«احتفالية اليونيسكو» بيوم العربية... تساؤلات ومحاولات للبحث عن حلول

حاكم الشارقة يعلن عن تأسيس احتفالية اليونيسكو«رابطة» للغة

حاكم الشارقة خلال لقائه مجموعة من علماء اللغة العربية في باريس
حاكم الشارقة خلال لقائه مجموعة من علماء اللغة العربية في باريس
TT

«احتفالية اليونيسكو» بيوم العربية... تساؤلات ومحاولات للبحث عن حلول

حاكم الشارقة خلال لقائه مجموعة من علماء اللغة العربية في باريس
حاكم الشارقة خلال لقائه مجموعة من علماء اللغة العربية في باريس

في الكلمة التي وجهتها مديرة عام اليونيسكو بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي احتفلت به المنظمة الدولية في مقرها أمس، شددت أودري أزوليه على أن اللغة العربية «ركن من أركان التنوع الثقافي للبشرية»، و«إحدى أكثر اللغات انتشاراً واستخداماً في العالم»، مشيرة إلى أن ما يزيد على 290 مليوناً في أنحاء المعمورة يتكلمونها إضافةً إلى كونها «لغة العبادة» لأكثر من مليار ونصف المليار مسلم في العالم. وبالطبع، لم يفت المديرة العامة للمنظمة الثقافية والتعليمية الدولية أن تنوه باللغة العربية «مصدراً لتراث ثقافي وعلمي بديع، إضافةً إلى كونها وسيلة للتواصل في الحياة اليومية». واعتبرت أزوليه أن الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية يمثل فرصة «للتنويه بمساهماتها العظيمة في الحضارة البشرية ولا سيما من خلال الفنون والآداب والهندسة المعمارية والخطوط الفريدة»، إضافةً إلى كونها سبيلاً لنقل المعارف في مختلف ميادين العلم والمعرفة ومنها الطب والرياضيات والفلسفة والتاريخ وعلم الفلك».
وكان بمستطاع مديرة عام اليونيسكو أن تكون أكثر شمولية بإشارتها إلى ما قدمته هذه اللغة من خدمات للغرب ليخرج من سبات العصور الوسطى وإلى ما أغنت به المعاجم اللغات الغربية من الإيطالية إلى الفرنسية والإسبانية والبرتغالية... كما كان بإمكانها أن تشير إلى أهمية دعم وتعزيز اللغة العربية واللغات الأخرى من أجل المحافظة على التعددية اللغوية في العالم بما تحمله من ثراء حضاري وثقافي متنوع وغنى بشري لا يمكن التفريط فيه، وهي أمور تندرج في مهمات اليونيسكو الأساسية.
وكان الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة رئيس مجمع اللغة العربية بالشارقة، قد التقى صباح أمس (الثلاثاء)، في العاصمة الفرنسية باريس، مجموعة من علماء اللغة العربية وعدداً من رؤساء وكبار مسؤولي المجامع اللغوية والعلمية ومراكز اللغة العربية في الوطن العربي، إلى جانب أعضاء اللجنة العلمية العليا لجائزة «الألكسو الشارقة للدراسات اللغوية والمعجمية»، وذلك على هامش إطلاق الدورة الثانية للجائزة التي أقيمت مساء اليوم نفسه في مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، ضمن احتفالات اليوم العالمي للغة العربية.
وتحدث حاكم الشارقة في مستهل لقائه عن المواضيع ذات الاهتمام المشترك والمتعلقة بشأن اللغة العربية وسبل النهوض بها خصوصاً بين جيل الشباب.
وقال إن الأمة العربية تعيش اليوم فترة من التغريب في مختلف مجالات الحياة، الذي يتطلب بذل مزيد من الجهود في دعم اللغة العربية وتعزيز الهوية العربية بين أبنائها، مبيناً أن «اللغوي والباحث في المجالات اللغوية والمعجمية عندما يحظى باهتمام وينال التقدير يكون عطاؤه متميزاً».
وأعلن خلال اللقاء عن مبادرة جديدة متمثلة في تأسيس رابطة اللغة العربية، وذلك في إطار دعم اللغة العربية، وتضم علماء اللغة العربية والباحثين من مختلف دول الوطن العربي.
وككل عام منذ 2012، وفي الثامن عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول)، تحتفل اليونيسكو باليوم العالمي للغة العربية من خلال تنظيم مؤتمر في مقرها في باريس بالاشتراك مع المندوبية الدائمة للمملكة العربية السعودية لديها ومؤسسة الأمير سلطان بن عبد العزيز الخيرية التي تموّل برنامجاً لدعم اللغة العربية عبر المنظمة الدولية. وأهمية ما جاءت به هذا العام يتمثل في المحور الجامع الذي اندرجت تحته أبواب المؤتمر وهو «اللغة العربية والشباب». وبهذه المناسبة، أصدرت المندوبية السعودية الدائمة وبرنامج «أرابيا» كتاباً بعنوان «اللغة العربية والشباب» باللغتين العربية والفرنسية، أشرف عليه المندوب السعودي الدكتور إبراهيم البلوي. وجاء الكتاب غنياً بالمساهمات التي شاركت فيها مجموعة من الباحثين المرموقين. وكان الملف الغالب فيها يدور حول جدلية اللغة والهوية، الذي استحوذ على عشر مساهمات بالعربية من أصل 15 مساهمة.
وكما في الكتاب المذكور، فإن موضوع اللغة والهوية كان حاضراً في محاور المنتدى، إذ شكّل، بعد كلمات افتتاحية ثلاث لمساعدة المديرة العامة لقطاع العلوم الإنسانية والاجتماعية وللدكتور إبراهيم البلوي وللمدير العام لمؤسسة الأمير سلطان بن عبد العزيز، المحور الأول والرئيسي للجلسة الأولى التي أدارتها مندوبة لبنان لدى المنظمة الدولية سحر بعاصيري. أما الجلستان اللاحقتان فقد تناولتا موضوع اللغة العربية والفنون واللغة العربية ووسائل التواصل الاجتماعي. واليوم تستضيف اليونيسكو في السياق عينه وبدعوة من المندوبية السعودية ورشة عمل تحت عنوان «اللغة العربية والرياضة» يشارك فيها أكاديميون وإعلاميون من العالم العربي بينهم الدكتور عبد الله الوشمي، أمين عام مركز الملك عبد الله الدولي لخدمة اللغة العربية، والدكتور تركي العواد، والزميل جميل الذيابي وغيرهم.
حقيقة الأمر، أن موضوع اللغة والهوية الذي طغا أمس على مجمل النقاشات ليس جديداً، بل إن الكتب التي كُرِّست له ليس فقط في اللغة العربية ولكن في غالبيتها، أكثر من أن تُحصى لأنه يمس المجتمعات كافة وفي جميع الأطوار التاريخية. لكن هذه الإشارة لا تعني أن ما تردد في قاعة اليونيسكو، أمس، كان تكراراً أو أن الإشكالية التي طُرحت وفق الزوايا نفسها التي طُرحت سابقاً. وأحد التساؤلات اللافتة التي كانت تستدعي شرحاً وتفسيراً ذلك الذي جاء به الكاتب والمؤلف العراقي نعمة الطائي الذي تساءل عن «إمكانيات العربية في المساهمة في العولمة اللغوية» وشروطها. كذلك، فإن الروائية والكاتبة السعودية زينب الخضيري توقفت عند «التحديات الداخلية والخارجية» التي تواجهها اللغة العربية، ومنها: الجمود والتحجر، والتحدي التقني وثورة المعلوماتية، ويمكن أن نضيف إليها الذكاء الاصطناعي والعولمة ونزوع لغات أخرى للهيمنة والدفع إلى أحادية اللغة. وشددت الخضيري على الحاجة إلى تعزيز الثقافة والإبداع العربيين كرافعتين للغة العربية التي هي وعاؤهما والمعبِّر عنهما. ثم لا يمكن غض الطرف عن إشكالية العربية الفصحى والعربية العامية أو اللهجات العربية المحكية في البلدان العربية وأحياناً في البلد الواحد التي تناولتها سحر بعاصيري أو إشكالية اللغة والتغرب الثقافي.
ورغم أن عنوان المؤتمر العريض كان «اللغة العربية والشباب»، ورغم أهمية هذه الزاوية لتناول مستقبل العربية، فإن الكثير من المداخلات لم تركز على هذه «الثنائية» التي بقيت بحاجة إلى بحث وتمحيص. وإذا كان المندوب السعودي قد اعتبر أن أحد وجوه الاهتمام بالعربية يندرج في إطار التمسك بالتعددية الثقافية واللغوية ومن أجل بناء مجتمع السلام، إلا أن ورشة العمل التي تقيمها المندوبية اليوم تستجيب بمعنى ما لهذا التحدي الكبير وهو كيفية دفع الشباب العربي للتمسك بالعربية وتكلمها، لأن اللغة العربية التي لا يتكلمها أصحابها تتحول سريعاً إلى لغة ميتة. وفي السياق عينه، رأت ندى الناشف أن التمسك باللغة يعني «التمسك بالهوية والثقافة» الخاصة بالفرد أو المجموعة وأن الدفاع عنها هو في الواقع دفاع عنهما. ومن جانبه، أشار صالح الخليفي إلى أن الغرض من دعم العربية هو «ردم الفجوة مع الآخرين» وتمكين التواصل الحضاري، منوهاً بما يقوم به مركز الأمير سلطان على هذا الصعيد من خلال برامج التعاون مع العديد من المؤسسات الرائدة عبر العالم.
كثيرة هي مشكلات اللغة العربية وليس أقلها صورتها اليوم والربط بينها وبين الإرهاب، وهو ما أشارت إليه في بداية مداخلتها سارة الضاهر، مؤسسة جمعية «بالعربية للغة والتحديث» اللبنانية، التي بدأت مداخلتها بالقول إن العربية «ليست لغة إرهاب بل لغة ثقافة وحضارة». وإذا كان مؤتمر اليونيسكو، أمس، لن يحل قطعاً مشكلات اللغة العربية المستعصية، إلا أن إيجابياته أنه يسلط الضوء ويحث على العلم لتدارك التأخير الذي لحق بالعربية إزاء لغات أساسية في العالم سبقتنا بأشواط وما زلنا نلهث وراءها.


مقالات ذات صلة

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

يوميات الشرق «الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان كمدن تراثية في المنظمة الدولية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
عالم الاعمال سجّلت جائزة «اليونيسكو عبد الله الفوزان» الدولية حضوراً في المنتدى العالمي الرابع لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

جائزة «اليونيسكو الفوزان» الدولية تعزز حضور العلماء الشباب

سجّلت جائزة «اليونيسكو عبد الله الفوزان» الدولية حضوراً بارزاً في المنتدى العالمي الرابع لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تدعم أطر بناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي إعداد كوادر مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل (واس)

السعودية تطلق 5 أطر لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي

أطلقت السعودية 5 أطر لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي، تشمل التعليم العام والجامعي والتدريب والمعايير المهنية، خلال منتدى «اليونسكو» بالعاصمة الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون
TT

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة.

في هذا الحوار، تتطرق الكاتبة إلى مؤلفاتها الأخرى التي تنتمي إلى عالم السيرة ذاتية وتتردد عبرها أصداء أزمتها النفسية التي وصلت إلى حد محاولة الانتحار، وتلقّي العلاج بمصحة متخصصة، قبل أن تستعيد إيمانها بالأمل والحياة وتتعافى نهائياً. هنا نص الحوار:

> بعد نجاح روايتك «هاتف الوداعات الأخيرة» وإدراجها ضمن قوائم الأكثر مبيعاً في كوريا الجنوبية، ماذا يعني لك ترجمتها إلى لغات أجنبية؟

- على الصعيد الشخصي، تعد ترجمة أعمالي وتقديمها بلغات أخرى تجربة ثمينة للغاية، لكن الأمر يتجاوز البعد الشخصي، إذ يدفعني إلى التأمل مجدداً في قيمة الأدب. ومن خلال خلق مساحة يمكن أن يسكنها الفقدان والحزن بغضّ النظر عن اللغة، أرى إمكانية أن يوصل الأدب بين الناس وأن يبني مجتمعاً إنسانياً واسعاً.

> ماذا عن ترجمة الرواية إلى العربية؟ هل تتابعين ردود الأفعال؟

- بصراحة، عندما يصدر كتاب في بلد آخر يصعب على الكاتب أن يعرف بدقة كيف انتقلت روحه ومعانيه عبر الترجمة، لكنني أؤمن بأن جوهر ما أريد التعبير عنه يصل إلى القراء رغم ذلك.

تابعت بالفعل ردود الأفعال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشعر بأن هناك صلة صادقة تتشكل بيني وبين القراء، وقد أدهشني وأسعدني بشكل خاص الحماس الكبير الذي أبداه القراء المصريون تجاه الرواية.

> هل تعدّين أرقام المبيعات دليلاً على نجاح الكاتب؟ وما مواصفات النجاح الأدبي من وجهة نظرك؟- أرقام المبيعات ليست سوى أحد مؤشرات النجاح التجاري، ولا أعدّها دليلاً أساسياً على النجاح الأدبي، فأنا أؤمن بأن الأدب يتجاوز حدود الزمن، وقد لا يحقق الكتاب مبيعات كبيرة عند صدوره، أو قد لا يحظى صاحبه بالتقدير في حياته، لكن العمل الجيد يبقى. وربما يعاد اكتشافه وقراءته لاحقاً ليصبح من الكلاسيكيات. ومن وجهة نظري، فإن النجاح الأدبي لا يكتمل خلال حياة شخص واحد، بل يتشكل ويترسخ مع مرور الزمن.

> كيف جاءتكِ فكرة الرواية؟

- بدأت هذه الرواية من كتاب قرأته في أثناء وجودي في جناح للأمراض النفسية بالمستشفى، بعنوان «مقابلات التشريح النفسي» للدكتور إدوين شنايدمان، والذي يرصد العوامل النفسية الكامنة وراء الانتحار. وفي أثناء قراءة العمل وجدت نفسي أتخيل حزن الأشخاص الذين سيبقون بعد رحيلي وكيف ستستمر حياتهم، ومن هنا بدأتُ أفكر في كتابة رواية تدور حول هذا الموضوع، ثم أضفت إليه عنصراً تخييلياً، فكانت النتيجة رواية «هاتف الوداعات الأخيرة».

> هل تعتقدين فعلاً أنه يمكن التواصل مع من فقدناهم من الأحبّة وهم في العالم الآخر؟ وهل يمكن أن نعوّضهم بأثر رجعي عن أخطائنا بحقهم، أو على الأقل نعتذر لهم؟- إذا وسَّعنا مفهوم التواصل بحيث لا يقتصر على الحديث المباشر وجهاً لوجه، فأعتقد أننا نتواصل باستمرار مع أشياء وأشخاص عبر الزمن. يحدث ذلك عندما تعود إلينا فجأة ذكرى أو مكان أو غرض تركه من رحلوا عنّا.

وأؤمن بأن كل لحظة تتصل فيها القلوب بعضها ببعض هي لحظة تواصل حقيقية، وعندما نتمكن من فهم أنفسنا وفهم الآخر، ونضع الماضي والحاضر في موضعهما الصحيح، يصبح الغفران والمصالحة ممكنين، حتى لو جاء هذا الإدراك متأخراً.

> مررتِ بتجارب صعبة مع الاكتئاب واضطرابات الطعام والهلع كادت تدفع بكِ إلى حافة الانتحار، لماذا شاركتِ تلك التجارب مع القراء في مؤلفاتك المختلفة مثل «أشعر ببعض الاكتئاب، لكنني شخص عادي»؟- لم يكن اتخاذ قرار نشر قصتي الشخصية أمراً سهلاً. وبينما كنت مترددة، قالت لي أمي إنها عندما كنت في المستشفى بحثت عن كتب تتحدث عن الاكتئاب، لكنها لم تجد قصة تشبه قصتي.

لذلك تمنت أن أكتب كتاباً من أجل أشخاص يمرون بتجارب مماثلة، ومن أجل أولئك الذين يحملون في داخلهم مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، قررت هذه المرة أن أكون أنا من يتكلم. ومن هنا بدأت رحلتي ككاتبة.

> ألم يكن من الأفضل أن تظهر تلك التجارب ضمنياً، من خلال أعمالك الروائية، بدلاً من أن تأتي في صورة مباشرة تقترب من عالم السيرة الذاتية أو المذكرات؟- أعتقد أن أكبر فارق بين الرواية والسيرة الذاتية هو «الحضور الإنساني المباشر»، فالتعبير عن حزن عميق من خلال قصة متخيلة يختلف في تأثيره عن التعبير عنه من خلال تجربة حقيقية ومعيشة. وأرى أن مجرد القدرة على الحديث عن المرض النفسي بشكل مباشر، من دون مواربة أو التفاف، يعد رسالة قوية مفادها أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الأمراض ليسوا منفصلين عن المجتمع، بل يعيشون بيننا ومعنا.

> تجارب الكاتب الشخصية على صعيد المعاناة النفسية والهشاشة الإنسانية، هل تزيد من جاذبية أعماله في عيون القراء برأيك؟- أؤمن بأن التجربة الحياتية الخاصة بكل كاتب تضفي على أعماله مزيداً من الجاذبية والتميز. وحتى عندما تتضمن تلك التجربة جوانب من الضعف الإنساني، فإنها تمنح صاحبها قدرة أعمق على التعاطف مع الآخرين.

وكثير من الفنانين يحوِّلون هشاشتهم ومعاناتهم إلى أشكال أكثر إبداعاً من التعبير، ويواصلون طرح الأسئلة حول جوهر الحياة والأشياء. وإذا اختار بعض الناس التقليل من قيمة إبداعهم بسبب ذلك، فهذه في النهاية مسألة تخص من يُصدر هذا الحكم.

> هل يندرج كتابك «ربما يكون الحزن مرضاً» هو الآخر ضمن سياق مشاركة المعاناة الشخصية مع القراء، أم ماذا؟- هو كتاب سيرة ذاتية طويل يوثّق الأشهر الستة التي أمضيتها في وحدة مغلقة للطب النفسي. ويتناول ما جرى داخل المستشفى بين أشخاص يعانون من الألم النفسي، كما يتناول مسارات التعافي التي مروا بها.

> ماذا عن كتابك «وصفة القطط»، الذي تلعب فيها الحيوانات الأليفة دور البطولة؟

- هو أيضاً كتاب يندرج ضمن فئة السيرة الذاتية الطويلة، ويتناول رحلة الحب الذي اكتشفتُه من خلال العيش مع قطة، يسجل لحظات شعرت فيها برغبة في التخلي عن كل شيء، قبل أن يعيد إليَّ صوت أنفاس القطة الإحساس بالحياة. إنها قصة شخص لم يكن يجيد الحب، وتعلَّمه تدريجياً من خلال علاقته بحيوان أليف.

> ما الذي يحقق لكِ الإشباع والسعادة ككاتبة؟

- أعظم ما يمنحني الشعور بالرضا هو أن أسمع من القراء أن أعمالي ساعدتهم على إيجاد القوة للاستمرار في الحياة. ويسعدني أن أرى قراء يكتشفون الإمكانات اللامحدودة للكتابة وتأثيرها، وأن تتغير حياتهم بفضل ذلك.

ومن أكثر التجارب التي تركت أثراً في نفسي رسالة وصلت إليّ من أحد السجون، فقد كتب لي سجين كان يفكر في إنهاء حياته، بعدما أهدته زوجته أحد كتبي، ليخبرني أنه قرر أن يمنح الحياة فرصة أخرى. ولا تزال تلك الرسالة حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.

> أخيراً، هل لا تزال الكتابة قادرة على صنع الفارق في عالم يبدو أن الحمقى هم أصحاب القرار الأول في تحديد مصيره؟

- ربما لا يستطيع الكاتب أن يغيِّر العالم بأسره، لكن الكتاب قادر على تغيير إنسان واحد، ولهذا السبب لا أتخلى أبداً عن الأمل، فلو استطعت تغيير واقع شخص واحد فقط إلى الأفضل، فهذا يكفيني.


تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً
TT

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات، مستندة إلى جذورها الفلسفية التي أرساها فلاسفة الحقوق الطبيعية وعصر التنوير، ومقدمة قراءة نقدية تتتبع انتقال النظرية من إطارها الفلسفي إلى مجالها الدستوري والقانوني.

يقدم الكتاب الذي صدر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في عمّان، مقاربة تحليلية للنظرية وإشكالات تطبيقها، ولا سيما ما يتصل بالتداخل بين السلطات، وشرعية التشريع، والعلاقة بين القانون والعدالة، وصولاً إلى اقتراح «كود قانوني تشريعي» يهدف إلى تعزيز الضبط والرقابة الدستورية وتفعيل الفصل بين السلطات.

وينطلق الكتاب الذي صمم غلافه الشاعر والفنان عيد بنات، من تأصيل مفهومَي الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي بوصفهما مرجعية فلسفية لشرعية القانون وتقييد السلطة، قبل أن ينتقل إلى الجدل الفلسفي حول نشأة الدولة والسيادة، وتطور فكرة الفصل بين السلطات بوصفها ضمانة دستورية لمواجهة الاستبداد وتحقيق التوازن بين التشريع والتنفيذ والقضاء.

وتتمثل الإشكالية المركزية التي يطرحها الكتاب في مدى قدرة نظرية الفصل بين السلطات على العمل بفاعلية في الأنظمة السياسية الراهنة، في ظل التداخل بين القانون والسياسة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في العملية التشريعية. ومن هنا تعتمد الهباهبة مقاربة نقدية ومقارنة لتفكيك الأطر النظرية القائمة، وتحليل الهيكليات القانونية والتشريعية المختلفة، وصولاً إلى تصور تشريعي مقترح.

ويعيد الكتاب تتبع جذور فكرة توزيع وظائف الدولة، من الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وصولاً إلى مونتسكيو الذي بلور الصياغة الأشهر لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تتولى السلطة التشريعية سنّ القوانين، وتتولى السلطة التنفيذية إنفاذها، في حين تضطلع السلطة القضائية بإقامة العدالة. ولا يتوقف البحث عند هذا التأسيس، بل يتابع تطور الفكرة في مدارس فلسفة القانون والمذاهب النفعية والواقعية والوضعية. وترى المؤلفة أن الفصل بين السلطات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد توزيع وظيفي لمهام الدولة، بل بوصفه ضرورة فلسفية وأخلاقية لحماية الحرية وضمان شرعية التشريع. فتركيز السلطة، وفق الطرح الذي يقدمه الكتاب، يهدد الحرية ويفرِغ القانون من مضمونه، في حين يتيح التوازن بين السلطات قيام منظومة أكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات.

وتتوسع الدراسة في بحث الفجوة بين النظرية والتطبيق، متوقفة عند احتمالات التحيز السياسي في العملية التشريعية، وتأثير المصالح والاصطفافات في صياغة القوانين، وما يمكن أن ينتج من ذلك من اختلال في البنية القانونية. ومن ثم لا تكتفي بتقييم مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما تسعى إلى اختبار قدرته على إنتاج قواعد قانونية ناجعة في الواقع السياسي والمؤسسي.


سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي
TT

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي

(إلى الكبير محمد العلي في أبديته)

هي والقصيدةُ حيث كنْتَا

هي والقصيدةُ عمرُكَ المكتوبُ في أوراق ذاكرةٍ

ملأتَ جرارَها بصداكَ حتَّا

فاضتْ بها أشواطُ أحْرفِكَ التي

أخذتْكَ نحو مدائنِ العشَّاقِ فانْشطرَتْ بها شفتاكَ

بين مرافئِ الكلماتِ والقُبلاتِ

لكن ما برحْتَا

تُملي فتكتُبكَ السنينُ مفازةً

تعبَ الحُداةُ وهم يجُوبونَ القصائدَ

ربما انْتجعوكَ بيتَا

يا سيِّدَ النايات

يا ابنَ نبوءةِ الشجرِ المُحرَّز بالرياحِ

متى تماثلَ سردُه للبوحِ

محْمولًا بأطرافِ الحكاياتِ انْعتَقْتا

يا سيِّدَ الأقداحِ

منذُ سُلالةِ الماء الذي أرْخى أعِنَّتهُ

فغادرَ في شُقوقِ الغيْم

مُنتظرًا لأرضٍ لم تُضاجعْها الخُطى يومًا

فكيف عرفتَ أنَّ الدربَ لم يعرفْ ظلالكَ حين عدتَا

يا أيُّها العَرَّافُ

كم حجرًا لنردِكَ ضلَّ وجهتَه فعادَ

وما رميتَا؟

---------------

* شاعر سعودي.