«الصحة العالمية» تحذر من خروج وباء إيبولا عن نطاق السيطرة

قمة للدول الأفريقية الأكثر تضررا إغلاق المدارس والأسواق ووضع قرى في الحجر الصحي

عامل تنظيف يرش مادة مطهرة على محتويات مكتب في محاولة لمنع انتشار فيروس إيبولا في مبنى حكومي بالعاصمة الليبيرية مونروفيا أمس (أ.ب)
عامل تنظيف يرش مادة مطهرة على محتويات مكتب في محاولة لمنع انتشار فيروس إيبولا في مبنى حكومي بالعاصمة الليبيرية مونروفيا أمس (أ.ب)
TT

«الصحة العالمية» تحذر من خروج وباء إيبولا عن نطاق السيطرة

عامل تنظيف يرش مادة مطهرة على محتويات مكتب في محاولة لمنع انتشار فيروس إيبولا في مبنى حكومي بالعاصمة الليبيرية مونروفيا أمس (أ.ب)
عامل تنظيف يرش مادة مطهرة على محتويات مكتب في محاولة لمنع انتشار فيروس إيبولا في مبنى حكومي بالعاصمة الليبيرية مونروفيا أمس (أ.ب)

انتقلت التعبئة الهادفة لمكافحة وباء الإيبولا أمس إلى مرحلة جديدة مع انعقاد قمة في كوناكري شارك فيها رؤساء البلدان الثلاثة المتضررة، غينيا وليبيريا وسيراليون، إضافة إلى ساحل العاج ومنظمة الصحة العالمية. وكان الهدف من القمة إطلاق خطة من أجل مكافحة هذه الحمى النزفية التي حصدت أكثر من 700 ضحية.
وأعلنت مديرة منظمة الصحة العالمية مارغريت تشان أمام القادة المجتمعين في كوناكري أمس أن تفشي الإيبولا في غرب أفريقيا قد خرج عن نطاق السيطرة، إلا أنه لا يزال بالإمكان وقفه. وتابعت تشان أنه «يتعين على هذا الاجتماع أن يمثل نقطة تحول في مواجهة انتشار المرض». وشددت على أن المرض «ينتشر بسرعة أكبر من جهودنا الهادفة للقضاء عليه، وإذا استمر تدهور الوضع فإن العواقب ستكون كارثية فيما يتعلق بإزهاق الأرواح، كما أنه ينطوي على خلل اجتماعي واقتصادي شديد وتزايد خطر انتشار المرض إلى دول أخرى».
وأعلنت منظمة الصحة العالمية دعما ماليا قيمته 100 مليون دولار للخطة التي أطلقها قادة البلدان المعنية في قمة كوناكري. وبررت الدكتور تشان هذه «الزيادة في الموارد» بـ«تفشي الوباء»، موضحة أن هذه الخطة تهدف إلى إرسال «مئات» من العاملين الإضافيين في المجال الإنساني لدعم مئات موجودين على الأرض ومن بينهم 120 موظفا في منظمة الصحة العالمية.
ورأت الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف أثناء وصولها للقمة في العاصمة الغينية أن الوضع في بلدها «خطير جدا جدا، ويقترب من الكارثة». وقالت إنها «ليست مشكلة ليبيرية ولا غينية. إنها مشكلة دولية»، موضحة أنه بات على الليبيريين أن يعرفوا «أنها مشكلة قاتلة، وأن يبدأوا التحرك الآن».
وبعد سبعة أشهر من انتشار الحمى النزفية التي أسفرت حتى 27 يوليو (تموز) الماضي عن 729 ضحية (339 في غينيا و233 في سيراليون و156 في ليبيريا وواحد في نيجيريا)، كما أفادت الحصيلة الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية، اتخذت سيراليون وليبيريا تدابير صحية مشددة. وتأكدت 485 إصابة بإيبولا من أصل 729 وفاة أحصتها منظمة الصحة العالمية.
ولمواجهة خطر تمدد هذا الوباء خارج غرب أفريقيا، أعلنت شركة طيران الإمارات تعليق رحلاتها إلى غينيا اعتبارا من اليوم السبت حتى إشعار آخر، متذرعة بـ«سلامة المسافرين والأطقم». كما أعلنت وزارة العمل اللبنانية أمس تعليق رخص العمل لرعايا سيراليون وغينيا وليبيريا. وجاء في بيان للوزارة نشرته الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية: «حرصا على السلامة العامة وتماشيا مع الإجراءات المطلوب اتخاذها منعا لتفشي مرض إيبولا، تتوقف الوحدات المعنية في وزارة العمل عن استقبال طلبات الموافقة المبدئية والموافقة المسبقة العائدة لرعايا الدول الأفريقية الآتية: سيراليون، غينيا وليبيريا». وأكد مصدر في الوزارة أن الخطوة «تدبير وقائي»، مؤكدا أن عدد رعايا هذه الدول الذين يأتون للعمل في لبنان «نادر».
وتزايد القلق من تفشٍّ عالمي للوباء، على أثر وفاة أول مسافر على طائرة وهو ليبيري في 25 يوليو (تموز) الماضي بلاغوس بعد مروره بلومي.
وأعلنت مراكز مراقبة الأمراض والوقاية الأميركية عن رفع درجة التهديد الناجم عن مخاطر الإصابة بالإيبولا إلى الدرجة الثالثة وهي أقصى درجات الخطر، رغم تأكيدها على أنها لا تتوقع أن تصل عدواه إلى الولايات المتحدة. وأضافت أنها سترسل 50 من الاختصاصيين في الأمراض المعدية إلى المناطق التي شهدت انتشار الوباء للمساعدة في رصد الحالات المصابة، خصوصا بين مسافري الخطوط الجوية، كما طلبت من المواطنين الأميركيين عدم زيارة الدول التي تفشى فيها الوباء. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن توم فريدن مدير المراكز قوله إن «هذا الفيروس مأساوي، ومؤلم، وبشع. إنه لا يرحم أحدا». ويتوقع أن يعالج مريض، لم تكشف عن هويته أصيب في أفريقيا، في مستشفى جامعة إيموري الأميركية، وهي أول معالجة من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة. وحذر فريدن من أن الموجة الوبائية الحالية للإيبولا ستستمر بين ثلاثة أشهر وستة أشهر في الأقل وعلى أفضل تقدير.
وأوصت السلطتان الأميركية والألمانية أول من أمس رعاياهما بالعدول عن السفر إلى البلدان الأفريقية الثلاثة التي تفشى فيها الوباء. وأضافت إليها فرنسا نيجيريا التي أعلنت أول من أمس أنها وضعت شخصين في الحجر الصحي لأنهما كانا على اتصال وثيق بالضحية، وأن 69 شخصا يخضعون للمراقبة الطبية.
ولمواجهة الأزمة، عدل الرئيس السيراليوني إرنست باي كوروما ونظيرته الليبيرية سيرليف عن الذهاب إلى القمة الأفريقية - الأميركية المرتقبة الأسبوع المقبل في واشنطن وأعلنا عن تدابير جذرية جديدة. وأعلن كوروما الذي تحدث عن «تحد استثنائي» أول من أمس «حالة الطوارئ التي تتيح لنا اتخاذ تدابير صارمة» خلال 60 إلى 90 يوما، قابلة للتمديد على الأرجح.
وعدد مجموعة من الإجراءات منها وضع بؤر إيبولا في الحجر الصحي، ومواكبة قوات الأمن للعاملين في المجال الصحي والقيام بعمليات دهم للكشف عن المرضى المحتملين. وكانت نظيرته الليبيرية أمرت بإغلاق «كل المدارس» و«كل الأسواق في المناطق الحدودية». وأعلنت سيرليف أيضا وضع بعض القرى في الحجر الصحي، «على أن يقتصر الوصول إليها على موظفي الأجهزة الصحية».
وعلق الرئيس السيراليوني أيضا كل الاجتماعات العامة باستثناء تلك المخصصة للوباء وصرف البرلمان. وبالطريقة نفسها في ليبيريا، منحت الرئيسة «جميع الموظفين غير الأساسيين» في القطاع العام «إجازة إلزامية لمدة 30 يوما» وقررت جعل الجمعة «يوم عطلة لتطهير المباني الرسمية».
واتخذت بلدان في أفريقيا الوسطى والشرقية تدابير وقائية أيضا. وأعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية تدابير صحية جديدة وألغت جزر سيشل مباراة كرة قدم مع سيراليون كانت مقررة أمس. وأكدت كينيا وإثيوبيا اللتان تشغلان اثنين من أكبر المطارات في أفريقيا، تشديد إجراءاتهما. وقالت أوغندا التي واجهت وباء إيبولا في السنوات الماضية، إنها في حالة استنفار، وأعلنت تنزانيا أنها اتخذت «تدابير وقائية».
وعزا الطبيب البلجيكي بيتر بيو الذي شارك في اكتشاف الفيروس في عام 1976 في زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية في الوقت الراهن) الصعوبات في وقف الوباء، إلى خروج سيراليون وليبيريا أخيرا «من حرب أهلية استمرت عقودا». وقال إن «ليبيريا وسيراليون تحاولان الآن إعادة إعمار ما هدمته الحرب، لذلك فالثقة مفقودة تماما في السلطات، وهذا يفسر، كما أعتقد، إضافة إلى الفقر وضعف الأجهزة الصحية، سبب انتشار هذا الوباء الكبير الذي نواجهه».
ويؤدي الوباء إلى حصول نزف وقيء وإسهال. ويمكن أن تصل نسبة الوفاة بسبب هذه الحمى إلى ما بين 25 و90 في المائة. ونتيجة لانتفاء أي لقاح مضاد له فإن الفيروس يتكاثر بسرعة مسببا فشلا في عمل الكثير من أعضاء الجسم، وفي هذه الموجة الوبائية توفي ستة من كل عشرة أشخاص. والجانب السيئ للوباء هي تفشيه هذه المرة في المناطق الحضرية المزدحمة بدلا عن المناطق الريفية كما كان يحدث في السابق. ويقول توم فريدن إن أي لقاح مضاد للإيبولا لن ينجز قبل مرور عام من الآن. ويواصل العلماء أبحاثهم لصنع مثل هذا اللقاح المضاد ويتوقع أن تبدأ أولى التجارب على البشر في سبتمبر (أيلول) المقبل، وفقا لما قاله أنتوني فاوسي مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية. وقد طورت حتى اليوم وسيلة علاجية انتهى العلماء من دراستها على الحيوانات، تسمى «تداخل حمض (آر إن إيه) الريبي»، التي توظف فيها خلايا هذا الحمض بهدف إيقاف الحمض النووي المنقوص الأوكسجين (دي إن إيه) للفيروس من إنتاج البروتينات، وبالتالي منع تكاثر الفيروس. وأظهر المركب الذي يستخدم هذه الوسيلة واسمه «تي كيه إم - إيبولا» TKM - Ebola حماية للقرود خلال 30 دقيقة من حقنها بالفيروس، إلا أن دراسات السلامة على البشر قد توقفت لحين التأكد من تأثيرات العقار، وفقا لمجلة «نيوساينتست» البريطانية. والوسيلة الثانية لمكافحة الفيروس تتمثل في تعطيل إنزيمات الفيروس، وخنقه تماما. وتجرى اختبارات حاليا على قدرات مركب «بي سي إكس 4430» يجرب على الحيوانات المصابة بالفيروس.
إلا أن اللقاحات هي أفضل المضادات، وقد طور فيروس التهاب الفم الحويصلي VSV تم تعديله جينيا بحيث توضع على سطحه بروتينات من فيروس «إيبولا» لكي تحفز جهاز المناعة في الجسم على التعرف على الإيبولا ما يؤدي إلى توليد أجسام مضادة لمكافحته. ولا يزال اللقاح في طور التجارب على الحيوانات. وقد اختبر هذا اللقاح عام 2009 على باحثة ألمانية وخزت إصبعها بإبرة كانت تحمل فيروس الإيبولا، ثم نجت منه، ولكن لم يعرف إن كان قد لعب دورا رئيسا في نجاتها أم لا.



إثيوبيا: قوات تيغراي تسيطر على مطار ميكيلي... ومواجهات مع الجيش الفيدرالي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

إثيوبيا: قوات تيغراي تسيطر على مطار ميكيلي... ومواجهات مع الجيش الفيدرالي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

سيطر المتمرّدون في تيغراي في شمال إثيوبيا على مطار عاصمة الإقليم، وفق ما أفادت مصادر أمنية ومحلية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، في وقت تتصاعد التوترات مع الحكومة الفيدرالية، وبعد أيام من انضمام جبهة تحرير شعب تيغراي إلى تحالف جديد يضم جماعات مسلحة مناهضة للحكومة من جميع أنحاء البلاد.

وقال موظف في مطار ألولا أبا نيغا بالعاصمة ميكيلي: «بينما كنّا في طريقنا إلى المطار للعمل، اتصل مُشرفنا بالسائق وأخبره بأنّ قوات تيغراي سيطرت على المطار. ونظراً لعدم وجود رحلات جوية، طُلب منا العودة إلى منازلنا». وأكد مصدر أمني في سفارة غربية هذه المعلومات.

معارك في إقليم عفر

إلى ذلك، أفاد مصدران إغاثيان «وكالة الصحافة الفرنسية» باندلاع معارك في إقليم عفر الإثيوبي بين الجيش الفيدرالي وقوات إقليم تيغراي المجاور. وأوضح مصدر إغاثي في عفر طلب عدم ذكر اسمه أنّ «قوات تيغراي تخوض مواجهات مع الجيش الفيدرالي منذ الليلة الماضية في أبالا وإيربتي»، وهما بلدتان في عفر قريبتان من الحدود مع تيغراي.

وشهدت إثيوبيا حرباً دامية من العام 2020 إلى العام 2022 بين القوّات الفدرالية ومتمرّدي جبهة تحرير شعب تيغراي أودت بحياة 600 ألف شخص على الأقلّ، بحسب الاتحاد الإفريقي. وأثارت الاشتباكات المتفرّقة في الأشهر الأخيرة مخاوف من عودة الحرب.

وأظهر موقع «فلايت رادار» لتتبع حركة الطيران، أنّ رحلة صباح الأربعاء بين ميكيلي والعاصمة الفدرالية أديس أبابا أُلغيت.

من جانبها، قالت الخطوط الجوية الإثيوبية الأربعاء إنها ​علقت رحلاتها إلى ثلاثة مطارات في إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا. وذكرت الشركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن تعليق الرحلات إلى ميكيلي، ‌عاصمة الإقليم، ‌ومدينتي شاير ​وأكسوم ‌جاء ⁠بسبب «الوضع الراهن ​في إقليم ⁠تيغراي»، دون الإدلاء بتفاصيل أخرى، وفق «رويترز».

تحالف مسلح ضد حكومي آبي أحمد

يأتي هذا التطور بعد أيام من إعلان نائب رئيس سلطات المتمردين في تيغراي أن الجماعات المسلحة الرئيسية في إثيوبيا، بما فيها تلك الناشطة بأقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا، شكّلت تحالفاً بهدف «الإطاحة» بالحكومة الفيدرالية، و«تسهيل إقامة حكومة انتقالية».

وصرّح نائب رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي أمانويل أسيفا، الأحد: «شكّلنا، للتوّ، تحالفاً ونحن نتعاون مع عدّة مجموعات، ويقضي هدفنا بالإطاحة بالحكومة وتسهيل إقامة حكومة انتقالية»، مشيراً إلى أن التحالف يضمّ سبعة تنظيمات مسلّحة؛ بينها قوّات تيغراي وقوميّو «فانو» في أمهرة وجيش تحرير أوروميا، وهي المجموعة التي تنشط في المنطقة ذات العدد الأكبر من السكان.

كما تشمل هذه المجموعة تحالفاً يضم جماعات مسلّحة من الولاية الصومالية وعفر وأوغادين وبني شنقول-قماز.

عناصر من «جبهة تحرير شعب تيغراي» يسيرون في خط واحد بميكيلي عاصمة الإقليم 30 يونيو 2021 (أ.ف.ب)

وأضاف أمانويل أسيفا: «نعتقد أننا سننجح، فنحن نناقش الأمر فيما بيننا منذ أكثر من عام»، مشيراً إلى أن زعيم «فانو» سيتولى قيادة التحالف.

من جانبه، أبدى شيتيل ترونفول، الخبير في شؤون المنطقة بكلية «أوسلو نيو يونيفرسيتي» في النرويج، شكوكاً حول قدرة الجماعات المسلّحة، في الوقت الراهن، على خوض «نزاع طويل الأمد» ضد السلطات الفيدرالية التي تملك خصوصاً أعداداً كبيرة من الطائرات المسيّرة. لكن «التنسيق على مستوى القيادة العسكرية مِن شأنه أن يغيّر المعادلة، فقد تجد الحكومة نفسها في مواجهة أربع أو خمس جبهات محتملة، ما قد يشكّل تحدّياً كبيراً»، على حد قول ترونفول.

وتشهد إثيويبا، الدولة الواقعة في الشرق الأفريقي التي تضمّ 130 مليون نسمة، نزاعات مسلّحة، منذ سنوات، في منطقتيها الأكثر تعداداً للسكان أوروميا وأمهرة.

وتتواجه القوّات الفيدرالية مع جيش تحرير أوروميا منذ 2018، ومع قوميّي «فانو» منذ 2023.

وتُعد منطقة أوروميا الأكثر اكتظاظاً بالسكان، إذ يقطنها أكثر من 40 مليون نسمة. ومنذ عام 2018، تخوض القوات الفيدرالية مواجهاتٍ فيها ضد «جيش تحرير أورومو»، الذي تُصنفه أديس أبابا «منظمة إرهابية».

وشهدت أعداد مقاتلي «جيش تحرير أورومو»، التي قُدرت ببضعة آلاف في عام 2018، زيادة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

في المقابل، حملت ميليشيات «فانو» الشعبية التقليدية التي تشكلت بهدف «الدفاع عن النفس» لدى عِرقية الأمهرة، السلاح ضد الحكومة في أبريل (نيسان) 2023، عقب قرار السلطات الفيدرالية نزع سلاحها. وتنشط هذه الميليشيات، بشكل خاص، في المناطق الريفية، حيث تشن بانتظام عمليات حرب عصابات. كما شهد البلد، الذي تولّى آبي أحمد رئاسة الوزراء فيه سنة 2018، حرباً دامية من 2020 إلى 2022 بين القوّات الفيدرالية ومتمرّدي جبهة تيغراي أودت بحياة 600 ألف شخص، على الأقلّ، وفقاً للاتحاد الأفريقي.


توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

لم تعد الاضطرابات التي تواجهها حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محصورة داخل حدود أقاليم متنازعة مع المركز. فمع اتساع رقعة الصراعات المسلحة في تيغراي وأمهرة وأوروميا، وتشكيل تحالف جديد يضم سبع جماعات مسلحة من مناطق وقوميات مختلفة، تعقدت أزمات الداخل الإثيوبي وتشابكت مع نزاعات حدودية مع الجيران، ما يهدد بإرباك توازنات منطقة القرن الأفريقي.

وباتت السياسة والأمن في إثيوبيا بحسب أليكس دي وال، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة السلام العالمي»، أستاذ الأبحاث في جامعة تافتس، «متشابكين إلى حد كبير» مع أوضاع الصومال وإريتريا والسودان.

وقال دي وال لـ«الشرق الأوسط» إن المنطقة تشهد «فسيفساء من الصراعات، يرتبط فيها كل مستوى من الصراع بالمستوى الأعلى منه، بحيث تظل جذور النزاعات محلية، بينما تساعد العوامل الخارجية في إطالتها وجعل تسويتها أكثر صعوبة».

وتأتي هذه الصورة في أعقاب إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة أخيراً تشكيل «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، بهدف تغيير الحكومة الحالية. التحالف ضم خصوماً سابقين قاتلوا على جانبي حرب تيغراي بين 2020 و2022.

ولا يعني التحالف بالضرورة وجود جبهة عسكرية متماسكة؛ إذ لا تزال بين مكوناته خلافات عميقة. وقال ماغنوس تايلور، نائب مدير مشروع القرن الأفريقي في «مجموعة الأزمات الدولية» لـ«الشرق الأوسط» إن «قدرة الجماعات على العمل المشترك قد تعوقها المسافات الجغرافية والخلافات السياسية».

لكن أهمية التحالف تكمن في كونه يعكس تحولاً أوسع في الصراع، وهنا قالت هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية «GIGA» لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة التي تعاني منها الدولة الإثيوبية في إدارة نظامها الفيدرالي تتيح اندلاع صراعات إقليمية منفصلة بالتزامن»، محذرة كذلك من أن أطراف هذه الصراعات قد تتنافس فيما بينها على الموارد والتمثيل السياسية.

وفي رأي إبراهيم إدريس، الباحث في الشؤون الأفريقية والدولية، فإن تدهور العلاقة بين المركز وتيغراي بعد تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا بات يهدد «سلامة النظام الهيكلي الفيدرالي» نفسه.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المعضلة لا تتوقف عند تيغراي، لأن القوميات الثلاث الأكثر تأثيراً في مسار الدولة الإثيوبية، وهي الأمهرة والتيغراي والأورومو، بات لكل منها، بدرجات مختلفة، صراع أو خلاف مع المركز».

وتكشف انتخابات يونيو (حزيران) الماضي واحدة من أبرز مفارقات المشهد الإثيوبي. فقد حصل «حزب الازدهار» بقيادة آبي أحمد على 438 مقعداً، ما ضمن له أغلبية برلمانية واسعة، لكن الانتخابات لم تتم في جميع الدوائر؛ من بينها تيغراي وأمهرة وأوروميا.

وقالت هاجر علي إنه «رغم أن الحزب يبدو متمتعاً بأغلبية برلمانية قوية، فإن هذا لا يعني أنه قادر فعلياً على معالجة القضايا الإثنية أو الإقليمية التي تتسبب في عدم الاستقرار وتفاقمه»، ولا ترى علي فصلاً واضحاً بين «المظالم المحلية» والصراع الأوسع على مستقبل الدولة.

ويبقى ملف تيغراي الأكثر قابلية لتحويل الأزمات المتفرقة إلى أزمة أوسع. فقد أنهى اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، حرباً استمرت عامين بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي.

جنود من القوات الخاصة في أحد شوارع مدينة حميرة الإثيوبية (رويترز)

لكن الأزمة تصاعدت خلال العام الحالي، مع إعادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» بسط سيطرتها السياسية على الإقليم في مايو (أيار)، متهمة الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ الاتفاق. وهنا أوضح تايلور إن اتفاق بريتوريا «لا يزال قائماً رسمياً، لكنه لم يعد فاعلاً على أرض الواقع».

ومع ذلك، لا يعتبر تايلور أن الباب السياسي أُغلق تماماً، مشيراً إلى وجود مجال للتفاوض، من خلال جهود الاتحاد الأفريقي.

وفي أمهرة، تواجه الحكومة معضلة مختلفة. فقد قاتلت قوات «فانو» إلى جانب الجيش الفيدرالي خلال حرب تيغراي، قبل أن تتحول إلى خصم للحكومة في 2023. وقال إدريس إن «التطور الأهم هو انتقال الحركة من خلاف سياسي إلى تبني السلاح كأداة لتغيير النظام».

وفي أوروميا، الإقليم الذي ينتمي إليه آبي أحمد نفسه، الذي لعبت احتجاجاته الشعبية دوراً محورياً في التغيرات السياسية التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة، واصل «جيش تحرير أورومو» تمرده ضد الدولة، ولم تؤدِ جولات التفاوض السابقة إلى تسوية شاملة.

وفي رأي هاجر علي فإن «صراع أوروميا يوضح أن الأزمة لا يمكن اختزالها في رد فعل على سياسات السنوات الأخيرة وحدها، فالنزاع هناك ممتد منذ عقود، وجزء كبير منه يتعلق بالعلاقة بين المركز والقوى الإقليمية».

وأشار إدريس إلى «انقسامات داخل الحركة السياسية الأورومية نفسها، مع ابتعاد قوى كانت جزءاً من البيئة التي دعمت صعود آبي عن الحكومة لاحقاً».

وهكذا أصبحت الحكومة، في آن واحد، أمام تمرد أمهري، وصراع مستمر في أوروميا، وانهيار متدرج لتفاهمها مع تيغراي، لكن ما يمنح هذه الصراعات بعداً إقليمياً أكثر خطورة هو علاقتها بالجوار، فإريتريا، التي انتقلت علاقتها بآبي أحمد من المصالحة التاريخية في 2018 إلى التحالف معه خلال حرب تيغراي، أصبحت مرة أخرى في موقع الخصم.

وفي فبراير (شباط) الماضي، اتهم وزير الخارجية الإثيوبي غديون تيموثيوس، إريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا، وقال تايلور إن «لإريتريا تاريخاً في دعم جماعات المعارضة الإثيوبية»، لكنه أشار إلى أن «تعاونها الحالي مع قوات تيغراي يتركز على السماح لها بالتحرك عبر الأراضي الإريترية وربما تقديم بعض المساعدات العسكرية التقنية».

وربط تايلور هذا التقارب بمخاوف أسمرة من طموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، متحفظاً على وصف «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بأنها وكيل لإريتريا»، بينما ذهب إدريس إلى أن انعكاسات أزمة الموانئ، دفعت إريتريا إلى «موقع دفاعي».

ووضع أليكس دي وال هذا المشهد في سياق تاريخي أوسع، مشيراً إلى أن القرن الأفريقي عرف، منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي، نمطاً من الحروب دعمت فيه كل دولة متمردين يقاتلون حكومة الدولة الأخرى، واستمر جانب من هذا التشابك بعد الحرب الباردة، وإن تغيرت أسبابه وتحالفاته.

جنود من القوات الخاصة في إثيوبيا (رويترز)

وقال دي وال إن جذور الأزمات تظل «محلية»، لكن التشابكات الخارجية «تبقي الصراعات مستمرة وتجعلها مستعصية ويصعب حلها».

ويبرز السودان بوصفه من أكثر حلقات هذا التشابك حساسية، إلى جانب الأزمة مع الصومال بعد الاتفاق الذي وقعته أديس أبابا مع «أرض الصومال» مطلع 2024 للحصول على منفذ بحري. وترى هاجر علي أن «التركيز على الصراعات المسلحة وحدها قد يحجب ضغوطاً أخرى يمكن أن تزيد قدرة هذه الصراعات على إضعاف الدولة»، مشيرة إلى الظروف المناخية القاسية، وتداعياتها على الأمن الغذائي والبنية التحتية والنزوح، وقالت إن «الحروب الجارية قللت من قدرة الحكومة على التعامل مع مثل هذه الأزمات».

في مواجهة هذه الضغوط، تراهن الحكومة على المؤسسات السياسية والحوار الوطني بالتوازي مع العمليات الأمنية. ويعتقد دي وال أن المشكلة أعمق من مجرد غياب طاولة مفاوضات، وقال دي وال: «نحن أمام بيئة تدفع فيها كل الضغوط نحو استمرار الحرب».

وحتى عندما تبدأ المفاوضات، وفق تقديره، فإنها غالباً ما تركز على وقف إطلاق نار أو تشكيل ائتلاف أو إبرام صفقة سياسية، بدلاً من معالجة جذور النزاع وبناء «تسوية دائمة».

ورغم تعدد الضغوط، فإن الحكومة الإثيوبية لا تزال تحتفظ بأجهزة الدولة، وقوة عسكرية كبيرة، وأغلبية برلمانية واسعة، كما أن خصومها لا يشكلون حتى الآن كتلة سياسية أو عسكرية متجانسة. لكن هذا لا يلغي، تحولاً أساسياً في طبيعة الأزمة. وفي رأي دي وال فإن عكس هذا المسار يحتاج إلى «درجة أكبر بكثير من التعاون بين الدول الأفريقية، وكذلك مع دول العالم العربي والمجتمع الدولي». وخلص إلى أن «هذا التعاون غير موجود».


انتشار أمني كثيف في عاصمة جنوب السودان

رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
TT

انتشار أمني كثيف في عاصمة جنوب السودان

رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)

شهدت جوبا؛ عاصمة جنوب السودان، انتشاراً أمنياً كثيفاً، الثلاثاء، فيما يُرتقب أن يحلّ الرئيس سلفا كير الحكومة قبل انتخابات ديسمبر (كانون الأول) المقبل، التي يخشى المجتمع الدولي أن تُغرق البلاد في مزيد من الاضطرابات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووقّع كير، الاثنين، قانوناً يسمح له بالبقاء في السلطة حتى موعد الانتخابات، وينص على إقالة نواب الرئيس، خصوصاً نواب المعارضة، من مناصبهم.

وأصدر جهاز الأمن الداخلي في جنوب السودان أمراً لكل عناصر قوات الأمن بارتداء الزي الرسمي والبقاء في حالة تأهب قصوى 3 أيام.

ولاحظ صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء، انتشاراً أمنياً مكثّفاً في شوارع جوبا، حيث أُقيمت نقاط تفتيش. وفُرض طوق أمني في محيط المجمع الحكومي، كما أُغلق بعض الطرق الرئيسية، في إجراء نادر تشهده عاصمة جنوب السودان.

وقال مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته: «طُلب مني العودة إلى المنزل. لا أعرف ما يحدث».

ومن المقرر أن تُجري جنوب السودان، التي نالت استقلالها عن السودان عام 2011، أول انتخابات لها في 22 ديسمبر المقبل.

ونبّهت «لجنة حقوق الإنسان» بجنوب السودان في تقرير خلال أغسطس (آب) الماضي، إلى أن إجراء أول انتخابات في البلاد هذه السنة قد يؤجج النزاع الذي اشتدت حدّته في الأشهر الأخيرة ويزيد من خطر ارتكاب الفظائع.

ورأت «اللجنة» أن «تنظيم انتخابات من دون استراتيجية لترسيخ الديمقراطية... قد يسهم على العكس في إعادة إشعال النزاع وزيادة خطر ارتكاب جرائم فظيعة».

في عام 2018، أفضى اتفاق سلام، وَضع حدّاً لـ5 سنوات من الحرب الأهلية الدامية، إلى تشكيل حكومة وحدة بين طرفي النزاع سلفا كير ورياك مشار، اللذين تولّى كل منهما منصبَي الرئيس ونائب الرئيس، خلال مرحلة انتقالية كان يفترض أن تنتهي في عام 2022 بإجراء انتخابات أُرجئت مرات عدة.

وأُلقي القبض على مشار في مارس (آذار) 2025 ووُضع رهن الإقامة الجبرية.