أميمة الخميس: السرد أرض أنثوية بامتياز

أول كاتبة سعودية تفوز بجائزة «نجيب محفوظ» للرواية

أميمة الخميس تتسلم الجائزة من رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة
أميمة الخميس تتسلم الجائزة من رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة
TT

أميمة الخميس: السرد أرض أنثوية بامتياز

أميمة الخميس تتسلم الجائزة من رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة
أميمة الخميس تتسلم الجائزة من رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة

فازت الكاتبة السعودية أميمة الخميس قبل أيام بجائزة «نجيب محفوظ» للأدب، التي تمنحها سنوياً الجامعة الأميركية بالقاهرة في يوم ميلاد صاحب نوبل؛ في الـ11 من هذا الشهر، وذلك عن روايتها «مسرى الغرانيق في مدن العقيق»، الصادرة عن «دار الساقي»، وبذلك تكون أول سعودية تحصل على هذه الجائزة.
ولدت أميمة الخميس في الرياض لأسرة أدبية، ودرست الأدب العربي في جامعة الملك سعود، واللغة الإنجليزية في جامعة واشنطن. وكانت أول أعمالها الروائية «البحريات»، ثم «الوارفة» التي ترشحت للقائمة الطويلة للبوكر العربية 2010. وثالث رواياتها «زيارة سجى».
وهنا حوار معها عن روايتها الفائزة، وتجربتها الروائية:
> بداية... ماذا تعني لك جائزة «نجيب محفوظ» للأدب؟
- تعني لي الكثير، خصوصاً أنني أول سعودية تحصل عليها، كما أن تجربة المرأة السعودية كانت متوارية، ولا ينظر لها بكثير من الاهتمام، وأن تأتي هذه الجائزة من لجنة مرموقة على مستوى العالم العربي فهو أمر عظيم، لا سيما علاقتي بنجيب محفوظ، كأب روحي لي بأعماله التي رافقتني من بواكير رحلتي إلى عالم الأدب، هو «سيزيف» الرواية الذي ظل حاملاً إياها إلى القمة، ولم يتوقف.
> من المعروف أنك بدأت بالشعر... كيف انتقلت إلى الرواية؟
- من بواكير الطفولة، كان الهاجس الأدبي حاضراً بقوة؛ بدأت تجربتي ببعض الكلمات والمفردات والجمل؛ اكتشفت لاحقاً أنها ما يسمى «المغامرة الإبداعية»، بدأت بالشعر لكنني وجدتها تجربة ثقيلة في ظل مجتمع محافظ أن تمارس امرأة البوح، هذه التجربة جعلتني أجفل منها، فتجاوزتها لمرحلة السرد، كأن السرد عملية احتيال، لأني أضع على ألسن الشخوص والأحداث ما أود أن أقوله. أعتبر السرد أرضاً أنثوية بامتياز.
> عدت إلى التاريخ في روايتك الفائزة (مسرى الغرانيق)... ما الضرورة التي دفعتك لذلك؟
- كتبت 3 روايات من قبل لم تكن تاريخية تماماً، لكن «مسرى الغرانيق» أول رواية تاريخية لي، وقد تطلب ذلك جهداً مضاعفاً، لأنك تحتاجين للتوثيق، ويرادفها الكتابة الأدبية، هذا الجهد المركب أخذ مني أربع سنوات. وكانت تحضرني دائماً مقولة الجاحظ: «اكتب كأنك تكتب لأعدائك». اكتشفت أننا في عالمنا العربي نعيش داخل دائرة تاريخية لا نستطيع أن نكسرها ونخرج منها، فمن بواكير القرن الرابع الهجري - التاسع الميلادي، الذي تدور فيه أحداث الرواية، كانت مرحلة تسمى «زبدة الحقب»، التي اكتملت بها التجربة الفكرية والثقافية في العالم الإسلامي آنذاك؛ التيارات العقلانية كانت متنوعة، مثل: المعتزلة وإخوان الصفا، ونضوج واكتمال المذاهب الفكرية الأربعة التي أتت نتيجة عملية فكرية كبيرة وكم هائل من الترجمات وكتب الفلاسفة الإغريق والسريان، كل هذا أثرى الفضاء الفكري لتلك المرحلة، ورفع أسقف النقاش، وبدأ ذلك يؤثر على المنتج الأدبي، وبالتالي أسهم العرب في نهضة الحضارة الأوروبية، وبدأ عندي السؤال الذي تحمله الرواية: أين ذهب هذا الزخم والقوة التي كانت تميز الحضارة العربية؟
> ماذا قصدت بالغرانيق؟
- الغرنوق هو طائر مائي جميل يأخذ بعداً خيالياً وأسطورياً، وهو رمز للخصب، وله رمز إيجابي جميل في ثقافة الصحراء. وقد أردت هذا العنوان المسجى كعناوين الكتب في تلك الحقبة. وأرمز بالغرانيق لحملة العقل وفضاءات الأسئلة التي كانت تتنقل في مدن العقيق، ورمزية اللون الأحمر تشير إلى تلك الحقبة التي اختلط فيها الغضب والدماء، حين كانت المدن العربية آنذاك تغلي بأسئلة العقل.
> «مزيد الحنفي» بطل الرواية انطلق من منطقة اليمامة وجاب الحواضر العربية المزدهرة من بغداد إلى القدس إلى القاهرة الفاطمية وصولاً إلى الأندلس... عن أي حقيقة كان يبحث؟
- الحنفي يتنسب لقبيلة بني حنيفة، وهو شخصية متخيلة. كانت رحلته رحلة العقل الذي لا يكتفي بالأجوبة الجاهزة. في كل ثقافة أسئلة تفرضها الثقافة السلطوية، وغالباً ما يكسر المفكر والفيلسوف والمبدع نمط هذه الأسئلة الجاهزة، ويخوض في هموم المعرفة؛ هذا كان الأمر الذي يستحوذ عليه بداية من رحلته من مدينة نجد قبل الجزيرة العربية، تلك المدينة المغفلة تاريخياً كانت ثرية بالتجربة الإبداعية؛ خرج منها جميع شعراء المعلقات، وجميع شعراء العصر الأموي، وكثير من شعراء العصر العباسي، لكنها همشت وأغفلت، وقد حاولت أن أسترجع هذه المنطقة.
الأمر الآخر كان في تنقله؛ لم يكن يكتفي بهذه الأجوبة الجاهزة، بل حاول البحث عن جوابه الخاص، لا سيما أنه كان عضواً في جماعة سرية مهمتها توزيع كتب الفلاسفة على العالم العربي، بحيث لا تندثر هذه التجربة.
> هل تعتقدين أنه بتراجع الفلسفة الآن تراجع الإبداع؟
- الفلسفة هي الأب الروحي للعقل، هي التي صنعته، الشرارة التي انطلقت منها الشرارة العلمية في العصر الحديث. باختصار، هي السؤال، ومحاولة تفسير الكون، وعدم الاكتفاء بالتفسير الأحادي، بل مغامرة متعددة لا متناهية. قبل ألف عام من الآن، كان هناك تبرعم لأسئلة فلسفية فكرية هائلة، الكندي وابن رشد، ومن غير العرب ابن سينا والفارابي، ولكن ما زلنا إلى الآن نعاني تغييب الفلسفة.
> كان هناك حضور لشخصيات تاريخية حقيقية في الرواية؟
- نعم بالفعل. كان ابن الهيثم حاضراً في الرواية، والخليفة الواثق بالله، والحاكم بأمر الله الفاطمي كان حاضراً؛ كانت مراوحة بين التاريخي الحقيقي والخيال الروائي.
> وماذا عن بقية شخوص «مسرى الغرانيق في مدن العقيق»؟
- «أناهيد الفارسية» كانت جارية في بغداد، وكان لها حضور في حياة مزيد الحنفي، واستلبت عقله، وكان لها دور في سوقه إلى نهاية عجائبية. شخصية «حمدونة المرية» تعكس المرأة القوية العربية التاجرة التي تفرض نفسها بقوة، أما «عمرو القيسي» فهو الفيلسوف الذي غادر بغداد عندما حوصرت تجربته، وانتقل إلى القدس، وحاول أن يؤسس لتجربة عقلانية، لكنها لم تجد طريقها إلى النور.
> أحياناً تتمرد الشخصية الروائية على مبتكرها... هل صادفت ذلك مع إحدى شخصياتك؟
- لم أصادف ذلك في «مسرى الغرانيق»، لكن في رواية «زيارة سجى»، كنت أخطط لمسار معين في الرواية، ولكن في لحظة ما وجدت الشخصيات تأبى وترفض أن تدخل إلى النص؛ أصبحت الشخصيات تكتب سيرتها الخاصة. «مسرى الغرانيق» كانت تكتب بسلاسة؛ كنت أغرف من المادة التاريخية، وأسكب على الورق، كانت الشخصيات أكثر مطاوعة وشوقاً إلى الكلام.
> ماذا عن السبع وصايا التي حملها مزيد الحنفي؟
- «السبع وصايا» كانت جزءاً من تجربة انضمامه لجماعة الغرانيق السرية العاملة تحت الأرض، لأنها كانت محاصرة من قبل السلطات النصوصية في تلك الفترة التي حاولت فيها الحفاظ على جذوة الحضور الفكري والعربي، لكن المفارقة أن الوصية السابعة كانت تطلب من مزيد الحنفي أن يحرق هذه الوصايا، وكأنه يتحدى كل التعاليم، لأن تجربة الإنسان الفكرية أكبر من التعاليم، وأنه سيكون في حالة تبدل وتغير مستمر، كما قال فيثاغورس: «الشيء الوحيد الثابت هو التبدل المستمر».
> في ورش الكتابة الأدبية يقولون: «اكتب ما تعرف... اكتب عن نفسك»... هل حدث ذلك معك في روايتك الأولى «البحريات»؟
- الرواية الأولى دائماً تحمل جزءاً كبيراً من الكاتب، لكن عندما تنضج أدواتك السردية، تستقلين وتنفصلين عن تجربتك الذاتية. وهذا حدث معي في رواية «البحريات».
> برأيك، من هو المبدع؟
- هو الذي يؤمن بأن الجمال فيه ترياق لسموم هذا العالم؛ الإبداع والفنون هي التي تأخذنا من البدائي والمتوحش بداخل الإنسان نحو الجميل والسامي والخالد، مهمة الإبداع أن يحلق نحو الإنساني، وليس أن يكون محملاً بآيديولوجيات معينة.
> هناك الآن حضور قوي للإبداع الخليجي... ما سر ذلك؟
- أعتقد أن هناك تجربة تستحق الالتفات لها، وقد استطاعت أن تثبت حضورها على المستوى العربي والعالمي، وأن الخليج لم يعد الخليج المستهلك للثقافة، بل المنتج لها. التعليم عندنا في السعودية عمره 50 عاماً فقط، لكن المرأة السعودية حققت ذاتها، وأصبحت تكتب وتنتج تجارب أدبية مهمة.
> ولكن هل أخذت الكاتبة السعودية حقها أدبياً ونقدياً؟
- هناك عملية احتواء بالفعل، ولكن الكاتبة في العالم العربي عليها أن تخوض معركتها وحيدة؛ لن يعطيها أحد القلم الذهبي لتكتب.
> قلت عن نجيب محفوظ «كبيرنا الذي علمنا السحر»... من هي ملهمتك من الكاتبات؟
- أعشق إيزابيل الليندي، فالأدب اللاتيني هو أدب رائع مدهش، فيه حرارة السامبا، وبه أشواق غامضة للغابات الأمازونية. تجربة كسرت نمطية ومركزية الثقافة الأوروبية، وأدخلتنا لعوالم مدهشة. أعتبر الليندي من أمهاتي الروحيات. أيضاً أنا مأخوذة بلغة غادة السمان، ودورها كان كبيراً في إثراء تجربتي. وبشكل عام، أنا قارئة نهمة (دودة كتب)، ولدينا نادي كتاب مع صديقات حميمات نناقش كتابين في الشهر.
> برأيك، من هو الحاضن الأول للإبداع... هل هي الأسرة أم المجتمع؟
- أعتبر الأسرة هي الحاضن الأول، ولها الفضل الكبير في تكويني، وأيضاً الفضاء العام بالسعودية الآن مشجع تماماً، لا سيما مع إعلان «رؤية 2030»، فالثقافة أصبحت أحد الركائز والأعمدة التي تقوم عليها تنمية الإنسان. وهذه الرؤية تؤمن بأن الفنون والآداب يمكن أن تخلص الإنسان من كل التوحش والظلمة بداخله. الثقافة ترياق نحمي بها الأجيال القادمة من سموم التعصب.
> كيف تمضين يومك؟
- كنت أعمل مديرة الإعلام التربوي في وزارة التربية والتعليم، لكن توقفت عن العمل، وعرفت أن الكتابة لا بد أن تكون سيدة البلاط، وألا يشاركها شيء. أصبحت ألتزم بمعسكر الاستيقاظ في الصباح المبكر؛ أعطي الكتابة نشاطي الصباحي وتوهجي، ووقتها مقدس. أما باقي اليوم، فيتوزع بين العائلة والقراءة. وأحب ممارسة الرياضة الصباحية قبل الكتابة؛ لا بد أن تمنحي الكتابة وقتاً كي تعطيك.
> ما الخطوة المقبلة في مسيرة أميمة الخميس الأدبية؟
- بين يدي عمل تاريخي، لكنه مجرد خطوط عريضة وأفكار أعطيها الوقت والمساحة لتنضج على مهل.



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».