أميمة الخميس: السرد أرض أنثوية بامتياز

أول كاتبة سعودية تفوز بجائزة «نجيب محفوظ» للرواية

أميمة الخميس تتسلم الجائزة من رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة
أميمة الخميس تتسلم الجائزة من رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة
TT

أميمة الخميس: السرد أرض أنثوية بامتياز

أميمة الخميس تتسلم الجائزة من رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة
أميمة الخميس تتسلم الجائزة من رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة

فازت الكاتبة السعودية أميمة الخميس قبل أيام بجائزة «نجيب محفوظ» للأدب، التي تمنحها سنوياً الجامعة الأميركية بالقاهرة في يوم ميلاد صاحب نوبل؛ في الـ11 من هذا الشهر، وذلك عن روايتها «مسرى الغرانيق في مدن العقيق»، الصادرة عن «دار الساقي»، وبذلك تكون أول سعودية تحصل على هذه الجائزة.
ولدت أميمة الخميس في الرياض لأسرة أدبية، ودرست الأدب العربي في جامعة الملك سعود، واللغة الإنجليزية في جامعة واشنطن. وكانت أول أعمالها الروائية «البحريات»، ثم «الوارفة» التي ترشحت للقائمة الطويلة للبوكر العربية 2010. وثالث رواياتها «زيارة سجى».
وهنا حوار معها عن روايتها الفائزة، وتجربتها الروائية:
> بداية... ماذا تعني لك جائزة «نجيب محفوظ» للأدب؟
- تعني لي الكثير، خصوصاً أنني أول سعودية تحصل عليها، كما أن تجربة المرأة السعودية كانت متوارية، ولا ينظر لها بكثير من الاهتمام، وأن تأتي هذه الجائزة من لجنة مرموقة على مستوى العالم العربي فهو أمر عظيم، لا سيما علاقتي بنجيب محفوظ، كأب روحي لي بأعماله التي رافقتني من بواكير رحلتي إلى عالم الأدب، هو «سيزيف» الرواية الذي ظل حاملاً إياها إلى القمة، ولم يتوقف.
> من المعروف أنك بدأت بالشعر... كيف انتقلت إلى الرواية؟
- من بواكير الطفولة، كان الهاجس الأدبي حاضراً بقوة؛ بدأت تجربتي ببعض الكلمات والمفردات والجمل؛ اكتشفت لاحقاً أنها ما يسمى «المغامرة الإبداعية»، بدأت بالشعر لكنني وجدتها تجربة ثقيلة في ظل مجتمع محافظ أن تمارس امرأة البوح، هذه التجربة جعلتني أجفل منها، فتجاوزتها لمرحلة السرد، كأن السرد عملية احتيال، لأني أضع على ألسن الشخوص والأحداث ما أود أن أقوله. أعتبر السرد أرضاً أنثوية بامتياز.
> عدت إلى التاريخ في روايتك الفائزة (مسرى الغرانيق)... ما الضرورة التي دفعتك لذلك؟
- كتبت 3 روايات من قبل لم تكن تاريخية تماماً، لكن «مسرى الغرانيق» أول رواية تاريخية لي، وقد تطلب ذلك جهداً مضاعفاً، لأنك تحتاجين للتوثيق، ويرادفها الكتابة الأدبية، هذا الجهد المركب أخذ مني أربع سنوات. وكانت تحضرني دائماً مقولة الجاحظ: «اكتب كأنك تكتب لأعدائك». اكتشفت أننا في عالمنا العربي نعيش داخل دائرة تاريخية لا نستطيع أن نكسرها ونخرج منها، فمن بواكير القرن الرابع الهجري - التاسع الميلادي، الذي تدور فيه أحداث الرواية، كانت مرحلة تسمى «زبدة الحقب»، التي اكتملت بها التجربة الفكرية والثقافية في العالم الإسلامي آنذاك؛ التيارات العقلانية كانت متنوعة، مثل: المعتزلة وإخوان الصفا، ونضوج واكتمال المذاهب الفكرية الأربعة التي أتت نتيجة عملية فكرية كبيرة وكم هائل من الترجمات وكتب الفلاسفة الإغريق والسريان، كل هذا أثرى الفضاء الفكري لتلك المرحلة، ورفع أسقف النقاش، وبدأ ذلك يؤثر على المنتج الأدبي، وبالتالي أسهم العرب في نهضة الحضارة الأوروبية، وبدأ عندي السؤال الذي تحمله الرواية: أين ذهب هذا الزخم والقوة التي كانت تميز الحضارة العربية؟
> ماذا قصدت بالغرانيق؟
- الغرنوق هو طائر مائي جميل يأخذ بعداً خيالياً وأسطورياً، وهو رمز للخصب، وله رمز إيجابي جميل في ثقافة الصحراء. وقد أردت هذا العنوان المسجى كعناوين الكتب في تلك الحقبة. وأرمز بالغرانيق لحملة العقل وفضاءات الأسئلة التي كانت تتنقل في مدن العقيق، ورمزية اللون الأحمر تشير إلى تلك الحقبة التي اختلط فيها الغضب والدماء، حين كانت المدن العربية آنذاك تغلي بأسئلة العقل.
> «مزيد الحنفي» بطل الرواية انطلق من منطقة اليمامة وجاب الحواضر العربية المزدهرة من بغداد إلى القدس إلى القاهرة الفاطمية وصولاً إلى الأندلس... عن أي حقيقة كان يبحث؟
- الحنفي يتنسب لقبيلة بني حنيفة، وهو شخصية متخيلة. كانت رحلته رحلة العقل الذي لا يكتفي بالأجوبة الجاهزة. في كل ثقافة أسئلة تفرضها الثقافة السلطوية، وغالباً ما يكسر المفكر والفيلسوف والمبدع نمط هذه الأسئلة الجاهزة، ويخوض في هموم المعرفة؛ هذا كان الأمر الذي يستحوذ عليه بداية من رحلته من مدينة نجد قبل الجزيرة العربية، تلك المدينة المغفلة تاريخياً كانت ثرية بالتجربة الإبداعية؛ خرج منها جميع شعراء المعلقات، وجميع شعراء العصر الأموي، وكثير من شعراء العصر العباسي، لكنها همشت وأغفلت، وقد حاولت أن أسترجع هذه المنطقة.
الأمر الآخر كان في تنقله؛ لم يكن يكتفي بهذه الأجوبة الجاهزة، بل حاول البحث عن جوابه الخاص، لا سيما أنه كان عضواً في جماعة سرية مهمتها توزيع كتب الفلاسفة على العالم العربي، بحيث لا تندثر هذه التجربة.
> هل تعتقدين أنه بتراجع الفلسفة الآن تراجع الإبداع؟
- الفلسفة هي الأب الروحي للعقل، هي التي صنعته، الشرارة التي انطلقت منها الشرارة العلمية في العصر الحديث. باختصار، هي السؤال، ومحاولة تفسير الكون، وعدم الاكتفاء بالتفسير الأحادي، بل مغامرة متعددة لا متناهية. قبل ألف عام من الآن، كان هناك تبرعم لأسئلة فلسفية فكرية هائلة، الكندي وابن رشد، ومن غير العرب ابن سينا والفارابي، ولكن ما زلنا إلى الآن نعاني تغييب الفلسفة.
> كان هناك حضور لشخصيات تاريخية حقيقية في الرواية؟
- نعم بالفعل. كان ابن الهيثم حاضراً في الرواية، والخليفة الواثق بالله، والحاكم بأمر الله الفاطمي كان حاضراً؛ كانت مراوحة بين التاريخي الحقيقي والخيال الروائي.
> وماذا عن بقية شخوص «مسرى الغرانيق في مدن العقيق»؟
- «أناهيد الفارسية» كانت جارية في بغداد، وكان لها حضور في حياة مزيد الحنفي، واستلبت عقله، وكان لها دور في سوقه إلى نهاية عجائبية. شخصية «حمدونة المرية» تعكس المرأة القوية العربية التاجرة التي تفرض نفسها بقوة، أما «عمرو القيسي» فهو الفيلسوف الذي غادر بغداد عندما حوصرت تجربته، وانتقل إلى القدس، وحاول أن يؤسس لتجربة عقلانية، لكنها لم تجد طريقها إلى النور.
> أحياناً تتمرد الشخصية الروائية على مبتكرها... هل صادفت ذلك مع إحدى شخصياتك؟
- لم أصادف ذلك في «مسرى الغرانيق»، لكن في رواية «زيارة سجى»، كنت أخطط لمسار معين في الرواية، ولكن في لحظة ما وجدت الشخصيات تأبى وترفض أن تدخل إلى النص؛ أصبحت الشخصيات تكتب سيرتها الخاصة. «مسرى الغرانيق» كانت تكتب بسلاسة؛ كنت أغرف من المادة التاريخية، وأسكب على الورق، كانت الشخصيات أكثر مطاوعة وشوقاً إلى الكلام.
> ماذا عن السبع وصايا التي حملها مزيد الحنفي؟
- «السبع وصايا» كانت جزءاً من تجربة انضمامه لجماعة الغرانيق السرية العاملة تحت الأرض، لأنها كانت محاصرة من قبل السلطات النصوصية في تلك الفترة التي حاولت فيها الحفاظ على جذوة الحضور الفكري والعربي، لكن المفارقة أن الوصية السابعة كانت تطلب من مزيد الحنفي أن يحرق هذه الوصايا، وكأنه يتحدى كل التعاليم، لأن تجربة الإنسان الفكرية أكبر من التعاليم، وأنه سيكون في حالة تبدل وتغير مستمر، كما قال فيثاغورس: «الشيء الوحيد الثابت هو التبدل المستمر».
> في ورش الكتابة الأدبية يقولون: «اكتب ما تعرف... اكتب عن نفسك»... هل حدث ذلك معك في روايتك الأولى «البحريات»؟
- الرواية الأولى دائماً تحمل جزءاً كبيراً من الكاتب، لكن عندما تنضج أدواتك السردية، تستقلين وتنفصلين عن تجربتك الذاتية. وهذا حدث معي في رواية «البحريات».
> برأيك، من هو المبدع؟
- هو الذي يؤمن بأن الجمال فيه ترياق لسموم هذا العالم؛ الإبداع والفنون هي التي تأخذنا من البدائي والمتوحش بداخل الإنسان نحو الجميل والسامي والخالد، مهمة الإبداع أن يحلق نحو الإنساني، وليس أن يكون محملاً بآيديولوجيات معينة.
> هناك الآن حضور قوي للإبداع الخليجي... ما سر ذلك؟
- أعتقد أن هناك تجربة تستحق الالتفات لها، وقد استطاعت أن تثبت حضورها على المستوى العربي والعالمي، وأن الخليج لم يعد الخليج المستهلك للثقافة، بل المنتج لها. التعليم عندنا في السعودية عمره 50 عاماً فقط، لكن المرأة السعودية حققت ذاتها، وأصبحت تكتب وتنتج تجارب أدبية مهمة.
> ولكن هل أخذت الكاتبة السعودية حقها أدبياً ونقدياً؟
- هناك عملية احتواء بالفعل، ولكن الكاتبة في العالم العربي عليها أن تخوض معركتها وحيدة؛ لن يعطيها أحد القلم الذهبي لتكتب.
> قلت عن نجيب محفوظ «كبيرنا الذي علمنا السحر»... من هي ملهمتك من الكاتبات؟
- أعشق إيزابيل الليندي، فالأدب اللاتيني هو أدب رائع مدهش، فيه حرارة السامبا، وبه أشواق غامضة للغابات الأمازونية. تجربة كسرت نمطية ومركزية الثقافة الأوروبية، وأدخلتنا لعوالم مدهشة. أعتبر الليندي من أمهاتي الروحيات. أيضاً أنا مأخوذة بلغة غادة السمان، ودورها كان كبيراً في إثراء تجربتي. وبشكل عام، أنا قارئة نهمة (دودة كتب)، ولدينا نادي كتاب مع صديقات حميمات نناقش كتابين في الشهر.
> برأيك، من هو الحاضن الأول للإبداع... هل هي الأسرة أم المجتمع؟
- أعتبر الأسرة هي الحاضن الأول، ولها الفضل الكبير في تكويني، وأيضاً الفضاء العام بالسعودية الآن مشجع تماماً، لا سيما مع إعلان «رؤية 2030»، فالثقافة أصبحت أحد الركائز والأعمدة التي تقوم عليها تنمية الإنسان. وهذه الرؤية تؤمن بأن الفنون والآداب يمكن أن تخلص الإنسان من كل التوحش والظلمة بداخله. الثقافة ترياق نحمي بها الأجيال القادمة من سموم التعصب.
> كيف تمضين يومك؟
- كنت أعمل مديرة الإعلام التربوي في وزارة التربية والتعليم، لكن توقفت عن العمل، وعرفت أن الكتابة لا بد أن تكون سيدة البلاط، وألا يشاركها شيء. أصبحت ألتزم بمعسكر الاستيقاظ في الصباح المبكر؛ أعطي الكتابة نشاطي الصباحي وتوهجي، ووقتها مقدس. أما باقي اليوم، فيتوزع بين العائلة والقراءة. وأحب ممارسة الرياضة الصباحية قبل الكتابة؛ لا بد أن تمنحي الكتابة وقتاً كي تعطيك.
> ما الخطوة المقبلة في مسيرة أميمة الخميس الأدبية؟
- بين يدي عمل تاريخي، لكنه مجرد خطوط عريضة وأفكار أعطيها الوقت والمساحة لتنضج على مهل.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.