مؤتمر «حوارات أطلسية» يبحث في مراكش مستقبل «الناتو» والهجرة

ربط بين السترات الصفراء والبريكست وترمب... وحذّر من تعرض المواطنين في البلدان النامية للتجاوز والتهميش

جانب من جلسات «حوارات أطلسية» في دورته السابعة بمراكش («الشرق الأوسط»)
جانب من جلسات «حوارات أطلسية» في دورته السابعة بمراكش («الشرق الأوسط»)
TT

مؤتمر «حوارات أطلسية» يبحث في مراكش مستقبل «الناتو» والهجرة

جانب من جلسات «حوارات أطلسية» في دورته السابعة بمراكش («الشرق الأوسط»)
جانب من جلسات «حوارات أطلسية» في دورته السابعة بمراكش («الشرق الأوسط»)

بعناوين بارزة، تراوحت بين طرح أسئلة عريضة، من قبيل «هل يمكن لحلف (الناتو) أن ينجو من تغيرات النظام الجيو - سياسي؟»، و«هل أصبحت الأزمة القادمة قريبة بعد مرور 10 سنوات على الأزمة المالية العالمية؟»، واصل مؤتمر «حوارات أطلسية» أشغاله في مدينة مراكش المغربية، في ثاني أيام دورته السابعة، تحت شعار «ديناميات أطلسية: تجاوز نقاط القطيعة»، بمداخلات ساهم فيها رؤساء دول ووزراء سابقون، ودبلوماسيون ومسؤولون بارزون وخبراء.
وخلال جلسة «هل يمكن لحلف (الناتو) أن ينجو من تغيرات النظام الجيو - سياسي؟»، أجمع المتدخلون على أن العالم ما زال بحاجة إلى (الناتو). لكنهم أوضحوا أنه يتعين على هذا الحلف أن يقوم بإصلاحات، وأنه إذا كان هناك من تهديد لهذا التحالف فهو، في الغالب، داخلي.
وقالت ميشيل ندياي، مديرة برنامج السلام من أجل الأمن في أفريقيا التابع لمعهد دراسات السلام والأمن، إنه «من الواضح أن (الناتو) لا تزال لديه شرعية. لكن سيكون من الضروري التكيُف مع السياق الجديد، وقول الأشياء كما هي، لأنه من الصعب الوثوق، اليوم، بالنظام المتعدد الأطراف، في ضوء انكفاء الأمم على نفسها. فالسلام يبقى مسؤولية عالمية، كما أن التحديات، الآن، عابرة للحدود الوطنية».
من جهته، قال أحمدو ولد عبد الله، الممثل السابق للأمين العام للأمم المتحدة في بوروندي، وغرب أفريقيا والصومال، ووزير خارجية موريتانيا الأسبق، إنه «إذا كان هناك من خطر على (الناتو) فهو يأتي من الولايات المتحدة، التي تهدد بالانسحاب من التحالف لأسباب تتعلق بالميزانية».
ولأنه أنشئ لمواجهة الاتحاد السوفياتي، فإن على (الناتو)، حسب عدد من المتدخلين، التكيف مع التهديدات الجديدة للعالم. وفي هذا الصدد قال جواو فالي ألميدا، السفير رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى الأمم المتحدة: «لقد تغيرت التهديدات. نحن نتحدث اليوم عن الجريمة الإلكترونية، وعن الإرهاب الذي يرتبط أيضاً، بعدد من الجرائم. لذلك، يجب على حلف (الناتو) أن يتجدد، ويصلح نفسه ويتكيف مع الظروف الحالية».
من جهته، يعتقد بيتر فام، المبعوث الخاص للولايات المتحدة لمنطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا، أن هذا التحالف يحتاج إلى دعم شعبي أكثر من أي وقت مضى، وقال إن حلف (الناتو) «يحتاج للتكيف مع التطورات الأمنية والبيئة السياسية. فالناخبون الأميركيون يطرحون أسئلة حول النفقات المخصصة لهذا التحالف. ولإدامة التحالف، هناك حاجة إلى شرعية شعبية».
وفي جلسة نقاش حول «أبعاد البحر المتوسط وشمال أفريقيا في الديناميات الأطلسية»، تحدث عمرو موسى، الأمين العام السابق للجامعة العربية، عن موقع أفريقيا ضمن مستقبل الخريطة العالمية، حيث قال بنبرة المسؤول الذي راكم ما يكفي من التجارب «أشم رياح حرب باردة تهب في أفريقيا. والسؤال هو كيف يمكن أن نوقف الصين عن خطواتها الواسعة في أفريقيا. أحذركم الآن: لا ترسموا أفريقيا في الحرب الباردة القادمة! هناك كثير من القواعد العسكرية في أفريقيا: ليس، فقط، أفريكوم، ولكن أيضاً اليابان، والصين وتركيا. أرى شيئاً خطيراً يقترب ليورط أفريقيا. وعلينا أن نقلق للغاية بشأن ذلك، في أفريقيا، مع معرفة حدودنا، والأرض المبللة الزلقة التي علينا تجنبها».
من جهته، ربط ميغيل أنجيل موراتينوس، وزير خارجية إسبانيا الأسبق، بين مجال يمتد بين الحوض المتوسطي والحوض الأطلسي، بقوله «على مدى التاريخ، كان الحوض المتوسطي هو مركز العالم، ثم الأطلسي، الذي صار، مع الولايات المتحدة، قادراً على التحكم في الجغرافيا السياسية للبحر الأبيض المتوسط».
وشكلت «جلسة البعد الإنساني للهجرة» فرصة لرصد كل ما يحيط بهذه المظاهرة الشائكة. فبالنسبة لماريا تيريزا فيرنانديز دي لا فيكا، رئيسة مؤسسة النساء من أجل أفريقيا، ونائبة رئيس الحكومة الإسبانية السابقة، فإن السبب الرئيسي للهجرة ليس سوى تزايد منسوب غياب العدالة في العالم، وقالت بهذا الخصوص «10 في المائة من سكان العالم يمتلكون 90 في المائة من ثروات العالم. فكيف لا تكون هناك هجرة؟ الهجرة هي واقع وحقيقة تاريخية، لكنها صارت اليوم غير متحكم فيها».
من جهتها، اعتبرت مونية بوستة، كاتبة الدولة (وزيرة دولة) لدى وزير الخارجية المغربي أن «الهجرة أمر طبيعي، وقد ساهمت في تنمية دول. لكن المشكلة، هي في سوء إدارة الهجرة. الهجرة، في حد ذاتها ليست مشكلة. ويجب أن تكون المقاربة الصحيحة شمولية. المقاربة الأمنية في حد ذاتها لا يمكن أن تحل المشكلة»، مشددة على أن «الأسباب الحقيقية للهجرة تتعلق بقضايا التنمية والحكامة».
أما بالنسبة لبيرام ديوب، رئيس أركان لدى رئيس جمهورية السنغال، فإنه «يجب علينا التواصل مع المهاجرين، وفهم الأسباب الحقيقية التي تدفعهم للهجرة، وصولاً إلى حلول مناسبة. نحن نميل إلى وضع افتراضات. لكننا، ربما نكون مخطئين».
أما في جلسة «تفكيك النظام العالمي الأميركي»، فقد ظهر أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسبب الحيرة في مجتمع دولي، يبدو عاجزاً عن مواجهة ظاهرة يعمل على فهم ملامحها وعواقبها؛ وظهر كيف أن البعض ينظر إلى تناقضات ترمب باعتبارها ترجمة لتعلم صعب للسلطة.
خلال هذه الجلسة، كان هناك إجماع على أنه لن يتم التشكيك في النظام الدولي الأميركي خلال الثلاثين سنة المقبلة. ومع ذلك، فهناك تنافس عالمي متعدد المستويات بين الولايات المتحدة والصين، سيعيد تشكيل هذا النظام.
وبالنسبة للمتدخلين في هذه الندوة، فإن العالم يحتاج إلى نظام أكثر تعاوناً، يفيد الجميع. لذلك أوصوا أوروبا، وأميركا اللاتينية وأفريقيا، بأن تجتمع من أجل إنشاء مركز قيم ومنصة اتصالات، تمكن من التعامل مع عالم توجد فيه أميركا والصين وروسيا، التي سوف تتحول إلى دول قومية، بالتالي فإن أفضل شيء يمكن الأمل فيه مستقبلا هو القدرة على بناء عالم متعدد الأطراف.
بالنسبة لهوبير فيدرين، وزير خارجية فرنسا الأسبق، فإن «ترمب هو أحد الأعراض، وليس السبب. لم يكن هناك أبدا نظام عالمي متفاوض عليه. كان ذلك اختيار المنتصرين».
من جهته، رأى روبن إي - بريغي، من جامعة واشنطن وسفير الولايات المتحدة السابق لدى الاتحاد الأفريقي، أن «ما يثير القلق ليس صعود الصين. إنه التخلي المطلق عن القيم الأساسية في ممارسة سياستنا الخارجية. بينما تستمر دول العالم في التقدم، فمن سيكون البطل القادم للديمقراطية؟». فيما قال جون ساورز، الرئيس السابق للمخابرات البريطانية: «السترات الصفراء في شوارع باريس، وأولئك الذين صوتوا لترمب هم الأشخاص أنفسهم الذين يدعمون «البريكست». إنهم أناس يشعرون أن مصادر رزقهم مهددة بالعولمة ويتواصلون عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
بالنسبة لجلسة «العصر الرقمي والعقد الاجتماعي الحديث»، كانت الرسائل متعددة، فمن جهة، هناك حاجة إلى عقد اجتماعي جديد مع التكنولوجيات الجديدة، لكنه لن ينجح من دون ثقة بين مختلف أصحاب المصلحة (الدول الشركات والمواطنون). ومن جهة أخرى، يبقى من المرجح أن يتعرض الناس في أفريقيا وفي البلدان النامية بشكل عام، للتجاوز والتهميش بسبب التطورات التكنولوجية غير الشاملة، بعد أن لم يعد الوصول إلى الإنترنت امتيازا بل أصبح حقا أساسيا.
أما في جلسة «بعد مرور 10 سنوات على الأزمة المالية العالمية: هل أصبحت الأزمة المقبلة قريبة؟» كانت هناك رسائل رئيسية، نقلت مخاوف ربطت أساساً بين الولايات المتحدة والصين، من جهة الحديث عن بعض نقاط الضعف التي تهدد الاستقرار الاقتصادي في العالم، من قبيل الديون العامة والخاصة في الولايات المتحدة، والديون الأسرية والنمو القوي، الذي يتبع عادة بالأزمات. لكن مع ذلك يتعين النظر إلى جهة الصين، إذا ما كانت هناك أزمة اقتصادية عالمية أم لا، حيث إن بإمكان الوضع الاقتصادي في هذا البلد أن يحدد الوضع في العالم.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.