وزير الإعلام الموريتاني لـ«الشرق الأوسط»: السعودية حليف استراتيجي

قال إن زيارة الأمير محمد بن سلمان «في غاية الأهمية»... ووقفنا ضد المشروع الإخواني لأنه أشعل النار في مناطق كثيرة

سيدي محمد ولد محم
سيدي محمد ولد محم
TT

وزير الإعلام الموريتاني لـ«الشرق الأوسط»: السعودية حليف استراتيجي

سيدي محمد ولد محم
سيدي محمد ولد محم

تستقبل موريتانيا اليوم (الأحد) ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في زيارة «غير مسبوقة» لمسؤول سعودي بهذا المستوى، منذ زيارة الملك الراحل فيصل، مطلع سبعينات القرن الماضي، بدعوة من الرئيس الراحل المختار ولد داداه.
وزير الإعلام الموريتاني سيدي محمد ولد محم قال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن زيارة الأمير محمد بن سلمان تعكس «متانة العلاقات» بين المملكة العربية السعودية وموريتانيا، مستحضراً قروناً من التبادل العلمي والثقافي والاجتماعي بين شعبي البلدين.
الوزير اعتبر السعودية حليفاً استراتيجياً قوياً ودولة شقيقة وصديقة، قائلاً إنها «قدمت الكثير من الدعم لموريتانيا في كل المجالات، وهو أمر نذكره بكبير العرفان بالجميل»، موضحاً أن هذا الدعم شمل مجالات كثيرة من أبرزها دعم قوي في مجال محاربة الإرهاب، تلك الحرب التي خاضتها موريتانيا لسنوات وفق «مقاربة أمنية» حاولت موريتانيا تصديرها إلى البلدان المجاورة. الوزير كشف لـ«الشرق الأوسط» موقف موريتانيا من الحراك الأخير في المغرب العربي، من دعوة العاهل المغربي الملك محمد السادس للحوار مع الجزائر، ودعوة الجزائر لاجتماع طارئ لوزراء خارجية المغرب العربي، قال الوزير إن موريتانيا تتابع ذلك بإيجابية ولم يستبعد أن تعمل موريتانيا على عقد مغاربية في نواكشوط.

> موريتانيا تستقبل الأمير محمد بن سلمان وذلك للمرة الأولى... كيف تنظرون لهذه الزيارة؟
- زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى موريتانيا، هي زيارة في غاية الأهمية وتعكس متانة الروابط التاريخية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، وبين شعبيهما عبر التاريخ وبين قيادتي البلدين. ويعتبر الأمير محمد بن سلمان هو أرفع مسؤول سعودي يزور موريتانيا منذ زيارة الملك فيصل، رحمه الله، بداية السبعينات.
العلاقات التي تربط بين قيادتي البلدين والشعبين هي علاقات تحكمها روابط الدم والدين والأواصر التاريخية، فالموريتانيون الشناقطة معروفون بحضورهم القوي في المملكة العربية السعودية، ولذلك قدمت المملكة الكثير من الدعم لموريتانيا في جميع المجالات، وهو أمر نذكره بكبير العرفان بالجميل، ومنذ وصول فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى مقاليد الأمور وهو يعمل على تطوير علاقات موريتانيا وخاصة بأشقائها، وقد احتلت المملكة العربية السعودية أولوية الأولويات في علاقاتنا العربية، مما أثمر زيارة من هذا المستوى ومن هذا النوع.
> ما أبرز أوجه التعاون المشترك بين موريتانيا والسعودية؟ وإلى أي درجة تريدون الوصول بهذا التعاون؟
- التعاون الموريتاني - السعودي شمل جميع المجالات؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وبالتالي فالعلاقات الموريتانية - السعودية هي علاقات متعددة الأبعاد في مختلف جوانبها. في المجال السياسي نعتبر المملكة حليفاً استراتيجياً قوياً ودولة شقيقة وصديقة، وكذلك في المجال الأمني تطور مستوى التعاون كثيراً. وفي المجال الاقتصادي هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه، والعلاقات الاجتماعية أيضاً موجودة وقوية. إنها علاقات متعددة الأبعاد والأوجه، ومهما كان المستوى الذي وصلت إليه هذه العلاقات فإنها ستظل دائما دون طموحات قيادتي البلدين، باعتبار أن الشيء الطبيعي هو أن تكون العلاقات مع المملكة العربية السعودية في قمة أوجها وعطائها، وبما يخدم مصلحة البلدين الشقيقين والشعبين السعودي والموريتاني.
> قبل سنوات أسست المملكة العربية السعودية تحالفاً لمحاربة الإرهاب في العالم الإسلامي، كانت موريتانيا سباقة لدعمه والانخراط فيه، وهو موقف يعكس الإدراك الموريتاني لخطورة الإرهاب، كيف نشأ ذلك الإدراك؟
- أولاً نتيجة للضرر الكبير الذي ألحقه الإرهاب ببلادنا، فنحن من البلدان التي اكتوت بنار الإرهاب، وعرفت الإرهاب على حقيقته. لقد كلفنا ضرراً بالغاً في الأنفس وفي المال وفي البنية التحتية. نحن لم نعتدِ على أحد ومع ذلك تم ذبح أبنائنا من طرف الإرهابيين جهاراً نهاراً، وتعرض ضيوفنا للقتل والاختطاف. وفي وضعية من هذا النوع وصل فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى السلطة وقرر شن حرب على المجموعات الإرهابية من أجل ضمان أمن بلادنا واستقرارها، وذلك باعتبار أن الاستقرار والأمن هما الركيزة الأساسية لأي تنمية أو نهضة، وقد نجحت المقاربة الأمنية الموريتانية في إبعاد خطر وشبح الإرهاب عن بلادنا وعن حدودها، وحين تقارنون أنه في 2008 كانت الاشتباكات مع الإرهابيين هنا في نواكشوط، واليوم تعتبر الحدود الموريتانية جد آمنة، والأراضي الموريتانية من أكثر المناطق أمناً في العالم، وهذا نتيجة للوعي المبكر بخطر الإرهاب، ذلك أن الإرهاب لا لون له... لا حدود له... لا دين له... إنه خطر يهدد دول العالم بكاملها، ووعياً من الحكومة الموريتانية ومن فخامة رئيس الجمهورية بضرورة مواجهة الإرهاب تم إعداد مقاربة أمنية متعددة الأبعاد، وأعتقد أن الجميع أشاد بنجاحها، فتحولت بلادنا من دولة همها الأول هو ضمان أمنها واستقرارها إلى دولة تحفظ للآخرين أمنهم وتساهم في أمن المنطقة ككل، وهذا هو التحول الجذري الهام الذي عرفته بلادنا في ظل قيادة الرئيس خلال العشرية الماضية.
> محلياً لاحظنا مؤخراً صرامة من طرف السلطات الموريتانية تجاه «الخطاب الإخواني»، وخاصة فيما يتعلق بمؤسسات تعليمية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، ما السر في هذا التوجه الجديد؟
- أولاً تأسيساً على قاعدة ثابتة في تفكيرنا، فحين نستورد مشروعاً، أي مشروع، يجب أن نبحث عن أدائه وعن جدوائيته في البلد المصدر؛ هذا الإسلام السياسي الذي يحاول البعض تصديره إلينا، أو يحاول بعض الموريتانيين استيراده من مناطق أخرى، هو نفسه الذي أشعل النار في مناطق كثيرة، كسوريا ومصر والعراق واليمن وليبيا، وأحدث دماراً كبيراً في الكثير من الدول العربية، وبالتالي تجربته تثبت مع الوقت أنه لا يشكل عنصر استقرار في المنطقة، وأنه عامل من عوامل التوتير عبر ما يناهز تسعين سنة ماضية، وبالتالي خلال كل هذه الفترة سقط شعار «الإسلام هو الحل»، حتى عند الذين حملوه، ولم يستطيعوا تقديم قراءة تشكل حلا مقنعا لجموع المسلمين والعرب في العالم.
القراءة الموريتانية للدين، بأبعادها المتعددة، هي التي حفظت لهذا البلد أمنه واستقراره، وظل الموريتانيون بمنأى عن الحروب الأهلية وعن عوامل التفرقة، وظل السلم الأهلي قائماً، لأن الموريتانيين يفهمون أن غاية الدين هي إحقاق العدل أولا وتحقيق السلم ثانيا، وأن هذين الهدفين المتوازيين يشكلان مقصدين أساسيين من مقاصد الشرع، وبالتالي ظل القياس الموريتاني يأخذ بعين الاعتبار هذين المقصدين، فالدين الذي لا يوفر العدل ليس دينا من عند الله، والدين الذي لا يوفر السلم والاستقرار ليس دينا من عند الله، وقد فهم الموريتانيون أن الاستقرار والسلم والعدل هما غاية هذا الدين.
> على غرار الإجراءات التي اتخذت ضد الإخوان المسلمين، سبق وأن اتخذتم أيضا إجراءات مشابهة ضد منظمة تنشر التشيع لديها صلة بإيران؟
- بالطبع هذا يستوي فيه الجميع، أي محاولة لدفع الموريتانيين باتجاه مذاهب أخرى أو حركات سياسية أخرى فهو بالخانة نفسها بالنسبة لنا. نحن نعتبر أن وحدة المذهب لدى الموريتانيين مكسب، وأن وحدة الدين بالنسبة لهم مكسب، وأنهم هم من يعطون دروساً في الموضوع ولا يتلقونها من الآخرين. وكل ما يمس وحدة الموريتانيين في مذاهبهم وفقههم ومعتقداتهم ودينهم فهو أمر يشكل خطراً على السلم والانسجام الوطني، وبالتالي فمن مسؤولية الحكومة اتخاذ جميع التدابير لحماية الوئام الوطني وللدفاع عن المنظومة العقدية للموريتانيين، والنأي بهم عما يفرقهم، ويشترك في ذلك الجميع. ولكن ما تحدثنا عنه في الأول يعني بالدرجة الأولى مدرسة «الإخوان المسلمين». فعلى مدى تسعين عاماً أثبتت للأسف أنها لا تشكل عنصر أمن واستقرار في كل البلدان التي عرفتها، وبالتالي أعتقد أن الموريتانيين حريصون على وحدتهم عقائديا ومذهبيا وسياسيا، ولا يحتاجون من الغير دروساً في الموضوع.
> إقليمياً... ما موقف موريتانيا من الحراك الأخير الذي أعاد الحديث عن اتحاد دول المغرب العربي إلى الواجهة، ومن دعوة العاهل المغربي للحوار مع الجزائر إلى دعوة الجزائر لاجتماع طارئ لوزراء خارجية دول المغرب العربي؟
- نتعاطى مع الموضوع بكل إيجابية، وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة لنا. نحن مع أي حراك يحقق وحدة دول المغرب العربي، وينزع فتيل التوتر بها، ويحل المشاكل العالقة، ونعتبر أنفسنا دائما جزءاً من الحل ولسنا طرفاً في المشكل. نتابع موضوع العلاقات المغربية الجزائرية ومشكل الصحراء العالق. وبما أن الأطراف اختارت تدويل الموضوع وتقديمه أمام الأمم المتحدة فنحن ندفع باتجاه الحل، وندعو جميع الأطراف لتغليب منطق العقل، والدفع إلى حل ينهي كل أزمات المنطقة، ويقدم حلاً يرضي الجميع ويجدون فيه ذواتهم. وفي النهاية استقرار المنطقة يهمنا ونعتبر أنفسنا المستفيد الأول منه.
لقد تابعنا هذه الدعوات، وأعتبر أن الدعوة الموريتانية إلى اجتماع وزراء خارجية المغرب العربي في نواكشوط يشكل رداً عملياً عليها، وهو ملف متابع من طرف فخامة الرئيس عن كثب، وفي انتظار انعقاد هذا الاجتماع، حيث أعتقد أنه سيتحدد الدور الموريتاني والرؤية الموريتانية كطرف جامع لكل دول المغرب العربي، ومترفع عن كل الخلافات البينية القائمة، وبالتالي فموقفنا ظل واضحا طيلة الفترات الماضية، ونحن اليوم نملك رؤية أوضح، بفضل السياسات المتبعة من طرف فخامة الرئيس، نملك ما نقدمه للإخوة في المغرب العربي، وبالتالي فدورنا هو أن نشجع كل دعوة لحل المشاكل العالقة بين هذه الدول.
> هل نتوقع قمة لقادة دول المغرب العربي قد تحتضنها نواكشوط انطلاقاً من هذه الرؤية الجامعة والمترفعة عن الخلافات البينية؟
- لِمَ لا... بالإمكان... بالإمكان... وعقد أي قمة صحيح أنه قد يكون مهماً بالنسبة لأي دولة، ولكن في النهاية إنجاح هذه القمة مسؤولية كبيرة، وأعتقد أنه قبل الدعوة إلى انعقاد أي قمة مغاربية في موريتانيا، المهم هو اتخاذ التدابير اللازمة لإنجاح هذه القمة، وأعتقد أن دعوتنا إلى عقد اجتماع وزراء الخارجية في نواكشوط ربما يكون مقدمة لعمل من هذا النوع.


مقالات ذات صلة

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من رئيس المالديف

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من رئيس المالديف

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من الرئيس المالديفي محمد معز، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية جانب من مباحثات الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان في القاهرة يوم 4 فبراير (الرئاسة التركية)

إردوغان: تركيا ستعمل مع مصر لاستعادة السلام وإعادة الإعمار في غزة

قال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن بلاده ستعمل مع مصر على ضمان استعادة السلام وإعادة الإعمار في قطاع غزة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الخليج ولي العهد السعودي لدى محادثاته مع المستشار الألماني أمس (واس)

مباحثات سعودية ــ ألمانية في الرياض

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في قصر اليمامة بالرياض، مساء أمس، المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال جلسة مباحثات رسمية مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الرياض الأربعاء (واس)

مباحثات سعودية - ألمانية تستعرض العلاقات والمستجدات

استعرض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، المستجدات الإقليمية والدولية، خلال جلسة مباحثات رسمية بقصر اليمامة في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي والرئيس التركي خلال مباحثاتهما الرسمية أمس (واس)

السعودية وتركيا توسعان التعاون الاستراتيجي في السياسة والطاقة والدفاع

أكدت السعودية وتركيا، في بيان مشترك صدر في ختام زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الرياض، عزمهما المضي قدماً في تعزيز شراكتهما السياسية والاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.