انتقادات في فرنسا لفشل أجهزة الأمن في منع هجوم ستراسبورغ

السعودية تدين... ومنفّذ الاعتداء مغاربي الأصل «احترف اللصوصية» وكان موضوعاً على لوائح مراقبة المتطرفين

متضامنون مع ضحايا الاعتداء في ستراسبورغ أمس (إ.ب.أ)
متضامنون مع ضحايا الاعتداء في ستراسبورغ أمس (إ.ب.أ)
TT

انتقادات في فرنسا لفشل أجهزة الأمن في منع هجوم ستراسبورغ

متضامنون مع ضحايا الاعتداء في ستراسبورغ أمس (إ.ب.أ)
متضامنون مع ضحايا الاعتداء في ستراسبورغ أمس (إ.ب.أ)

لم تكن الصدفة هي التي دفعت شريف شكات لاختيار مدينة ستراسبورغ هدفاً للعملية الإرهابية التي قام بها ليلة أول من أمس والتي أوقعت ثلاثة قتلى و13 جريحاً أحدهم في حالة موت سريري وآخرون في حالة الخطر الشديد. ذلك أن هذا الرجل صاحب الأصول المغاربية وُلد في المدينة المذكورة في مايو (أيار) من عام 1989، وعاش فيها، وهو يسكن منزلاً متواضعاً في إحدى ضواحيها قريباً من عائلته التي أوقف أربعة من أفرادها صباح أول من أمس بينهم والده واثنان من إخوته. وأثار الكشف عن وجود اسم هذا الرجل على لوائح الأشخاص المشتبه في تبنيهم الأفكار المتطرفة، انتقادات من الأوساط اليمينية لأجهزة الأمن بسبب فشلها في تفادي العملية الإرهابية.
وفي الرياض، عبّر مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السعودية عن إدانة بلاده الشديدة لحادث إطلاق النار في ستراسبورغ. وجدد المصدر وقوف السعودية ومؤازرتها «للجمهورية الفرنسية الصديقة»، ضد كل أشكال العنف والتطرف والإرهاب.
وفي الواقع، لم يكن منفّذ هجوم ستراسبورغ شخصاً غير معروف للسلطات. فباكراً، عُرف عنه لجوؤه إلى العنف والسرقة ومهاجمة البنوك وأعمال اللصوصية الصغيرة التي أحصاها المدعي العام الفرنسي بدقة في كلامه للصحافة ظهر أمس من مقر المحكمة في ستراسبورغ. وكشف ريمي هايتز أن الجاني سيق إلى المحاكم 27 مرة في فرنسا وألمانيا وسويسرا وعرف السجن في البلدين الأوّلين. وقال وزير الداخلية كريستوف كاستانير، للنواب في جلسة بعد ظهر أمس إن «سلوك (الجاني) منذ سن العاشرة كان يقع تحت طائلة القانون»، وإن إدانته الأولى جاءت مبكرة وهو في سن الـ13 من عمره.
وكرّت مسبحة الجنح التي ارتكبها شريف شكات والتي جعلته زبوناً دائماً للمحاكم. ومنذ أواخر عام 2015، وبعد «إقامة» سنتين في سجن فرنسي وهي الثانية من نوعها، وُضع اسمه على اللائحة المسماة «لائحة أس» التي تضم أسماء الأشخاص الذين يشكلون خطراً على الأمن الوطني بسبب نزوعه نحو الأفكار الإسلاموية المتطرفة. ولذلك، فقد كانت تتابعه أجهزة المخابرات الداخلية كما كانت تتابع أخاه الموجود اسمه على اللائحة نفسها. وهذا «التحول» من اللصوصية إلى الإسلاموية المتطرفة جرى في السجن الذي تنظر إليه الأجهزة الأمنية الفرنسية كـ«مدرسة» للفكر المتطرف التي «تخرّج» فيها العشرات من المتطرفين الذين توجّه كثيرون منهم إلى «ميادين القتال» في سوريا والعراق وبلدان الساحل أو قاموا بعمليات إرهابية على الأراضي الفرنسية.

ومن هؤلاء الأخوان شريف وسعيد كواشي وأحمدي كوليبالي الذين دشنوا العمليات الإرهابية في باريس بداية عام 2015.
وتُعد ستراسبورغ مدينة رمزية، إذ تستضيف البرلمان الأوروبي و«سوق عيد الميلاد» الأكبر في أوروبا الذي يجذب ما لا يقل عن مليون زائر ما بين نهاية السنة وبداية السنة الجديدة. ولذا، فإن اختيار المكان ربما لم يكن محض صدفة لمن يرغب في إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا ويرغب في أكبر تغطية إعلامية. ففي عام 2000، وبفضل التعاون بين الأجهزة الأمنية الفرنسية والألمانية، تم تعطيل عملية إرهابية كبيرة وأُلقي القبض استباقياً على المخططين لها وتبين وقتها انتماؤهم إلى تنظيم «القاعدة». وفي عام 2016، ألقت القوى الأمنية الفرنسية القبض على سبعة أشخاص قبل أن ينتقلوا إلى مرحلة تنفيذ هجوم على سوق عيد الميلاد. وللتذكير، فإن سوق الميلاد في برلين تعرضت بدورها في 19 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2016 لعملية إرهابية.
وحتى مساء أمس، لم تكن القوى الأمنية التي جُنّد منها حسب وزير الداخلية كريستوف كاستانير، 720 فرداً معززين بطوافتين، قد ألقت القبض على الجاني شريف شكات الذي أطلق رصاص مسدسه ثلاث مرات على المارة واشتبك مرتين مع الأمن قبل أن يلوذ بالفرار على متن سيارة تاكسي، أرغم سائقها على نقله إلى إحدى ضواحي ستراسبورغ ومن هناك اختفت آثاره. وكان رجال الدرك قد أحاطوا بمنزله صباح أول من أمس لجلبه بسبب دور مفترض له في عملية سطو مسلح لكنهم لم يعثروا عليه. وثمة من يرى من الخبراء أن هذه المحاولة هي التي «سرّعت» في الهجوم الإرهابي. وحسب وزير الداخلية ووزير الشؤون الأمنية والمدعي العام، فإن الجاني استطاع الدخول إلى محيط السوق الميلادية رغم الإجراءات الأمنية المعمول بها، كما استطاع الخروج بعد أن زرع الموت والرعب في المنطقة.
ومباشرةً عقب ذلك، وإلى جانب عمليات المطاردة والبحث عن الجاني، عمدت القوى الأمنية إلى إغلاق وسط المدينة وفرضت التفتيش على الجسور الـ19 التي تربط وسطها وقلبها كاتدرائية ستراسبورغ الشهيرة وكذلك سوق الميلاد المزدانة، وأطلقت عمليات تفتيش واسعة في أحياء عدة بحثاً عن الجاني الفارّ. وكشف سائق التاكسي أن الأخير مصاب بالرصاص بذراعه نتيجة تبادله إطلاق النار مع رجال الأمن. ولم يستبعد الوزير المفوض الشؤون الأمنية لوران نونيز، أن يكون شريف شكات قد غادر الأراضي الفرنسية وربما إلى ألمانيا القريبة الملاصقة حدودها لستراسبورغ.
وظُهر أمس، تحدث المدعي العام ريمي هايتز الذي اصطحبه وزير الداخلية ليلاً إلى ستراسبورغ إلى الصحافة. ومن أهم ما جاء عليه أنه نقل عن شهود للعملية الإرهابية قولهم إن الجاني صرخ «الله أكبر» قبل أن يفتح النار على المتنزهين والمتسوقين ورجال الأمن في السوق الميلادية. وكان المدعي العام أول من لجأ إلى توصيف ما حصل بأنه «عملية إرهابية»، الأمر الذي امتنع سابقاً عن تأكيده الوزير المفوض للشؤون الأمنية. لكن الإعلام الفرنسي لم ينتظر المدعي العام لتأكيد أن ما حصل «عملية إرهابية». وفتحت نيابة باريس تحقيقاً في «عمليات قتل ومحاولات قتل مرتبطة بجماعة إرهابية، والمشاركة في عصابة أشرار إرهابية إجرامية». كذلك سارعت الحكومة إلى إعلان أنها رفعت حالة التأهب الأمني إلى الدرجة الأخيرة المسماة «التهيؤ لهجوم طارئ»، فرضت معها إجراءات رقابة مشدّدة على الحدود، ورقابة مشدّدة في كل أسواق عيد الميلاد في فرنسا، وذلك بهدف «تجنّب خطر حدوث هجوم يقلّد» هجوم ستراسبورغ. وكشف وزير الداخلية عن تعبئة إضافية للقوى الأمنية في إطار ما يسمى «عملية سانتينيل» لحفظ الأمن على كل الأراضي الفرنسية بما يشمل استخدام عناصر عسكرية على غرار ما كان معمولاً به إبان العمل بحالة الطوارئ.
ولدى افتتاحه جلسة مجلس الوزراء أمس، قال الرئيس إيمانويل ماكرون، كما نقل عنه الناطق باسم الحكومة الوزير بنجامين غريفو، إن «التهديد الإرهابي ما زال جاثماً على قلب حياة أمتنا»، معبّراً عن «تضامن الأمة» مع الضحايا وفي وجه الإرهاب. ومنذ ليل أول من أمس، تابع ماكرون تطورات الموقف لحظة بلحظة فترأس اجتماعاً للخلية الأمنية في وزارة الداخلية ليلة الثلاثاء، وترأس أمس اجتماعاً لمجلس الدفاع في قصر الإليزيه. لكنه ترك المسائل «التقنية» للوزيرين كاستانير ونونيز. ورغم «تعبئة» السلطات التي انتقلت من مواجهة «السترات الصفراء» إلى مواجهة عمل إرهابي، فإنها تعرضت للنقد الشديد لعجزها عن منع ارتكاب أعمال إرهابية.
وترخي عملية ستراسبورغ التي لم يعد ثمة أي شك في طبيعتها الإرهابية، غلالة من الخوف على الفرنسيين الذين عايشوا الإرهاب وخبروه طيلة السنوات الثلاث الأخيرة التي سقط فيها 246 قتيلاً ومئات الجرحى. وخلال العام المنصرم، عرفت فرنسا هجومين إرهابيين أوقعا خمسة قتلى، الأول في مدينتي كركاسون وتريب بجنوب البلاد «5 قتلى مع الجاني»، والثاني يوم 12 مايو في باريس «أوقع قتيلين مع الجاني».
وكما في كل مرة، تنصبّ الانتقادات على الحكومة والسلطات الأمنية وتحديداً من اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف بسبب ما يريانه «تقصيراً» في التعامل مع الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم يشكلون تهديداً لأمن فرنسا والفرنسيين. وتساءل لوران فوكييه، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني الكلاسيكي في تغريدة عن «عدد الهجمات (الإرهابية) التي يجب أن يقوم بها المسجلون على اللوائح (الأمنية أس) قبل أن نكيّف قوانيننا للتعامل مع الحرب على الإرهاب؟ وماذا ننتظر حتى نقضي على الأصولية التي أعلنت الحرب علينا؟».
ويريد فوكييه إعادة العمل بحالة الطوارئ والحجز الإداري للأشخاص الخطرين وطرد الأجانب منهم. وتذهب مارين لوبن، رئيسة «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في الاتجاه نفسه مطالبةً بـ«تغيير جذري» للسياسة الحكومية إلى «أثبتت فشلها». وتدعو لوبن، كما فوكييه، إلى طرد الأشخاص الأجانب المسجلين على هذه اللوائح وإلى «استهداف التنظيمات» التي تحمل أفكاراً متطرفة، حسب رأيها.


مقالات ذات صلة

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا 31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان، والشبهات تحوم حول حركة «طالبان» باكستان وتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (إسلام أباد)
أفريقيا مسيحيون بعد عودتهم إلى ولاية كادونا كانوا قد اختُطفوا من قبل مجموعات مسلحة في كومين والي (أ.ب)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

نُشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»... وعمدة محلي يقول إن الهجوم استمر ساعات دون أي تدخل عسكري.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ خلال القبض على إلياس رودريغيز المشتبه به في إطلاق النار على موظفين بالسفارة الإسرائيلية في واشنطن (أرشيفية)

توجيه تهمة الإرهاب لمشتبه به في قتل دبلوماسيين إسرائيليين اثنين في أميركا 

يتهم الادعاء إلياس رودريغيز (31 عاما) بإطلاق النار على أشخاص خلال مغادرة فعالية نظمتها اللجنة اليهودية الأميركية، وهي جماعة مناصرة تكافح معاداة السامية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مروحية أباتشي أميركية خلال تدريب بالذخيرة الحية 14 أغسطس 2024 (رويترز)

«سنتكوم» تعلن تنفيذ 5 ضربات على أهداف ﻟ«داعش» في سوريا خلال أسبوع

أعلنت القيادة المركزية الأميركية الأربعاء أن قواتها نفّذت 5 ضربات على أهداف لـ«تنظيم داعش» في الأراضي السورية خلال الفترة من 27 يناير إلى 2 فبراير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».