النظام السوري و«داعش».. المستفيدان من الاقتتال الداخلي بين بقية الكتائب

خصوم التنظيم يفوقون خصوم النظام عددا

النظام السوري و«داعش».. المستفيدان من الاقتتال الداخلي بين بقية الكتائب
TT

النظام السوري و«داعش».. المستفيدان من الاقتتال الداخلي بين بقية الكتائب

النظام السوري و«داعش».. المستفيدان من الاقتتال الداخلي بين بقية الكتائب

تتخطى أعداد خصوم تنظيم «داعش» أعداء نظام الرئيس السوري بشار الأسد الذي يشتبك مع معارضيه على مساحة جغرافية تقارب الـ60 في المائة من الأرض السورية. وأصبح التنظيم المتشدد، بعد نحو 15 شهرا على إعلان وجوده في سوريا، عدوا لأربعة كيانات عسكرية متنوعة، بينما يعد النظام عدوا لثلاثة كيانات، بينها «داعش»، وهو ما حوّل الأرض السورية إلى جبهات متعددة، يتقاتل أطرافها فيما بينهم، إلى جانب قتال القوات النظامية.
ويستفيد العدوان اللدودان، النظام السوري و«داعش»، على حد سواء، من الاقتتال الداخلي في مناطق متعددة من سوريا، بهدف حشد قواتهما لمواجهة مباشرة. ويقول مصدر في الجيش السوري الحر بحلب لـ«الشرق الأوسط» إن «داعش» «حيدت نفسها إلى حد كبير عن الصراع الدائر بين الكتائب الإسلامية و(الجيش الحر) في شمال شرقي حلب على جبهة المدينة الصناعية، مما تسبب في استعادة النظام السيطرة عليها، تماما مثلما حيد النظام نفسه عن قتال (داعش) في دير الزور والرقة، حين اشتعلت الاشتباكات بين (داعش) والمقاتلين المعارضين»، موضحا أن «تقاطع المصالح يدفعهما لتحييد نفسيهما حين يتقاتل أعداؤهما المشتركين، تمهيدا للمواجهة المباشرة بينهما بعد إضعاف العدو المشترك».
وتقاتل فصائل «الحر» «جبهة النصرة»، و«داعش»، فيما تقاتل الكتائب الإسلامية أربعة كيانات دفعة واحدة، «لكن قتالها لا يبدو مؤثرا نظرا لضعف إمكاناتها، وضيق المساحة الجغرافية التي تمتد عليها»، كما تقول مصادر إسلامية سورية معارضة لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن قتال قوات غير نظامية «فرض فرضا على الكتائب المقاتلة». وتشدد على أن المقاتلين الإسلاميين «يعدون النظام عدوهم الأول والأخير»، مستدلة على حصرية القتال في مناطق سيطرتها في درعا (جنوب البلاد) وريف دمشق والقلمون ضد القوات النظامية. ويقول: «الطرفان (النظام و«داعش») يتكاتفان ضدنا في الشمال، ويقاتلاننا بقصد إنهائنا».
وساهم امتداد «داعش» وقوة تنظيمها في تكريسها الكيان العسكري الأكثر قوة في سوريا، ويتخطى بحجم تأثيره، بحسب مصادر في الجيش السوري الحر بشمال سوريا، «قوة النظام المتسلح بالدبابات والطائرات». وأهله هذا الدور ليتقدم في شمال وشرق سوريا، أمام قوات النظام وقوات المعارضة على حد سواء، ويكاد يحتكر الصراع مع النظام والمؤيدين له في مناطق سيطرته بمحافظتي الرقة ودير الزور، وفي مواقع امتداده الكبير بالحسكة وريف حلب الشرقي.
وتقاتل «داعش» النظام السوري في خمس جبهات متزامنة على الأقل، بموازاة قتال بعض الكتائب غير المؤثرة في الجيش السوري الحر، و«جبهة النصرة» وكتائب إسلامية متحالفة معها، بالإضافة إلى قتال وحدات حماية الشعب الكردي.
وفي المقابل، يقاتل النظام كل تلك الكيانات باستثناء وحدات حماية الشعب الكردي التي «تتقاطع بمصالحها مع النظام» كما تقول قيادات فيها، من غير أن تقر بتحالفات معه، رغم أن معارضين يتهمونها بتأييده مقابل امتيازات في مناطق تتمتع فيها بإدارة حكم محلية.
واشتعلت على جبهات الشمال والشرق، معارك متعددة الأطراف، بعد دخول «داعش» على خط قتال النظام الأسبوع الماضي، حتى بات المشهد الميداني السوري متشابكا، إذ تقاتل كتائب المعارضة متعددة الولاءات والانتماءات، كلا من النظام و«داعش» و«جبهة النصرة»، بينما تقاتل «داعش» كلا من النظام و«النصرة» ووحدات حماية الشعب الكردي. وتتوزع خريطة الجبهات على امتداد سوريا. ففي جنوب البلاد، تواجه «جبهة النصرة» والكتائب الإسلامية المتحالفة معها قوات النظام في محيط مدينة درعا، وفي بلدات ومدن ريفها. وتتركز المعارك في جنوب شرقي المحافظة في الكرك الشرقي وغيرها، كما تشتعل في محيط مدينة نوى، وسائر بلدات الريف الغربي للمحافظة، امتدادا إلى ريف القنيطرة المحاذية للشريط الشائك مع مواقع سيطرة القوات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان.
وتمتد المعارك نفسها بين الطرفين إلى الغوطة الغربية للعاصمة السورية، وبلدات جنوب دمشق، إذ تشهد المناطق المحاذية لداريا والخاضعة لسيطرة قوات المعارضة بالكامل، اشتباكات متقطعة بين الكتائب الإسلامية وكتائب من الجيش السوري الحر ضد قوات النظام. وإلى جانب الاشتباكات في بلدات الحجر الأسود وحي التضامن وتخوم مخيم اليرموك، تحاصر كتائب إسلامية مقاتلين لتنظيم «داعش» في بلدتي الحجر الأسود ويلدا. وانتقلت الاشتباكات إليها بعد طرد مقاتلي «جيش الإسلام» وكتائب إسلامية أخرى، بينها فصائل «الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام»، مقاتلي «داعش» من الغوطة الشرقية الخاضعة لسيطرة المعارضة.
وتستكمل الكيانات العسكرية نفسها، قتالها ضد قوات النظام على جبهة حي «جوبر» الواقع شمال العاصمة السورية، وهو الحي الوحيد في دمشق الذي تسيطر عليه المعارضة، ويعد امتدادا لمناطق نفوذها في الغوطة الشرقية، حيث تقاتل قوات النظام المقاتلين الإسلاميين على جبهة المليحة بشكل أساسي، بينما تشهد أطراف دوما من جهة شمال الغوطة معارك متقطعة.
وفي القلمون بريف دمشق الشمالي، يقاتل عناصر «حزب الله» اللبناني وقوات النظام مقاتلي كتائب إسلامية يبايع أغلبهم «جبهة النصرة» على ثلاثة محاور في أطراف الزبداني غرب القلمون، وفليطا على حدود عرسال اللبنانية، وجرود رنكوس.
وفي وسط البلاد، تواجه قوات النظام مقاتلي «جبهة النصرة» وكتائب إسلامية متحالفة معها شمال مدينة حمص، في بلدات الرستن وتلبيسة والدار الواسعة وغيرها، بينما تواجه قوات النظام مقاتلي «داعش» شرق المحافظة الممتدة إلى دير الزور، وقد شهدت بلدة شاعر أعنف الاشتباكات الأسبوع الماضي، أسفرت عن استعادة النظام السيطرة على المنطقة وحقل الغاز فيها.
ويتقدم مقاتلون إسلاميون على جبهة حماه في وسط البلاد، حيث يقتربون من المدينة، بقتالهم على محور المطار العسكري الواقع جنوب المدينة. وتتكثف الاشتباكات في شمال المحافظة الممتدة إلى بلدات جنوب إدلب التي أحرزت فيها قوات إسلامية تقدما خلال الشهرين الماضيين، قبل أن يطرد مقاتلو «النصرة» قوات الجيش السوري الحر الأسبوع الماضي من بلدات غرب إدلب وتوسيع دائرة نفوذهم على حساب المقاتلين المعتدلين في جنوبها. وتمتد المعارك بين «النصرة» وحلفائها ضد قوات النظام إلى ريف اللاذقية، حيث طرد مقاتلو «داعش» قبل أشهر قليلة ونفذوا انسحابهم باتجاه معقل التنظيم في الرقة وشرق حلب.
وتعد معارك حلب وريفها، أكثر المعارك تعقيدا، إذ تشهد مدينتها اشتباكات بين قوات النظام مدعومة بمقاتلين حلفاء لها شرق المدينة وشمالها، على جبهتين مفتوحتين، علما بأن النظام يسيطر على جنوب المدينة وغربها ويتقدم من جهة الشرق وشمال شرقي المدينة على محور سجن حلب المركزي. وفي ريف حلب الشرقي، تندلع اشتباكات بين «داعش» والنظام في غرب مدينة الباب تتركز قرب مطار كويرس العسكري، فيما تقع اشتباكات بين «داعش» والكتائب الإسلامية في ريف المدينة الشرقي.
وينسحب هذا المشهد إلى مناطق شمال حلب، حيث تقع اشتباكات بين كتائب الإسلامية و«داعش» في مناطق حدودية مع تركيا، فيما تقاتل الكتائب الإسلامية في نقطة وسط بين الحدود ومدينة حلب، من ناحية الشمال، مع قوات النظام مدعومة بمقاتلي «حزب الله» في المنطقة الواقعة شمال شرقي حلب قرب بلدتي نبل والزهراء.
وفي ريف حلب والرقة والحسكة ودير الزور، يصبح تنظيم «داعش» الطرف الرئيس في الصراع العسكري، إذ تشهد المنطقة اشتباكات بين «داعش» وقوات الحماية الكردية شمال شرقي محافظة حلب في منطقة عين عرب (كوباني) المحاذية لريف الرقة الشمالي. وفي معقل التنظيم بالرقة، تتواصل الاشتباكات بين النظام و«داعش» غرب الرقة في مطار الطبقة العسكري.
أما محافظة الحسكة، فتشهد اشتباكات بين النظام و«داعش» قرب مدينة الحسكة، وفي جنوب الحسكة تركزت في فوج الميلبية. كما تقع اشتباكات بين المقاتلين الأكراد و«داعش» في شمال المحافظة وفي شمال شرقي الحسكة. أما في دير الزور، وبعد سيطرة التنظيم على أرياف المحافظة كاملة، فتندلع اشتباكات بين النظام و«داعش» قرب مطار دير الزور العسكري، وعلى تخوم الأحياء الخاضعة لسيطرة النظام في المدينة.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.