اغتيال شطح يدفع الوضع اللبناني نحو المزيد من التأزم.. والحريري يلمح إلى حزب الله

مصادر لـ «الشرق الأوسط»: قتله رسالة مباشرة لرئيس الحكومة الأسبق على أبواب المحكمة الدولية

الرئيس السابق فؤاد السنيورة متوسطا شخصيات من قوى «14 آذار» كان من المفترض أن ينضم إليهم شطح لكن يد الغدر سبقت اجتماعهم (رويترز)
الرئيس السابق فؤاد السنيورة متوسطا شخصيات من قوى «14 آذار» كان من المفترض أن ينضم إليهم شطح لكن يد الغدر سبقت اجتماعهم (رويترز)
TT

اغتيال شطح يدفع الوضع اللبناني نحو المزيد من التأزم.. والحريري يلمح إلى حزب الله

الرئيس السابق فؤاد السنيورة متوسطا شخصيات من قوى «14 آذار» كان من المفترض أن ينضم إليهم شطح لكن يد الغدر سبقت اجتماعهم (رويترز)
الرئيس السابق فؤاد السنيورة متوسطا شخصيات من قوى «14 آذار» كان من المفترض أن ينضم إليهم شطح لكن يد الغدر سبقت اجتماعهم (رويترز)

دفعت عملية اغتيال الوزير السابق محمد شطح الوضع اللبناني نحو المزيد من الفوضى الأمنية، مظهرة أن الاستقرار الهش الذي تنعم به البلاد معرض للانهيار في أي لحظة.
وفي حين كان الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري قريبا جدا من تسمية حزب الله كمتهم أول في الجريمة، قالت مصادر قيادية في قوى «14 آذار» بأن الاغتيال هو «رسالة مباشرة للحريري على أبواب المحكمة الدولية» التي ستعقد في 16 يناير (كانون الثاني) المقبل أولى جلساتها في جريمة اغتيال والده، رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. كما اعتبرتها ردا على رسالة الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني بعد توقيع الاتفاق النووي والتي تضمنت طلبا أن تنتهج إيران سياسة جديدة حيال لبنان تنطلق من احترام التزامات لبنان حيال القرارات الدولية وخصوصا القرار رقم 1701.
وفي حين اعتبر رئيس الحكومة الأسبق رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، أن اغتيال شطح، الذي عمل في عداد فريق مستشاريه: «رسالة إرهابية جديدة لنا، نحن أحرار لبنان في تيار المستقبل وقوى 14 آذار»، موجها أصابع الاتهام إلى حزب الله، من دون أن يسميه، طالبت قوى «14 آذار» مجتمعة بإحالة «ملف هذه الجريمة إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان».
وأشار الحريري، في بيان أصدره إثر اغتيال شطح، إلى «إرهابيين وقتلة ومجرمين يتوسلون التفجير والسيارات المفخخة وكل أدوات الحقد والكراهية لاصطياد أحرار لبنان واحدا تلو الآخر»، معتبرا أن شطح «غصن كبير يسقط من شجرة رفيق الحريري». وقال: إن «الموقعين على الرسالة لا يخفون بصماتهم، ولن يتوقفوا عن سلوك طريق الإجرام والإصرار على جر لبنان إلى هاوية الفتنة، طالما هناك في لبنان من يغطي هذه الجرائم ويطالب بدفن الرؤوس في الرمال، ويبرر انتشار السلاح وقيام التنظيمات المسلحة على حساب الدولة ومؤسساتها»، معتبرا أن «من اغتالوا شطح هم الذين اغتالوا رفيق الحريري، والذين يريدون اغتيال لبنان وتمريغ أنف الدولة بالذل والضعف والفراغ».
وشدد الحريري على أن «المتهمين بالنسبة لنا، وحتى إشعار آخر، هم أنفسهم الذين يتهربون من وجه العدالة الدولية، ويرفضون المثول أمام المحكمة الدولية، إنهم أنفسهم الذين يفتحون نوافذ الشر والفوضى على لبنان واللبنانيين، ويستدرجون الحرائق الإقليمية إلى البيت الوطني».
وفي السياق ذاته، قال رئيس الحكومة السابق رئيس كتلة المستقبل النيابية فؤاد السنيورة، في بيان نعي تلاه باسم قوى 14 آذار بعد اجتماعها أمس، إن «القاتل هو نفسه، الذي يوغل في الدم السوري واللبناني». واعتبر السنيورة أن «الرسالة المكتوبة بالدماء وصلت وجوابنا أن لبنان الحرية والكرامة والعيش المشترك، باق والطغاة إلى زوال».
وكان الرئيس اللبناني ميشال سليمان وصف شطح بـ«الشخصية الحوارية المعتدلة»، معتبرا أن «هذا العمل الجبان ومهما كانت الرسائل التي يحملها ويوجهها، لن تزيد اللبنانيين إلا إصرارا على الحفاظ على بلدهم واحة سلام واستقرار وحوار في وجه الإرهابيين الذين لا يعرفون سوى القتل والتفجير والتخريب وسيلة لإثبات وجودهم». ودعا إلى «التضامن والمساعدة في تشكيل حكومة جديدة تتولى مسؤولياتها الوطنية في هذه المرحلة». واستنكر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي استهداف «شخصية سياسية وأكاديمية معتدلة وراقية آمنت بالحوار ولغة العقل والمنطق وحق الاختلاف في الرأي».
من ناحيته، ندد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة تمام سلام بـ«العمل الإرهابي الذي يهدف إلى ضرب الاستقرار وإيقاع الفتنة بين اللبنانيين». ودعا إلى أن تكون الجريمة «حافزا لتفعيل المؤسسات السياسية الدستورية من خلال تشكيل حكومة المصلحة الوطنية التي تتصدى لاحتياجات البلاد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن الصراع السياسي المستفحل، بما يسمح بعبور هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان والمنطقة».
وقال رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بأن اغتيال شطح «حلقة في سلسلة يبدو أنها طويلة لتحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات ومحاولة إيقاع الفتنة بين طوائفه ومذاهبه»، معتبرا أنها «تهدف إلى إبقاء لبنان في ساحة التوترات ومنع قيامة بلدنا».
أما حزب الله فقد رأى أن «هذه الجريمة البشعة تأتي في إطار سلسلة الجرائم والتفجيرات التي تهدف إلى تخريب البلد، وهي محاولة آثمة لاستهداف الاستقرار وضرب الوحدة الوطنية، لا يستفيد منها إلا أعداء لبنان». ودعا في بيان أصدره «اللبنانيين إلى اعتماد العقلانية والحكمة في مواجهة الأخطار التي تحدق ببلدهم»، كما دعا حزب الله «الأجهزة الأمنية والقضائية إلى استنفار أقصى الجهود والطاقات لوضع اليد على الجريمة وكشف الفاعلين وتقديمهم للعدالة».
وشدد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، الذي اتصل بالحريري، معزيا على أن «اغتيال شطح رسالة شديدة السلبية لكل المعتدلين من المفترض أن تواجه بمزيد من الاعتدال، ورسالة شديدة السلبية لكل العقلاء يفترض أن تواجه بمزيد من العقلانية». وقال: إن «هذا المسلسل الإجرامي الذي تنقل بين الضاحية الجنوبية وطرابلس والسفارة الإيرانية واستهدف شطح، يؤكد مرة أخرى أن الإرهاب لا يميز في استهدافاته وانفجاراته، وإن الخطوة الأولى لمواجهته والتصدي له تكون من خلال الهدوء والتعقل وتحصين المؤسسات الأمنية والعسكرية لتقوم بدورها في حماية الاستقرار والسلم الأهلي».
من ناحيته، اعتبر رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون أن «الإدانة والاستنكار في كل مرة تحصل فيها جريمة تفجير تحصد مواطنين أبرياء، أو قيادات وشخصيات سياسية، لم يعد كافيا»، مشيرا إلى أن «ما يكفينا اليوم ليس تأليف حكومة، حيادية كانت أو سياسية، ملوّنة أو من لون واحد، بل وجود مسؤولين يضطّلعون فعلا بمسؤولياتهم، يستطيعون اتخاذ قرار، ولا يعقّدون الوضع في سبيل أهداف نجهلها ويجهلها المواطنون».
وقال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إن اغتيال شطح «يضاعف الأسئلة حول المدى الذي بلغه ضيق صدر أهل الهيمنة والإلغاء بالقوة والاستقواء»، متسائلا: «أهل لهذه الدرجة أزعجهم محمد شطح؟ أهل هكذا يحاربون التكفيريين من يدعون التباكي على ضحايا التكفيريين؟».
وأكد «أننا لن نسمح بسقوط الدولة والمؤسسات، سواء بالشلل كما في مجلس النواب، أم بالتعطيل كما في الحكومة، أو بالفراغ والتركيبات الملغومة فيما يتعلق بالاستحقاق الرئاسي».
ووضع الكاتب والمحلل السياسي، علي الأمين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عميلة الاغتيال التي طالت الوزير السابق محمد شطح في إطار المناخ الذي كان يسود لبنان ويدفع نحو مزيد من التصعيد الداخلي ويذهب باتجاه تعميق الأزمة الداخلية، ما يعني أن إمكانية التوصل إلى تسويات داخلية بات صعبا جدا. وأشار الأمين إلى أن «اختيار محمد شطح ليكون ضحية الاغتيال يعود إلى كونه عقل 14 آذار وتيار المستقبل»، مؤكدا أن «من أراد أن يقتل شطح سعى إلى اغتيال المحور المعتدل داخل هذه التركيبة سواء على المستوى الإسلامي أو على المستوى السياسي إذ يجمع الجميع على أن شطح كان يتمتع بخصال الاعتدال والعقلانية، إضافة إلى الدور الذي لعبه في الوصل بين أطراف 14 آذار».
ويكشف هذا الاغتيال بحسب الأمين عن «إصرار جهة بالذهاب نحو مزيد من تطويع خصومها واعتبار السلاح هو سيد الموقف والآمر والناهي، الجريمة هي رسالة تحذيرية إلى الجميع كي ينتبهوا إلى مساراتهم السياسية بحيث لا تزعج القاتل».
وأعرب الأمين عن اعتقاده أن اغتيال شطح هو رسالة مزدوجة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف على ضوء الكلام الذي صدر عن الرئيس سليمان بخصوص تشكيل حكومة جامعة وغير سياسية، موضحا أن الفريق الذي يتدخل في سوريا بشكل سافر ومعلن يريد أن يظل يدخل البلد في حالة فراغ مؤسساتي وحكومي ورئاسي، لينجو من المساءلة.
ورأى الكاتب والمحلل السياسي جورج علم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن اغتيال شطح «يستهدف المساعي التي يبذلها رئيس الجمهورية لحكومة حيادية، كما يستهدف المحكمة الدولية التي ستنطلق بعملها في النصف الأول من الشهر المقبل»، موضحا أن هذا الاغتيال «يمكن قراءته على أنه رسالة إلى فريق 14 آذار الذي يؤمن بالمحكمة الدولية، وكأنه ينذر المحكمة بعدم البدء بالمحاكمات، كون شطح كان من المتمسكين بها».
ورأى علم أن تداعيات الاغتيال «ستكون خطيرة على الداخل اللبناني، وتأزم الوضع أكثر من خلال الاتهامات التي وجهت لحزب الله بالوقوف وراء التفجير»، مشيرا إلى أن الاغتيال «يعني أن السقف السياسي الذي يفترض أن يؤمن الأمن والاستقرار في لبنان غير موجود، وهذا ما يدفع إلى المزيد من التشنج والتشرذم والانقسام، ويجعل البلد عرضة للفوضى المسلحة»، من غير أن يستبعد أن يلجأ حزب الله إلى الأعمال الأمنية، قائلا: «كل الاحتمالات واردة،



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.