تنازلات الحكومة الفرنسية تفشل في إرضاء «السترات الصفراء»

السلطات تتخوف من «سبت أسود» جديد

رئيس الحكومة الفرنسية يخاطب المجلس النيابي في باريس أمس (أ.ب)
رئيس الحكومة الفرنسية يخاطب المجلس النيابي في باريس أمس (أ.ب)
TT

تنازلات الحكومة الفرنسية تفشل في إرضاء «السترات الصفراء»

رئيس الحكومة الفرنسية يخاطب المجلس النيابي في باريس أمس (أ.ب)
رئيس الحكومة الفرنسية يخاطب المجلس النيابي في باريس أمس (أ.ب)

كرة النار تتدحرج في فرنسا ولم تعد مقصورة على «السترات الصفراء». التلامذة والطلاب انضموا إلى حركة احتجاجية طلابية، والمزارعون يتهيأون للتحرك، فيما أعلن قطاع النقل البري بدء إضراب عام بدءا من الأحد القادم. كل له مطالبه. أما الخيط الجامع بين هذه الجهات، فهو الاستياء من السياسات الحكومية الاقتصادية والاجتماعية، والمطالبة بمزيد من العدالة الاجتماعية وتوزيع الجهود المطلوبة فيما يخص الضرائب والرسوم بشكل عادل، وتحسين الأحوال المعيشية للشرائح الاجتماعية الوسطى والأدنى.
وأصبح اليوم من الواضح للجميع أن رئيس الجمهورية والحكومة يواجهان أسوأ أزمة سياسية منذ وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة في ربيع العام الماضي. والأسوأ من ذلك أن هناك شعورا بأن الدولة افتقدت المبادرة، وتحاول كيفما اتفق على التعاطي مع الأزمات المتوالدة من بعضها البعض. ولعل أفضل صورة تعكس هذا الواقع هي «الاستقبال» الذي لقيه ماكرون، ليل أول من أمس، لدى زيارته لمقر الشرطة في مدينة بوي أو فوليه الواقعة وسط فرنسا، حيث أحرق المتظاهرون يوم السبت الماضي مقر الشرطة. أصوات صراخ وإهانات كانت باستقبال رئيس الجمهورية، وهي المرة الأولى التي يواجه فيها غضبا شعبيا من هذا النوع.
كانت الحكومة تأمل، بعد أن أعلن رئيسها إدوار فيليب «تجميد» زيادات الرسوم المقررة سابقا على المحروقات والغاز والكهرباء والتخلي عن فرض معايير تقنية أكثر تشددا بالنسبة للسيارات، أن تتوقف الحركة الاحتجاجية لـ«السترات الصفراء» باعتبار أن ما أعلن عنه يتجاوب مع مطالبهم الأساسية.
وبذلك يكون الرئيس والحكومة قد تراجعا عن مواقفهما السابقة الرافضة لأي تبديل أو تأجيل في موضوع الرسوم. وهذا التراجع، وهو أيضا الأول من نوعه لرئيس جعل ديدنه الذهاب حتى النهاية في خططه الإصلاحية، رغم الاعتراضات والاحتجاجات. إلا أن «السبت الأسود» الأخير الذي عاشته باريس وتميز بأعمال عنف وشغب وإحراق محال تجارية ومكاتب وسيارات وبنك جعل السلطات، بعد 17 يوما من انطلاق الحركة الاحتجاجية، تعدل موقفها وتقدم مرغمة على الاستجابة لجانب من المطالب المرفوعة. لكن أملها خاب، إذ اعتبر المحتجون أن «تجميد» زيادات الرسوم جاء متأخرا، إضافة إلى أنه غير كاف.
والمطلوب اليوم لم يعد محصورا به، بل ثمة مطالب إضافية منها تخفيف العبء الضريبي، وزيادة الحد الأدنى للأجور، ورفع المعاشات التقاعدية، وإعادة العمل بضريبة الثروة التي ألغتها الحكومة الخريف الماضي. والنتيجة كانت أن تدعو «السترات الصفراء» للعودة مجددا إلى باريس للاحتجاج. ودعا إريك درويه، أحد قادة الحركة في تغريدة، إلى «العودة إلى باريس السبت القادم قريبا من مراكز السلطة في جادة الشانزليزيه، وقوس النصر، وساحة الكونكورد».
حقيقة الأمر أن السلطة تعيش حالة من الهلع، وخوفها الأكبر أن تتكرر في السبت القادم مشاهد المواجهات والكر والفر بين المحتجين الذين انضمّ إليهم المئات من المشاغبين وقوات الأمن، وأن تنقل قنوات العالم التلفزيونية مشاهد الحرائق المندلعة وأعمال اللصوصية، وتهشم أكثر فأكثر صورة العاصمة وفرنسا، وتزيد من الخسائر التي لحقت باقتصادها.
لذا، فإن رئيس الجمهورية، عبر الناطق باسم الحكومة الوزير بنجامين غريفو، أطلق صباح أمس دعوة باتجاه الأحزاب والنقابات وأرباب العمل يحثهم فيها على دعوة المحتجين لوقف حركاتهم الاحتجاجية. ونبه ماكرون من استغلال ما يحصل من قبل جهات «ذات هدف واحد، وهو مهاجمة الجمهورية».
ومن جانبه، مثل رئيس الحكومة إدوار فيليب، بعد الظهر أمام المجلس النيابي بمناسبة جلسة النقاش المقررة للتطورات الأخيرة. وفي الوقت عينه، توزع الوزراء على كافة قنوات التلفزة والإذاعة وهم يحملون رسائل التهدئة وليؤكدوا أن تجميد زيادات الرسوم لستة أشهر يمكن أن تتحول لاحقا إلى إلغاء نهائي، إذا لم تجد الدولة بديلا عن ذلك. وذهب غريفو إلى الإشارة إلى أن الحكومة مستعدة للنظر «ليس في الوقت الحاضر» وإنما لاحقا في موضوع إعادة فرض الضريبة على الثروة، إذا تبين أن إلغاءها لم يسهم في دفع أصحاب الثروات للاستثمار في الاقتصاد الفرنسي. ودعا لوران بيرجيه، أمين عام نقابة الكونفدرالية العامة للشغل القريبة من الحزب الاشتراكي الحكومة إلى القيام بإصلاح ضريبي، معتبرا أن «العدالة الضريبة هي أم المعارك».
وكانت جلسة مجلس النواب أمس حامية، وانصبت الانتقادات بالدرجة الأولى على الرئيس ماكرون من زاوية أسلوبه «الفوقي» في الحكم، ومفهومه «العمودي» لممارستها، ولكن خصوصا على مضمون السياسات التي ينفّذها منذ 16 شهرا والتي رآها اليسار الاشتراكي والمتشدد وكذلك حزب «الجمهوريون» اليمين الكلاسيكي وحزب «التجمع الوطني» الذي تترأسه مارين لوبان أنها «تفتقر للعدالة الضريبية».
ولم يجد رئيس الحكومة من يقف إلى جانبه سوى حزب «الجمهورية إلى الأمام»، وهو الحزب الرئاسي وحليفه «الحزب الديمقراطي» الوسطي. ونقطة الالتقاء الرئيسية للمنتقدين أن التدابير التي أعلنتها الحكومة جاءت «متأخرة ومنقوصة». وواضح أن الحكومة تراهن على الانشقاقات داخل المحتجين، وعلى تباين نظراتهم إزاء التجاوب مع المقترحات. لكنها في الوقت عينه تتخوف من تراكم الحركات المطلبية وتضافرها. والشعور المتنامي اليوم لدى الأحزاب أو النقابات أن الحكم يجتاز مرحلة صعبة يمكن الاستفادة منها لانتزاع ما يمكن انتزاعه من مطالب. ويظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «بي في آي»، ونشر مساء الثلاثاء، أن 70 في المائة من الفرنسيين يرون أن «تجميد» الرسوم على المشتقات النفطية سبب كاف لوقف المظاهرات والأعمال الاحتجاجية. لكن لا يبدو أن هذا التوجه هو الغالب لدى «السترات الصفراء». ولذا، فإن السلطات الأمنية تعمل مجددا على خطط تمكنها من تلافي التجاوزات وأعمال الشغب التي عرفتها باريس وعدد من المدن الكبرى السبت الماضي.
وأمس، طالب حزب الجمهوريين اليميني الحكومة بإعادة فرض حالة الطوارئ. لكن وزير الدولة للشؤون الأمنية لوران نونيز ما زال يعتبر أن هذا الأمر غير مطروح اليوم. من هنا، فإن مجريات السبت القادم ستحدد ما إذا كان الفرنسيون سيعودون للعيش في ظل قانون الطوارئ الذي خرجوا منه قبل عام تماما.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».