«الاستشراق»... حطم أصناماً عدّها الغربيون أوصافاً للشرق

40 عاماً على كتاب إدوارد سعيد الأشهر والأخطر

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
TT

«الاستشراق»... حطم أصناماً عدّها الغربيون أوصافاً للشرق

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

كما عاصفة هائلة هبت قبل 40 عاماً، كان كتاب «الاستشراق» للمفكر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد (1935 - 2003) - (صدرت الطبعة الأولى عام 1978). لقد تجرأ أخيراً مفكر صعد من قلب المؤسسة الثقافية الغربية ذاتها على كشف ما يشبه مؤامرة فكرية ضخمة استمرت قروناً طويلة وشاركت في صياغتها بوعي أو من غير وعي أشهر عقول الغرب؛ من أسخيليوس الإغريقي، إلى جوزيف كونراد البولندي المتأنجلز، واتسعت لتشمل رجال (ونساء) دولة ودبلوماسيين ومؤرخين وعسكريين وفنانين وأدباء وجواسيس ومغامرين ولصوص آثار، بل ولم يسلم منها كارل ماركس نفسه الذي كان نقض أسس الفكر المثالي الغربي جلها لكنه مضى قبل أن يفكك هذا «الاستشراق الذي صار مهنة»؛ كما وصفه مرة بنجامين ديزرائيلي في القرن التاسع عشر.
عاصفة سعيد «الاستشراقية» كأنها جاءت إلى أرض عطشى. لقد نجح كتاب أكاديمي الطابع، شديد المرارة على من أغلق عقله وقبل تراكم تصورات الآباء والأجداد بشأن الآخر على عواهنها، في التحول إلى واحد من أكثر الكتب الفكرية مبيعاً، وتلقفه أكاديميون كثيرون عبر العالم بوصفه نصاً مرجعياً مؤسساً لا غنى عنه، وممراً إجبارياً لكل من يريد فهم أو نقد الظواهر الثقافية المعاصرة. لقد كان العالم بحاجة لعقل مثل سعيد كي يفهم نفسه.
«الاستشراق» غادر مكانه بصفته كتاباً منذ وقت مبكر بعد نشره؛ إذ أزهر كما جنة فكرٍ التجأ إليها كل المهمشين سواء في الغرب والشرق، تعلو فيها أصواتهم نقداً وتفكيكاً وتحطيماً لأوهام ما لبثت تجترحها المجموعات البشرية عن الآخر المختلف لتكتسب تلك الأوهام سلطة «الحقيقة»، فتكرس الفرقة وتخدم مصالح المستفيدين من تصارع البشر وتشييد جدران الهويات المفتعلة بينهم. رويداً رويداً، توسعت تلك الجنة لتكون مدرسة فكرية تنظر لقراءة ما بعد كولونيالية لكل منتجات الثقافة من الرواية والمسرح، إلى التاريخ والفنون، مروراً بخطابات السياسة المعاصرة على تلاوينها يميناً ويساراً.
قدم سعيد في «الاستشراق» قراءة أعمق بكثير من مجرد الكشف عن التوظيف السياسي للوهم خدمة لأغراض الهيمنة والاستغلال الاقتصادي؛ التي ربما هي نتائج أكثر منها نقطة انطلاق. لقد سبح المفكر الكبير في أهوال بحر الذات الغربية مسائلاً أبعد مآزق نفسيتها الجمعية ليرسم لها كيف وقعت بتآمر نخبتها رهينة صور منعكسة في مرآة مشوهة يرفعها الغرب أمام وجهه فتريه حصراً نقيض كل اعتقاد له عن هوية ذاتية متخيلة في صورة آخر معروف مجهول معاً سُمي شرقاً، أو «شرق أوسط» أو غيرها من التعيينات المنحازة حتى قبل أن تبدأ بالتعيين.
حطم «الاستشراق» أصناماً عدّها الغربيون أوصافاً للشرق: عوالم الرقص الشرقي والتعهر، الذي لم يكن يتجاوز قصور النخب الفاسدة كما في أي ثقافة أخرى، وقصص «ألف ليلة وليلة» المتخمة بالرموز الجنسية، وصور البدو والجمال بالقرب من الأهرامات كأنها كل ما كانت عليه حواضر هذه الجهة من العالم، وغيرها من اللقى المجتزأة التي كانت تعمم لأنها تلقى هوى في النفسية الغربية. لكن أعظم ما حطمه «الاستشراق» كان تلك الهالة الكاذبة عن موضوعية وتجرد الجهود البحثية والتسجيلية التي بذلتها أجيال من المختصين حتى قبل حملة نابليون بونابرت الفاشلة عسكرياً على فلسطين ومصر، إلى موظفي مراكز الأبحاث الغربية المعاصرة الذين تفرغوا لرسم معالم هذا «الشرق» المزعوم سواء جراء هوس شخصي غير مفهوم أو ارتزاقاً في خدمة جهود الإمبراطوريات المتعاقبة: بريطانية وهولندية وإسبانية وفرنسية وبرتغالية وهنغارية بداية ثم أميركية لاحقاً.
وهكذا انقلب وصف «المستشرق» من صورة عالم جليل غريب الأطوار متبحر في تفاصيل الآخر؛ لغته أو فنونه أو تاريخه أو شعره، إلى عميل مشبوه يتعيش من بيع الأوهام وسموم الأفاعي خدمة لمصالح المتنفذين. ربما لم يقصد سعيد الوصول إلى تلك النتيجة الأخيرة في تعميم الاشتباه بكل من يتخصص في قراءة ثقافة الآخرين، لا سيما أن بعضهم كانت له مساهمات لا تقدر بثمن في اكتشاف وتنسيق وتنظيم وحماية معالم ثقافية كثيرة، وفي كسر ديماغوجيات حكمت، وما زالت تحكم للأسف وإلى حد كبير، مناهج التفكير والاستعانة بالتراث في غير ما مكان عبر «الشرق». لكن «الاستشراق»؛ كما أي كتاب مفصلي مؤسس، يأخذ بعد إطلاقه في دنيا الأفكار مسار حياة أو حتى حيوات أخرى مستقلة عن غايات كاتبه، فتكونت عنه قراءات متوازية كثيرة «خارج المكان» وخارج الزمان ربما اضطر سعيد بنفسه أحياناً لمراجعتها ونقدها وإعادة تأطيرها في كتبه ومقالاته وأحاديثه اللاحقة.
وللحقيقة؛ فإن كثيرين ممن تبعوا سعيد أخذوا ملخصات عن فكره وتبنوها لما فيها من كشف للسحر والسحرة دون أن تسنح لهم الظروف بقراءة نصوصه كاملة في مظانها، أو هم قرأوها ترجمات متدرجة الخيانة للنص الأصلي، أو معزولة بالكلية عن النسق الفكري الذي شكله سعيد في النقد الحديث وكتاباته اللاحقة، أو حتى عن المناخ الذي فيه أنتجت تلك الأفكار الثورية. هذا الاستسهال في تناول «الاستشراق» - وكما كل تسرع عند استعارة الأفكار الخطيرة - تسبب في نشوء قراءة متعسفة ذات اتجاه واحد عن عنف التمثيل والاستغلال المحض وسرديات بديلة نقيضة لسرديات الغرب تقع وإن بشكل معكوس في النقائص ذاتها التي يُذم من أجلها المستشرقون. هذه القراءات المنحرفة الكثيرة عن «استشراق» سعيد تفتقد إلى فهم خلاصة ما ذهب إليه الرجل - وهو عازف بيانو وموسيقي مبدع - من وصف العلاقة بين طرفي العالم بأنها أقرب إلى تبادل وتناغم بين معزوفتين (أو أكثر) تتوازيان وتغنيان تجربة الوجود دون أن تلغي أي منهما الأخرى بقدر ما تجعل مقاطعهما المفردة أوقع فعلاً.
لقد كان «الاستشراق» فكرة كسرت سقوفاً زجاجية كثيرة، وأثارت جدالات لا تنتهي، ودفعت بالنقاش الثقافي بشأن الهويات والمرجعيات والمعاني إلى فضاءات شاسعة مضيئة لم تكن ممكنة قبله. لكن هذا النقاش الذي يكتسب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أهمية جذرية في أجواء صراع هويات مستعادة وحروب ثقافية تأخذ أبعاداً سياسية جارفة، صار فضاء تبتلعه الظلال ولا «سعيد» له، ما يلبث يتسطح ويخفت ويضمحل لمصلحة الجيل الجديد من المهيمنين الذين لا عيش لهم دون تعليبنا وتشطيرنا ووضعنا في مواجهات وجودية مع آخرين متخيلين، نراهم نقيضين وهم مثلنا ضحايا مهما اختلفت ألوانهم. فالرجل الذي كان في حياته جسراً ذا عقل وقلب يقوم بمهمة الوصل بين العوالم بكل الحب والتفهم والخيال، وحارساً نبيلاً للوعي الجمعي الإنساني من كل ذئاب المصالح وأبواق الإمبراطوريات، ترجل ومضى دون أن يتولى مكانه أحد.
أربعون عاماً على طبعة «الاستشراق» الأولى؛ أمر يستدعي الاحتفال ليس بصفة نوستالجية - مهما استحق الكتاب ومؤلفه التبجيل -، بقدر ما هي نقطة إعادة تمركز في مواجهة التنانين التي انفلتت تملأ هذي الأوقات المظلمة. احتفال كهذا يكون أقله بإعادة التوغل في قراءة النص الأصلي من جديد مع إسقاطه على تمظهرات «الاستشراق» المستعادة التي كنا نظن أن «سعيد» قضى عليها، لكنها تأبى أن تموت.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)
شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)
شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».