدورات المقبلة اتّساع دائرة المشاركة والترشيح، خصوصاً أنّ جوزيان بولس سبق أن تحدَّثت عن طُموح يتجاوز لبنان وصولاً إلى المسرح العربي. كلّما طالت مهلة التقدُّم واتّسعت قاعدة المشارَكة، ازدادت المنافسة صعوبةً، واكتسب الفوز وزناً أثقل، وأغلقت «الجائزة» الباب أمام أيّ انطباع يتعلَّق بضيق التمثيل أو محدودية التنوّع. الجائزة الجيدة تحتاج إلى لجنة موثوقة، وتحتاج بالقدر نفسه إلى منافسة لا تمنح أحداً شعوراً بالأمان.

لم تكن الخشبة تنتظر عرضاً جديداً... كانت تستقبل الذين صنعوا عروضها (المونو)

ورغم ذلك، فإن الدورة الأولى حملت قيمة تتجاوز النتائج. فالأمسية جمعت أهل الخشبة؛ تعدَّدت بينهم العروض والتجارب واشتدَّت المنافسات، ثم التقوا لأول مرة على المسرح لتبادُل التقدير. صفَّقت أنجو ريحان لماريا الدويهي بحرارة بدت معها فرحتها صادقة. وحضرت بياريت القطريب برقيّ رغم خروج مسرحيتها من الترشيحات، وكذلك ألين لحود وطوني أبو جودة. حضور أسماء لم تكن تنتظر جائزة عزَّز الروح الجماعية للأمسية، وأظهر استعداداً للفصل بين الاعتراف بالآخر والحساب الشخصي للترشيحات.

جوزيان بولس تفتح للمسرحيين مساحة يلتقون فيها خارج عروضهم (المونو)

في المقابل، ترك غياب بعض أبطال العروض المرشَّحة فراغاً يصعب ألا يُلحَظ. لا يمكن الحُكم على أسباب الغياب، فالظروف الشخصية والصحية والمهنية تبقى مجهولة، وإنما الجوائز تختبر أيضاً علاقة الفنان بالمشهد الذي ينتمي إليه. فحضور المرشَّح لا يَفقد قيمته حين تذهب الجائزة إلى سواه. وفي البقاء للاحتفاء بفوز الزملاء قدر من احترام المهنة لا يقلّ عن الرغبة في الفوز.

اختار الحفل البساطة لمشهده تاركاً للخشبة وأهلها الحضور الأكبر (المونو)

وسط ضوء الشموع الذي اختاره الحفل لمشهده، تولَّت زينة دكاش وطلال الجردي التقديم برشاقة، وحافظا على مزاج مَرِح من دون استنزاف الوقت. واحترم معظم الفائزين المدّة المخصّصة للكلمات، فمضت الأمسية بإيقاع مُريح، فيما استُعيد على الشاشات فنانون رحلوا، في التفاتة وفاء هادئة لذاكرة الخشبة وأهلها.

أما الجوائز، فتوزَّعت على جميع عناصر الصناعة المسرحية. دوّى التصفيق، خصوصاً عند إعلان فوز أغوب دير غوغاسيان بجائزة «تصميم الإضاءة» عن «الوحش»، فيما ذهبت «السينوغرافيا والنصّ الأصلي» إلى يارا زخور وأدون خوري عن «راديو ترانزستور». ونال أنطوني يوسف جائزة «التصميم الصوتي والموسيقى الأصلية» عن «البائسة»، وبرونو ورالف طبال «تصميم الأزياء» عن «غريبة عيد الميلاد». وحصدت «رحلة حنظلة» 3 جوائز: «الاقتباس» و«الإخراج» لجو رامية، و«اكتشاف العام» لبيا خليل.

أعادت سلمى الشلبي الجائزة إلى أول مَن علّمها معنى التصفيق (المونو)

وفي التمثيل، فازت سلمى الشلبي عن «حنّة» وعلي بليبل عن «كذبة بيضاء» بجائزتَي «الدور المُساند»، وماريا الدويهي عن «قرنة البيضا» وجوليان شعيا عن «البائسة» بجائزتَي «الدور الأول». وذهبت جائزة لجنة التحكيم للشباب؛ «جائزة شارل بطرس نجيم» وقيمتها 2500 دولار، إلى سامر حنا عن «عالهوى سوا»، فيما تُوّجت مسرحية يحيى جابر «شو منلبس» بجائزة «أفضل عرض مسرحي». وكان لحضوره وَقْع عاطفي خاص؛ إذ انتقل من المستشفى إلى المسرح رغم وعكته وتعرّضه للإغماء. في إصراره على المجيء شيء من وفاء المسرحي لخشبة لا تَسقط من حسابه حتى حين يخذله الجسد.

كميل سلامة يتلقّى تحية المسرح الذي يستعدّ للعودة إليه (المونو)

ونال كميل سلامة تكريماً مستحَقاً عن مسيرة استثنائية، فاستقبله الحضور وقوفاً وتصفيقاً طويلاً، فيما يستعدّ للعودة إلى الخشبة في فبراير (شباط) المقبل. وفي لحظة الاحتفاء بمسيرة طويلة، استُشعر أيضاً غياب رفعت طربيه، مثلما افتُقدت ريتا حايك التي تعرف مقاعد «المونو» جيداً، بعدما صفَّقت لها طويلاً خلال عروض «فينوس».

ومع نجاح التجربة الأولى، يمكن للدورات المقبلة أن تمنح الحفل مساحة أكبر للعروض والفواصل التي تُثريه. فميزانية أكبر تتيح الاستعانة بتقارير مصوّرة عن المكرّمين، ومقاطع من العروض المرشَّحة، وربما فواصل موسيقية يؤدّيها فنانون تربطهم بالمسرح علاقة حقيقية، فتتجاوز الأمسية إيقاع توزيع الجوائز إلى حفل متكامل تتعدَّد فيه لحظات الجذب.

ومن بين كلمات الفائزين، بقيت لسلمى الشلبي لحظة شديدة الدلالة. لدى تسلُّم جائزتها، وجَّهت تحية إلى والدتها وذكرتها بالاسم، لتتوالى بعدها أسماء الأمهات على ألسنة فائزين آخرين، في مشهد عفوي منح الأمسية شيئاً من حميميتها. واستعادت الشلبي ما تعلّمته من والدتها... أن تُصفّق للآخرين؛ لأنّ اليوم الذي يُصفِّق فيه الآخرون لها سيأتي. بدت العبارة في مكانها؛ لارتكاز الحفل على الاعتراف بالجهود الجماعية.

انتهت الدورة الأولى وقد أسَّست «جوائز المونو» لِما يتجاوز الليلة الناجحة، وهو أن يصبح وجودها ضرورياً. فالمسرح اللبناني الذي اعتاد صناعة ليالي الآخرين، صارت له أخيراً ليلة تحمل اسمه.