«احتفالية اليونيسكو» بيوم العربية... تساؤلات ومحاولات للبحث عن حلول

حاكم الشارقة يعلن عن تأسيس احتفالية اليونيسكو«رابطة» للغة

حاكم الشارقة خلال لقائه مجموعة من علماء اللغة العربية في باريس
حاكم الشارقة خلال لقائه مجموعة من علماء اللغة العربية في باريس
TT

«احتفالية اليونيسكو» بيوم العربية... تساؤلات ومحاولات للبحث عن حلول

حاكم الشارقة خلال لقائه مجموعة من علماء اللغة العربية في باريس
حاكم الشارقة خلال لقائه مجموعة من علماء اللغة العربية في باريس

في الكلمة التي وجهتها مديرة عام اليونيسكو بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي احتفلت به المنظمة الدولية في مقرها أمس، شددت أودري أزوليه على أن اللغة العربية «ركن من أركان التنوع الثقافي للبشرية»، و«إحدى أكثر اللغات انتشاراً واستخداماً في العالم»، مشيرة إلى أن ما يزيد على 290 مليوناً في أنحاء المعمورة يتكلمونها إضافةً إلى كونها «لغة العبادة» لأكثر من مليار ونصف المليار مسلم في العالم. وبالطبع، لم يفت المديرة العامة للمنظمة الثقافية والتعليمية الدولية أن تنوه باللغة العربية «مصدراً لتراث ثقافي وعلمي بديع، إضافةً إلى كونها وسيلة للتواصل في الحياة اليومية». واعتبرت أزوليه أن الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية يمثل فرصة «للتنويه بمساهماتها العظيمة في الحضارة البشرية ولا سيما من خلال الفنون والآداب والهندسة المعمارية والخطوط الفريدة»، إضافةً إلى كونها سبيلاً لنقل المعارف في مختلف ميادين العلم والمعرفة ومنها الطب والرياضيات والفلسفة والتاريخ وعلم الفلك».
وكان بمستطاع مديرة عام اليونيسكو أن تكون أكثر شمولية بإشارتها إلى ما قدمته هذه اللغة من خدمات للغرب ليخرج من سبات العصور الوسطى وإلى ما أغنت به المعاجم اللغات الغربية من الإيطالية إلى الفرنسية والإسبانية والبرتغالية... كما كان بإمكانها أن تشير إلى أهمية دعم وتعزيز اللغة العربية واللغات الأخرى من أجل المحافظة على التعددية اللغوية في العالم بما تحمله من ثراء حضاري وثقافي متنوع وغنى بشري لا يمكن التفريط فيه، وهي أمور تندرج في مهمات اليونيسكو الأساسية.
وكان الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة رئيس مجمع اللغة العربية بالشارقة، قد التقى صباح أمس (الثلاثاء)، في العاصمة الفرنسية باريس، مجموعة من علماء اللغة العربية وعدداً من رؤساء وكبار مسؤولي المجامع اللغوية والعلمية ومراكز اللغة العربية في الوطن العربي، إلى جانب أعضاء اللجنة العلمية العليا لجائزة «الألكسو الشارقة للدراسات اللغوية والمعجمية»، وذلك على هامش إطلاق الدورة الثانية للجائزة التي أقيمت مساء اليوم نفسه في مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، ضمن احتفالات اليوم العالمي للغة العربية.
وتحدث حاكم الشارقة في مستهل لقائه عن المواضيع ذات الاهتمام المشترك والمتعلقة بشأن اللغة العربية وسبل النهوض بها خصوصاً بين جيل الشباب.
وقال إن الأمة العربية تعيش اليوم فترة من التغريب في مختلف مجالات الحياة، الذي يتطلب بذل مزيد من الجهود في دعم اللغة العربية وتعزيز الهوية العربية بين أبنائها، مبيناً أن «اللغوي والباحث في المجالات اللغوية والمعجمية عندما يحظى باهتمام وينال التقدير يكون عطاؤه متميزاً».
وأعلن خلال اللقاء عن مبادرة جديدة متمثلة في تأسيس رابطة اللغة العربية، وذلك في إطار دعم اللغة العربية، وتضم علماء اللغة العربية والباحثين من مختلف دول الوطن العربي.
وككل عام منذ 2012، وفي الثامن عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول)، تحتفل اليونيسكو باليوم العالمي للغة العربية من خلال تنظيم مؤتمر في مقرها في باريس بالاشتراك مع المندوبية الدائمة للمملكة العربية السعودية لديها ومؤسسة الأمير سلطان بن عبد العزيز الخيرية التي تموّل برنامجاً لدعم اللغة العربية عبر المنظمة الدولية. وأهمية ما جاءت به هذا العام يتمثل في المحور الجامع الذي اندرجت تحته أبواب المؤتمر وهو «اللغة العربية والشباب». وبهذه المناسبة، أصدرت المندوبية السعودية الدائمة وبرنامج «أرابيا» كتاباً بعنوان «اللغة العربية والشباب» باللغتين العربية والفرنسية، أشرف عليه المندوب السعودي الدكتور إبراهيم البلوي. وجاء الكتاب غنياً بالمساهمات التي شاركت فيها مجموعة من الباحثين المرموقين. وكان الملف الغالب فيها يدور حول جدلية اللغة والهوية، الذي استحوذ على عشر مساهمات بالعربية من أصل 15 مساهمة.
وكما في الكتاب المذكور، فإن موضوع اللغة والهوية كان حاضراً في محاور المنتدى، إذ شكّل، بعد كلمات افتتاحية ثلاث لمساعدة المديرة العامة لقطاع العلوم الإنسانية والاجتماعية وللدكتور إبراهيم البلوي وللمدير العام لمؤسسة الأمير سلطان بن عبد العزيز، المحور الأول والرئيسي للجلسة الأولى التي أدارتها مندوبة لبنان لدى المنظمة الدولية سحر بعاصيري. أما الجلستان اللاحقتان فقد تناولتا موضوع اللغة العربية والفنون واللغة العربية ووسائل التواصل الاجتماعي. واليوم تستضيف اليونيسكو في السياق عينه وبدعوة من المندوبية السعودية ورشة عمل تحت عنوان «اللغة العربية والرياضة» يشارك فيها أكاديميون وإعلاميون من العالم العربي بينهم الدكتور عبد الله الوشمي، أمين عام مركز الملك عبد الله الدولي لخدمة اللغة العربية، والدكتور تركي العواد، والزميل جميل الذيابي وغيرهم.
حقيقة الأمر، أن موضوع اللغة والهوية الذي طغا أمس على مجمل النقاشات ليس جديداً، بل إن الكتب التي كُرِّست له ليس فقط في اللغة العربية ولكن في غالبيتها، أكثر من أن تُحصى لأنه يمس المجتمعات كافة وفي جميع الأطوار التاريخية. لكن هذه الإشارة لا تعني أن ما تردد في قاعة اليونيسكو، أمس، كان تكراراً أو أن الإشكالية التي طُرحت وفق الزوايا نفسها التي طُرحت سابقاً. وأحد التساؤلات اللافتة التي كانت تستدعي شرحاً وتفسيراً ذلك الذي جاء به الكاتب والمؤلف العراقي نعمة الطائي الذي تساءل عن «إمكانيات العربية في المساهمة في العولمة اللغوية» وشروطها. كذلك، فإن الروائية والكاتبة السعودية زينب الخضيري توقفت عند «التحديات الداخلية والخارجية» التي تواجهها اللغة العربية، ومنها: الجمود والتحجر، والتحدي التقني وثورة المعلوماتية، ويمكن أن نضيف إليها الذكاء الاصطناعي والعولمة ونزوع لغات أخرى للهيمنة والدفع إلى أحادية اللغة. وشددت الخضيري على الحاجة إلى تعزيز الثقافة والإبداع العربيين كرافعتين للغة العربية التي هي وعاؤهما والمعبِّر عنهما. ثم لا يمكن غض الطرف عن إشكالية العربية الفصحى والعربية العامية أو اللهجات العربية المحكية في البلدان العربية وأحياناً في البلد الواحد التي تناولتها سحر بعاصيري أو إشكالية اللغة والتغرب الثقافي.
ورغم أن عنوان المؤتمر العريض كان «اللغة العربية والشباب»، ورغم أهمية هذه الزاوية لتناول مستقبل العربية، فإن الكثير من المداخلات لم تركز على هذه «الثنائية» التي بقيت بحاجة إلى بحث وتمحيص. وإذا كان المندوب السعودي قد اعتبر أن أحد وجوه الاهتمام بالعربية يندرج في إطار التمسك بالتعددية الثقافية واللغوية ومن أجل بناء مجتمع السلام، إلا أن ورشة العمل التي تقيمها المندوبية اليوم تستجيب بمعنى ما لهذا التحدي الكبير وهو كيفية دفع الشباب العربي للتمسك بالعربية وتكلمها، لأن اللغة العربية التي لا يتكلمها أصحابها تتحول سريعاً إلى لغة ميتة. وفي السياق عينه، رأت ندى الناشف أن التمسك باللغة يعني «التمسك بالهوية والثقافة» الخاصة بالفرد أو المجموعة وأن الدفاع عنها هو في الواقع دفاع عنهما. ومن جانبه، أشار صالح الخليفي إلى أن الغرض من دعم العربية هو «ردم الفجوة مع الآخرين» وتمكين التواصل الحضاري، منوهاً بما يقوم به مركز الأمير سلطان على هذا الصعيد من خلال برامج التعاون مع العديد من المؤسسات الرائدة عبر العالم.
كثيرة هي مشكلات اللغة العربية وليس أقلها صورتها اليوم والربط بينها وبين الإرهاب، وهو ما أشارت إليه في بداية مداخلتها سارة الضاهر، مؤسسة جمعية «بالعربية للغة والتحديث» اللبنانية، التي بدأت مداخلتها بالقول إن العربية «ليست لغة إرهاب بل لغة ثقافة وحضارة». وإذا كان مؤتمر اليونيسكو، أمس، لن يحل قطعاً مشكلات اللغة العربية المستعصية، إلا أن إيجابياته أنه يسلط الضوء ويحث على العلم لتدارك التأخير الذي لحق بالعربية إزاء لغات أساسية في العالم سبقتنا بأشواط وما زلنا نلهث وراءها.


مقالات ذات صلة

شراكة سعودية - أممية لدعم جهود حماية التراث اليمني

الخليج تدعم مذكرة التفاهم جهود الحكومة اليمنية الرامية إلى الحفاظ على ممتلكاتها الثقافية (واس)

شراكة سعودية - أممية لدعم جهود حماية التراث اليمني

وقَّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مذكرة تفاهم مع منظمة «اليونيسكو» تعزيزاً للجهود المشتركة في صون التراث الثقافي اليمني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق اللعب بالعصا ضمن مهرجان التحطيب (وزارة الثقافة المصرية)

«التحطيب»... لعبة الصعايدة التراثية تُسجل حضوراً كرنفالياً في مصر

الفرق المشاركة في المهرجان قدمت استعراضات تحاكي لعبة التحطيب في صورتها الأصلية، وسط إقبال جماهيري كبير وتفاعل من الأهالي والسائحين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي توقيع اتفاقية ثلاثية لدعم التعليم في اليمن بتمويل سعودي قدره 40 مليون دولار (سبأ)

40 مليون دولار دعم سعودي إضافي للتعليم في اليمن بشراكة أممية

شهدت الرياض، الخميس، توقيع اتفاقية شراكة ثلاثية بين وزارة التربية والتعليم اليمنية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومنظمة اليونيسكو، بـ40 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق صورة من حساب القنصلية المغربية بباريس على «إكس»

القفطان المغربي… أناقة عبر القرون تتوجها «اليونيسكو» باعتراف عالمي

اعتراف عالمي بثراء التراث المغربي، وبقدرة هذا القفطان العريق على أن يتحول إلى لغة ثقافية عابرة للحدود، تجمع بين الجمال والهوية وتستمر في الإلهام عبر الزمن.

كوثر وكيل (نيودلهي )
يوميات الشرق الكشري من الأكلات الشهيرة بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج) play-circle 02:04

الكشري المصري يُتوِّج مذاقه الفريد بالتسجيل في تراث اليونيسكو

بعد عامين من الجهود المتواصلة لإدراج «الكشري» ضمن القائمة التمثيلة للتراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة اليونيسكو، نجحت مصر أخيراً، في تسجيل الأكلة الشعبية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

ماثيو أرنولد
ماثيو أرنولد
TT

عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

ماثيو أرنولد
ماثيو أرنولد

سبق لي أن نشرتُ في ثقافيّة «الشرق الأوسط» موضوعاً عنوانُهُ: «هل مات الناقدُ الأدبيُّ؟». كان الموضوع محطّة انتباه لكثيرين من المشتغلين بالأدب أو النقد الأدبي أو من ذوي الذائقة الأدبيّة والثقافيّة حتى لو كانوا من غير عنوان اختصاصي في نطاق الأدب أو الثقافة. يبدو لي أنّ معظم القراءات انساقت وراء الدفق الدرامي للعنوان بما تحملهُ مفردة «الموت» من شحنة دراميّة ثقيلة الوطأة على النفس، خاصّة عندما تطولُ الناقد الأدبيّ في ثقافتنا العربية؛ إذ كثيراً ما تحصّن الناقد الأدبي في مثابة عالية شديدة التحصين في هذه الثقافة. كانت تجربة مثيرة لي عندما قرأتُ العديد من المداخلات المتباينة بشأن الموضوع في مواقع عديدة، ولستُ أرى في هذه الرؤى المتباينة سوى علامة حراك ثقافي صحّي.

رايموند ويليامز

أرى من المفيد الاعترافَ بأنّ موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة، وإن كنتُ عزّزتُهُ بتفاصيل مشخّصة عن موت الناقد الأدبي. يبدو أنّ الآراء المخالفة لم تسعَ للتفلّت من أفلاك المدارات الانطباعية الخالصة؛ فكأنّ عبارة «موت الناقد الأدبي» تسبّبت لها في جرحٍ نازف سَعَتْ طويلاً لمُداراته والهروب من مواجهة مترتّباته القاسية. هذه المقاربة لن تنجح إلا في إبعادنا عن الفضاء الثقافيّ العالمي المحتدم بمتغيّراته السريعة. من المفيد الإشارةُ أيضاً إلى أنّ بعض الآراء اعتمدت مقاربات مؤسّسة على كتل إنشائيّة غارقة في الفخاخ الانطباعيّة التي تساءلَتْ - في بعض ما تساءلت عنه - بنبرة استنكاريّة صارخة: كيف نُمِيتُ الناقد الأدبي؟ ولو مات هذا الناقد، أفلن يكون هذا إيذاناً بشيوع الرثاثة الأدبيّة وتجويزاً لشرعنتها؟ هؤلاء يفكّرون بمنطق الناقد - الرقيب، ثمّ إنّهم يحيلون الموضوع إلى رغبات كيفيّة لو شاءت لأماتت الناقد الأدبي، ولو شاءت لأبقته يتنفّسُ الحياة. أظنّ أنّ الموضوع أبعدُ شأناً من هذه التفاصيل المبسّطة.

سأعمدُ في هذا الموضوع إلى الابتعاد عن الشخصنات الانطباعيّة في مقابل التركيز الصارم على بعضٍ من المسببّات الحقيقية التي قادت إلى موت الناقد الأدبي.

***

ليس موتُ الناقد الأدبي حادثةً عَرَضيّة، ولا نتيجةً مباشرة لانحطاط الذائقة، أو لتراجع القراءة، أو لكسل الأجيال الجديدة، أو لتنامي أنماط ما يُحسَبُ رثاثةً ثقافيّة شائعة كما يذهب الخطابُ الثقافي السائد والذي لا يكفُّ عن الشكوى والحنين لعصور أدبيّة سابقة، كذلك ليس هذا الموت واحداً من الأمنيات الرغبويّة في قتل الناقد الأدبي والوقوف بسكينة في مراسم دفنه إلى جانب من سبقوه ممّن قتلتهم سياساتُ ما بعد الحداثة. نحن لا نقف أمام أزمة أفراد أو غياب مواهب، بل أمام انهيار وظيفة معرفية كاملة كانت مشروطةً بسياق تاريخي وثقافي محدّد لم يَعُدْ قائماً. هذه هي كلّ الحكاية باختصار قاسٍ. الناقدُ الأدبي - بالمعنى الذي استقرّ عميقاً في الوعي الثقافي خلال القرن العشرين - لم يكُ ضحيّة اغتيالٍ غادر، ولم يُقْصَ قسرياً عن المشهد الثقافي العالمي. ما حصل معه هو تنامي وتعاضد مؤثّرات محدّدة جعلته يفقدُ البيئة التي كانت تمنحُهُ المعنى والشرعية والسلطة.

السؤال الجوهري اليوم ليس: أين اختفى النقّاد الأدبيّون؟ بل: أيُّ عالمٍ كان يحتاج إلى ناقد أدبي؟ ولماذا لم يَعُدْ عالمُنا كذلك؟

أولاً تتوجّبُ مساءلةُ المعياريّة الثقافيّة. الأنساق الثقافيّة المعياريّة طالتها تحوّلاتٌ جوهريّة؛ فقد نشأ النقد الأدبي داخل نظام ثقافي يؤمِنُ بإمكانية إنتاج معايير عامة نسبيّاً: معايير للجمال، وأخرى للقيمة، وثالثة للتفوّق والاستمرارية. لم تكن هذه المعايير خاليةً من التحيّز أو الآيديولوجيا؛ لكنّها كانت صالحة للاستخدام. كان من الممكن الاحتكامُ إليها، ومناقشتُها، وتطويرُها. الناقد، في سياق هذا الإطار، لم يكن قارئاً بارعاً فحسب بل سلطة تقويمية تضطلع بمهمّة الفرز: ما الذي يُضافُ إلى المتن الثقافي، وما الذي يبقى في الهامش، وما الذي يتوجّبُ أن يُنسى. كان النقد يفترضُ وجود مركز ثقافي، وذائقة عامّة، وتاريخ أدبيٍّ يمكنُ قراءتهُ بوصفه مساراً ذا معنى. أمّا اليوم فقد تفكّكت هذه الافتراضات. التعدّدية المتطرّفة، وتكاثرُ الهويات، وتفتّتُ الذائقة، وانهيارُ المركزيات، جعلت فكرة (المسطرة النقديّة الواحدة) غير قابلة للتطبيق. حين تنتفي المسطرة النقديّة، لأيّ أسباب، يفقدُ الناقد أداته الجوهرية مهما بلغت قدراتُهُ المعرفية.

وظيفة الأدب هي الأخرى شهدت تغيّراً جوهريّاً. في الأزمنة التي ازدهر فيها النقد الأدبيُّ كان الأدب يُنظرُ إليه بوصفه قيمة متعالية: فعلاً يرتقي بالذائقة، ويهذّبُ الحسّ الأخلاقي، ويمنح معنى لتجربة الوجود. النقد، تبعاً لذلك، لم يكن نشاطاً تفسيرياً مُحايداً بل وظيفة ثقافية تكميليّة ذات بعد أخلاقي وجمالي وفلسفي. اليوم، تغيّر تعريفُ الأدب ذاته. لم يَعُدْ يحتلّ مركز النظام الرمزي بل صار ممارسة سردية بين ممارسات عديدة: السينما، والمسلسلات، والألعاب الرقمية، والمنصّات الاجتماعية، وأشكال السرد القصير والخاطف. الأدب لم يَعُدْ (الصانع الأعلى للمعنى) بل أصبح خياراً واحداً من خيارات متعددة. هنا تحضرُ المقايسة المنطقيّة المؤكّدة: حين يفقد الأدب - كخالق للمعنى - مركزيته يفقد النقد سلطته تلقائياً. لا يمكن للناقد أن يكون حارساً لقيمة لم يعُدْ يُعتَرَفُ بها بوصفها قيمة عليا أو جامعة.

بعد ذلك تحضرُ أمامنا حقيقةٌ شاخصة عنوانُها (تحطيم السرديات الكبرى Grand Narratives وانهيار القياس النقدي). كان النقد الأدبي الكلاسيكي يعملُ داخل سرديةٍ تاريخية واضحة: عصور، مدارس، تيارات، ذرى وانكسارات. هذا الإطار وفّر للناقد إمكانية المُقارنة والحُكْم والتقويم. مع صعود ما بعد الحداثة، لم يحصل تفكيكٌ لنسيج النص وحده بل فُكّك الإطار الذي يسمح بالحكم عليه. السرديات الكبرى تراجعت، وحلّت محلّها سردياتٌ صغرى، فردية، محلّية، غير قابلة للتوحيد أو القياس المتبادل. ما يُعدّ تجربةً مركزيةً لشخص قد يكون هامشياً أو عديم الأهمية لآخر. في هذا السياق، يتحوّل النقد إلى رأي شخصاني، والرأيُ الشخصانيُّ في عصر المنصّات لا يمتلك أي امتياز معرفي. الجميع يقرأ، يعلّق، يحكم، ومن ثم تذوب وتتلاشى سلطة الامتياز النقدي.

سببٌ آخر يختصُّ بأفول السطوة النقدية الأدبيّة التي شاعت في القرن العشرين. في ذلك القرن لم يكن الناقد الأدبي مجرّد باحث أكاديمي، بل كان في كثير من الحالات اسماً ذا سطوة ثقافية عامة. كانت هناك أسماءُ نقّادٍ أدبيين تُقرأ بوصفها مراجع موثوقاً بها، وتُستدعى أحكامُها في النقاشات الكبرى حول الأدب والحداثة. أسماء مثل ماثيو أرنولد، ونورثروب فراي، وكلينيث بروكس، وويليام إمبسون، ورينيه ويليك، وإف. آر. ليفز، وهارولد بلوم، ورايموند ويليامز... مثّلت نموذج الناقد الذي يتجاوز التخصّص الضيّق. لم تكن هذه السطوةُ نابعة من الإعلام فحسب، بل من شروط ثقافية محدّدة: فضاء ثقافي أقل ازدحاماً، ومؤسسات نشرٍ ذات نفوذ، وإيمان عام بشرعية السلطة النقدية. في القرن الحادي والعشرين تفكّكت هذه الشروط. الثقافة اليوم أفقية، مُشَكّكة، وعدائية تجاه المرجعيات، ولم يَعُدْ ممكناً أن يتشكّل اسمٌ نقدي مركزي بالمعنى القديم وسط هذه الدوّامة الثقافية سريعة التغيّر.

أرى من المفيد الاعترافَ بأنّ موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة

لا يمكنُ أيضاً التغافلُ عن حقيقة ذوبان النقد في النظرية الثقافية ثم في الثقافة (الدراسات الثقافيّة). لم يَمُت النقدُ الأدبيُّ فجأة، بل ذاب تدريجياً في حقول أوسع. انتقل من تحليل النصوص إلى مساءلة الخطابات، ثم إلى تفكيك البنى الثقافية والاجتماعية. صار الأدب مادّة اختباريّة مفتوحة لموضوعات إشكاليّة منها: الهوية، والجندر، والسلطة، والذاكرة، والسوق، والتقنيّة... هذا التحوّل أفقد النقد حدوده الصارمة، ومع هذا التحوّل النوعيّ فقد النقد قدرته على إنتاج سلطة اعتباريّة متماسكة لأنّ أدواته القديمة لم تعُدْ تسعفه بوسائل الإنقاذ. ربّما المثال النموذجي في هذا الشأن هو تيري إيغلتون. هلّا تلاحظون شكل كتاباته - عناوين وموضوعات - في بداياته، ثمّ كيف تحوّلت إلى مساءلات مستفيضة لموضوعات ثقافيّة أبعد كثيراً من نطاق اهتماماته الأولى؟

لا يمكنُ بالطبع إغفالُ أنّ الأدب العالمي لا يعيشُ في جزيرة منعزلة. نحنُ نعيشُ في عصر النيوليبرالية التي تحكمها القوانينُ القاسية؛ حيث تُقاس القيمةُ بما تُحقّقه المصنّعاتُ، مادّية كانت أم رمزيّة، من تداول وربح وانتشار. الأدب بموجب هذه القوانين يُقيَّمُ بالأرقام لا بالأحكام الانطباعية الشخصانيّة المسبّقة. في هذه المعادلة يصبح الناقد عبئاً. رأيُهُ قد يُربِكُ السوق، أو يبطئ حراكها الاقتصادي؛ لذلك جرى تهميش الناقد الأدبي لا بالمنع، بل - ببساطة - بإعلان عدم الحاجة إليه.

ثمّ علينا أيضاً أن ننتبه للخوارزميات ومنطق المنصّات. إذا كانت السوقُ قد همّشت الناقد الأدبي فإنّ الخوارزميات أجهزت على ما تبقّى من وظيفته. في عالم المنصّات الرقمية، لم يَعُد القرار بيد قارئ أو ناقد أو مؤسسة ثقافية، بل قيد أنظمة حسابية غير مرئية تُقرّر ما يُعرض، وما يُخفى، وما يُروَّجُ له. لم يمت الناقد الأدبي فقط؛ لأنّ أحداً لم يَعُدْ يصغي إليه، بل لأنّ الخوارزميات احتلّت موقع الحَكَم دون أن تحتاج إلى لغة أو حُجّة أو تبرير.

*****

لستُ سعيدةً بموت الناقد الأدبيّ، ولن أتيه فرحاً لو تأجّل موته بضع سنوات أو حتّى لو شهدنا مراسم خلوده الأبديّ. أنا أسائلُ ظاهرةً سائدة علينا التحسّبُ لنتائجها بصرف النظر لو حسبناها سلبيّة أم إيجابيّة. موتُ الناقد الأدبي لا يعني نهاية التفكير في الأدب، بل يعني نهاية نموذج معرفي محدّد: نموذج السلطة، والمعيار الواحد، والمرجعية المركزية. ما يبقى هو أشكال هجينة من وارثيه المحتملين: قارئ - كاتب، أو باحث عابر للحقول، أو مثقف يعمل من داخل الهشاشة الثقافية، ولا يكتفي بالتعالي الساذج على فروضها وقوانينها. العزلةُ والانغلاق على القناعات الشخصية لن يغيّرا تضاريس المشهد النقدي الأدبي العالمي. موت الناقد الأدبي، في جوهره، ليس مأساة ثقافية بقدر ما هو علامة على انتقال السلطة من العقل التأويلي الكلاسيكي إلى أنساق جديدة. الأفضلُ لنا بشأن هذه التحوّلات ألا نجعلها موضع إدانة أخلاقيّة قاسية؛ بل أن نحاول فهمها حتى إن خلّفَتْ فينا شعوراً عميقاً بالفَقْد.


الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة
TT

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

ضمن سلسلة «آفاق عالمية» الصادرة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدر كتاب «نافذة على الشعر الصيني»، ترجمه عن الصينية مجموعة من الشباب: أسماء عيطة، وبسمة محمد، ودينا التهامي، ورانيا مرسي، وريهام سعد، وسندريلا سمير، ومحمد عبد الرحيم، وهدير شوقي، وياسمين شورى.

ويضم الكتاب نماذج إبداعية وقصائد متنوعة لنخبة من شعراء الصين ضمن حقب مختلفة على مر التاريخ، مثل: بيداو، وتشانغ جيو لينغ، وجوان جين تشاو، وخوشه، ودوفو، وشه دجه، وغو تشينغ، ولوفو، ولي تشينغ تشاو، وليو زي لي، ومنغ لانغ.

في تقديمه للكتاب، يشير محسن فرجاني، أستاذ الأدب الصيني بجامعة عين شمس، إلى أن القرن الحادي والعشرين حلَّ والشعر الصيني يعاني من حالة التهميش التي ألمَّت به طوال تسعينيات القرن السابق، فانشغلت الساحة الشعرية بثلاثة أسئلة كبرى فرضت نفسها على الحركة الإبداعية والنقدية معاً، وهي: هل يصدر الشعر الصيني على أرضه ومناخه الطبيعي ومنطقته؟ أم هو مجرد صدى للحركة الأدبية في الغرب الأوروبي؟ وهل تقوم الكتابة الشعرية على العلم أم على الواقع؟ ثم ما اللغة الأكثر حيوية وثراء للإبداع الشعري؟ أهي اللغة الكتابية في مستواها التعبيري المعياري؟ أم هي العامية الدارجة؟

ولأن لكل عصر مشكلاته وحلوله التي تطرحها ظروفه وأجواؤه الخاصة، فقد جاء القرن العشرون، طارحاً الحل المناسب لمشكلة التهميش التي لحقت بالإنتاج الشعري؛ حيث أتاحت شبكات التواصل الاجتماعي مجالاً لملاحقة التطور العام، واتساع أفق التفاعل، وتجديد طاقات الاتصال الحيوي بين ساحات الإبداع، فأمكن لكثير من الشعراء التواصل مع عدد كبير من القراء؛ بل إن مواقع الشبكة الدولية جذبت كثيرين إلى ساحة الشعر، ودارت في دائرة التواصل كتابات كثيرة، حتى صاح البعض متفائلاً: «ها قد عاد الشعر إلى سابق مجده»!

ويلفت فرجاني إلى أن النشر على الإنترنت تحول إلى نشاط إجرائي محموم دون قيمة حقيقية لكثير مما عُرض على قُرائه، وبناء عليه فقد انقسمت ساحة الشعر شيعاً وفرقاً وجماعات مختلفة لكل منها ساحتها، وانزاحت الكتابة الشعرية إلى أقصى حدود الهامش، وإن ظل بعض الشعراء يحتفظون بمكانة طيبة من الجيل الجديد، مثل تسانغ ديي.

ومن ثم، شهدت الحقبة الأولى من القرن الحادي والعشرين ظهور عدد من التيارات الشعرية الكبرى، مثل: «كتابات الطريق الثالث». وهذا التيار بالذات كان ظهوره عبارة عن حل وسط أو صيغة توفيقية بين تيارَي: «كتابات المثقفين»، و«الكتابات الشعبية»؛ وكانت المواجهة بين هذين الأخيرين حادة للغاية، فجاء هذا الطريق الثالث تعبيراً عن ضرورة صياغة موقف مبدئي يعزز من الشخصية الفردية للشعراء، ويتخذ من هذا المفهوم قاعدة أساسية للمسؤولية الإبداعية، بحيث يصبح بلورةً لموقف التيارين المتصارعين، وتجاوزاً لهما في الوقت نفسه، تفادياً لاستقطابات حادة في ساحة إبداع واحدة، وتجنباً لأي مسعى يمكن أن يشكِّل هيمنة ثقافية.

وبالتالي، حاول أعضاء هذا «التيار الثالث» تشكيل اتجاه جديد يسمح لكل الشعراء بالتعبير عن أنفسهم دون الالتزام بقالب فني جمالي محدد. وقد تُوِّج هذا الاتجاه بإصدار جريدة «الطريق الثالث» في 2002، وكان من بين أهم شعرائه: موفي، وشوتساي، ولين تونغ، ومايونغ بو.

ثم قام تيار آخر باسم «جيل الوسط» على عاتق عدد من مواليد ستينيات القرن العشرين، ممن لم يشاركوا في تيار شعر «الطريق الثالث» ولا في نشاط النشر على الإنترنت الذي كان قد تشكل في فترة مبكرة، علماً بأن هذا الجيل الأوسط احتفظ بدرجة عالية من الاستقلال عن الجماعات الشعرية، واعتبره بعض نقاد الأدب تمثيلاً لفكرة الجيل، أكثر منه تياراً شعرياً إبداعياً. وكان من أهم رواده: تشاولي هوا، وكيتشي، وسنتزي.

وبعد ذلك، ظهر تيار شعري جديد في ظل تعاظم نشاط شبكات التواصل، تحت اسم «المعلوماتية». وهو التيار الذي نشأ على مواقع الإنترنت؛ حيث نشر إنتاجه الإبداعي واجتذب إلى ساحته عدداً من الشعراء.

وثمة تيار آخر اشتهر باسم «ما بعد السبعين» على أساس أن أعضاءه من مواليد السبعينيات، وكانت هذه التسمية قد أطلقت على هذا الفصيل من الشعراء إثر مقال نُشر في إحدى الجرائد تحت عنوان «شعراء ما بعد السبعين».

ووفق تقديرات نقدية كثيرة، فإن أهم تيار شعري ظهر في السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين هو «تيار الخيال» الذي يرى شعراؤه أن مملكة الشعر هي فردوس الخيال.

وانطلاقاً من هذا، فإن التصورات الخيالية هي الحقيقة الأزلية؛ حيث تتلاشى الحدود بين ما هو صواب وخطأ، وحقيقة ووهم، ويتصالح الجمال مع القبح، وتصبح الألفاظ بالنسبة لكتابة الشعر إشارات ذات مقادير متساوية من القيمة.

وكان آخر التيارات الشعرية التي ظهرت على خريطة الإبداع الصيني، تيار عُرف باسم «ما بعد الثمانينيات» وشعراؤه عبارة عن مجموعة من مواليد ثمانينيات القرن العشرين، ممن برزوا بوصفهم جماعة متميزة الإنجاز خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، ومنهم: تشون شو، وآفي، ومو هوا.

ومن أبرز القصائد الواردة في الكتاب: «غريب في هذا العالم»، للشاعر بيداو المولود في 1949، والذي عمل في مجال البناء عاملاً، ثم اشتغل محرراً صحافياً ومترجماً، وعاش في بلدان عدَّة خارج الصين. يقول مطلع القصيدة:

«غريب في هذا العالم

عالم لا أدرك لغته

ولا يفهم صمتي

نتصافح

فقط بقليل من الازدراء

كما لو أننا التقينا صدفة داخل مرآة

غريب حتى مع ذاتي

أنا أخشى الظلام

ولكني حجبت بجسدي

بصيص النور الوحيد

ظلي هو أنيسي

وقلبي هو عدوي».

وفي قصيدة «أعِد لي»، يقول الشاعر والفنان التشكيلي يان لي، المولود في 1954:

«أعد لي بابي بلا أقفال

أعده لي حتى لو من دون غرفة

أعد لي الديك الذي اعتاد على إيقاظي في الصباح

حتى لو أكلته أنت

وأعد لي العظام أيضاً

أعد لي الأغاني الرعوية عند منحدر الجبل

حتى لو مسجلة على شرائط

أعد لي مزماري أيضاً».

وتعد لي تشينغ تشاو (1084- 1155) أعظم شاعرة في الأدب الصيني القديم، وأيقونة الشعر النسائي على مر العصور، والتي تقول في قصيدتها اللافتة التي تحمل عنوان «عطر الخريف في الأرجاء»:

«يحل عيد تشونغ وتتفتح زهور الأقحوان

فأرتدي ملابس الخريف وأتجرع أقداح النسيان

بينما تتناوب العواصف من رياح باردة وأمطار

ويبدو الفناء عند الغسق كئيباً

يحزنني ما هو آتٍ وقتما أصحو

فتحمُّل ليلة طويلة كهذه ليس بالإمكان

والفراش خاوٍ عندما أتأمل وأنصت لأصوات الليل».


أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا
TT

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

صدرت في برلين أنطولوجيا ثنائية اللغة بعنوان «بين عذب وأجاج – أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا / Grenzlandschaften» عن دار EBverlag الألمانية للنشر العلمي، في عمل يُعدّ الأول من نوعه الذي يُنجَز داخل مؤسسة أكاديمية ألمانية، وفق معايير البحث الجامعي الصارمة، لا ضمن المبادرات الثقافية الفردية.

جاء الكتاب في نحو 420 صفحة، ويجمع نصوص خمسة وخمسين شاعراً وشاعرة يكتبون بالعربية، ويعيشون في بلدان أوروبية متعددة، في محاولة لرسم ملامح مشهد شعري تشكّل بعيداً عن جغرافيا بيئاتهم التي هاجروا منها، لكنهم ظلّوا مشدودين إليها وجدانياً ولغوياً.

إن هذا العمل المهم لا يقدّم مجرد مختارات شعرية فحسب، بل يسعى إلى فهرسة القصيدة المكتوبة بالعربية في أوروبا بوصفها ظاهرة مستقلة لها موضوعاتها وأسئلتها وتجاربها الخاصة، بما يفتح باباً لدراستها بوصفها حقلاً أدبياً قائماً بذاته.

ومشروع هذا الكتاب هو ثمرة تعاون بين شعبة اللغة العربية في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة بون والديوان – البيت الثقافي في برلين، حيث شارك فريق من المترجمين والباحثين في نقل النصوص إلى اللغة الألمانية، وبناء هيكل أكاديمي يُسهّل قراءتها وتحليلها.

قُسّمت المختارات إلى 7 مسارات موضوعية ترصد التوترات الوجودية التي يعيشها شاعر المنفى: السعادة والنعيم، والتعالي، والفاجعة العظمى، والموت والحياة، والقدرية، والفناء، والوطن والمنفى. وهو تقسيم يكشف عن أسئلة تتجاوز الجغرافيا، وتلامس معنى العيش بين لغتين، وبين ذاكرة ماضية وواقع جديد.

أحد عشر بلداً أوروبياً

يضم الكتاب نصوص شعراء من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر واليمن وليبيا والمغرب والسودان والجزائر وتونس والكويت، يقيمون في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والنمسا والسويد والنروج والدنمارك وبلغاريا.

من سوريا وحدها يشارك 16 اسماً، من بينهم: أحمد إسكندر سليمان، وإبراهيم اليوسف، وجان دوست، وجبران سعد، وحسين بن حمزة، وزكريا شيخ أحمد، وسلام حلوم، وعائشة الأرناؤوط، وفرج بيرقدار، وفواز القادري، ومحمد المطرود، وميديا شيخة، وميسون شقير، وندى منزلجي، وندى وردا أوراهم، ونسرين خوري. ووئام فتال.

ومن العراق: فاضل العزاوي، وعدنان الصائغ، وعبد الكريم كاصد، وعبد القادر الجنابي، وحكمت الحاج، ونسيم الداغستاني، وجلال حيدر، وفاضل السلطاني، وإبراهيم عبد الملك، ومنعم الفقير، ومحمد جاسم، وفارس مطر. ومن لبنان: جوزيه الحلو، وندى حطيط، وعيسى مخلوف، وسرجون كرم. ومن فلسطين: هيام بسيسو، وفاتنة الغرّة، وسامر أبو هواش، وفؤاد ديب. ومن مصر: وصفاء فتحي، وعماد فؤاد، وزهرة يسري، وأحمد يماني.

إلى جانب أصوات من اليمن وليبيا والمغرب والسودان والجزائر وتونس والكويت.

جهد ترجمي وأكاديمي جماعي

وتولّى الترجمة فريق من خريجي الدراسات العليا في جامعة بون، من بينهم: كورنيليا تسيرات، ورينيه شنيتسماير، وكريستيان كيلليبغ، ودكتور ديزيريه كايزر، وميريام قويرينغ، وكورا هينشين، وأماني العباس كيللينغ، وماري تيريز رودولف، ومارلين نوسباوم، وغوران ياسون، إضافة إلى مونيزة يلماز التي أشرفت على تصنيف المحاور.

كما أسهم الشاعر جبران سعد في تسهيل التواصل مع عدد من الأسماء، وشارك في الدعم المعرفي والثقافي كلّ من الدكتور عبد الحكيم شباط، والدكتور كارستن والبينر، والبروفسور باولا مانشتتين، والدكتورة زيفغه أجاغول، والأستاذ نيلز فيشر، والمترجم سمير جريس، والأديبة لطيفة محمد حسيب القاضي، والناقدة ليندا نصّار.

وتحمّل الديوان – البيت الثقافي في برلين جانباً من أعباء النشر، بينما أدار دار النشر راينر كول عملية إخراج النص العربي تقنياً حتى خرج الكتاب بصورته النهائية.

رابط الكتاب:

https://www.ebv-berlin.de/epages/15494902.sf/de_DE/?ViewObjectPath