أميركا تعيد التوازن لقطاع صناعات الطاقة الشمسية لمنع الإغراق

فرضت رسوما جمركية تصل إلى 35 في المائة على واردات الصين

واردات الصين من الألواح الشمسية لأميركا عرضت في الأسواق بأقل من سعر التكلفة (إ.ب.أ)
واردات الصين من الألواح الشمسية لأميركا عرضت في الأسواق بأقل من سعر التكلفة (إ.ب.أ)
TT

أميركا تعيد التوازن لقطاع صناعات الطاقة الشمسية لمنع الإغراق

واردات الصين من الألواح الشمسية لأميركا عرضت في الأسواق بأقل من سعر التكلفة (إ.ب.أ)
واردات الصين من الألواح الشمسية لأميركا عرضت في الأسواق بأقل من سعر التكلفة (إ.ب.أ)

رغم استمرار الهيئات التنظيمية في الكفاح ضد صراع التجارة الذي طال أمده مع الصين حول الألواح الشمسية، بدأت القضية بالفعل في إعادة تشكيل هذه الصناعة بإزالة المصنعين اللذين يتخذان من مقرات خارج الصين ورفع أسعار اللوحات الشمسية على المطورين في الوقت ذاته.
واتخذت وزارة التجارة الأميركية خطوة أخرى في هذا الاتجاه يوم الجمعة الماضي، حيث وجدت أن شركات الطاقة الشمسية الصينية أغرقت السوق الأميركية بمنتجاتها بأسعار أقل من التكلفة، وفرضت رسوما تتراوح بين 10.74 في المائة إلى 55.49 في المائة. وتبع الحكم قرار منفصل في يونيو (حزيران) قضى بأن مصنعي الألواح الشمسية الصينيين استفادوا من الدعم الحكومي غير العادل، مما أدى إلى فرض رسوم حادة بنحو 19 في المائة إلى 35 في المائة.
على الرغم من أن حكم يوم الجمعة الماضي، مثل الآخر الصادر في يونيو، يعد حكما ابتدائيا يمكن أن يتغير - من المتوقع أن تصدر الأحكام النهائية هذا العام - فإن تأثير ارتفاع الرسوم الجمركية المفروضة في يونيو بدا واضحا في السوق. وقد ارتفعت أسعار اللوحات بنحو عشرة في المائة منذ ذلك الحين، وحسبما يقوله المطورون والمحللون إن ذلك أدى إلى تراجع الطلب على بعض الشركات المصنعة الكبرى ذات التكلفة المنخفضة التي هيمنت على السوق، مثل «ينجلي» و«صن تك». ولكن كان ذلك نعمة بالنسبة لشركات أخرى، التي أصبحت منتجاتها فجأة تنافسية وتفوز بأعمال جديدة. وأظهرت بالفعل الشركات الأميركية والأوروبية التي نجت من المنافسة الشرسة مع الشركات الصينية علامات انتعاش.
أعلنت حديثا شركة سولار سيتي (SolarCity)، وهي شركة تزود أسطح المنازل بالطاقة الشمسية وتشهد نموا سريعا في هذا المجال ومقرها في سان ماتيو، بكاليفورنيا، أنها ستشتري ألواحا شمسية تصل قيمتها إلى 240 ميجاوات من شركة الطاقة المتجددة أر إي سي (REC)، وهي شركة نرويجية، واستحوذت على سيليفو (Silevo) شركة ناشئة، وتخطط لإنتاج الألواح في مدينة بوفالو. وقد استفادت أيضا شركة «سولار وورلد» الأميركية للصناعات، وهي شركة تصنيع مقرها في ولاية أوريغون، من صفقة حديثة لبيع المعدات إلى شركة أر جي إس (RGS) للطاقة، شركة تركيب.
وقال أوشن يوان، رئيس ومؤسس شركة (Grape Solar)، ومستورد للألواح الشمسية في يوجين بأوريغون: «إننا نتدافع من أجل شراء وحدات خلايا شمسية تصنع في كوريا واليابان وماليزيا». وأضاف أن تأثير الحكم الصادر في شهر يونيو كان واضحا في مؤتمر صناعة كبير في سان فرانسيسكو هذا الشهر، إذ لم يقم عروضا سوى عدد قليل من الشركات الصينية. تلك الشركات التي اعتادت أن تشغل طابقا كاملا لم تملأ سوى زاوية صغيرة.
وقال: «هناك فقط حفنة من الشركات الصينية حضرت المعرض. كان معتادا أن يكون هناك كثير منهم».
فرضت الولايات المتحدة بالفعل رسوما على الألواح الشمسية المصنوعة من الخلايا الشمسية الصينية - الأجزاء الرئيسة النهائية التي يجري تجميعها في وحدات - في عام 2012، ولكن تلافى كثير من المصنعين تلك الرسوم باستخدام الخلايا المنتجة في أماكن أخرى، ولا سيما تلك المصنعة في تايوان. الدعوى الحالية هي جزء من محاولة من جانب شركة «سولار وورلد» الأميركية للصناعات، وهي شركة تابعة لإحدى الشركات الألمانية، لسد تلك الثغرة. في الواقع، تضمن قرار يوم الجمعة الخلايا التايوانية وفرض رسوم عليها تتراوح بي 27.59 في المائة إلى 44.18 في المائة.
ومع ذلك، لا تزال كثير من القضايا معلقة، مما يضفي شعورا غير مرحب به بعدم اليقين على سوق الطاقة الشمسية.
وقال روبرت بيترينا، العضو المنتدب لشركة «ينجلي جرين إنرجي»: «الشيء الأكثر أهمية لتلك الصناعة هو إمكانية الوصول إلى سلسلة إمدادات ثابتة من المنتجات التي يجري تسعيرها بشكل خاص، وليس فقط التي جرى تسعيرها اليوم أو لمدة أسبوع أو شهر من الآن ولكن ننظر حقا إلى عام 2015، و2016». وأضاف: «من أين سيأتي ذلك اليقين؟»
وقال روبرت ستون، المحلل في شركة كوين، «نتيجة لارتفاع أسعار الألواح الصينية، قد ينتهي الأمر بالشركات التي تقوم بصناعة وتركيب الأنظمة، مثل «صن باور» (SunPower)، التي تتخذ من سان خوسيه بكاليفورنيا مقرا لها، في وضع أكثر تنافسية نظرا لأن المعدات ذات الكفاءة العالية قد توفر في التكاليف على المدى الطويل. ولكنه حذر من أن الدعوى التجارية كانت ضارة بالصناعة ككل، إذ إنها في حاجة إلى الإبقاء على خفض أسعارها؛ نظرا لأن الإعانات السخية من المقرر أن تقلص بعد عام 2016.
وأوضح أن ذلك «مضيعة كبيرة للجهد». وأضاف أن «الذي سيحدث في نهاية المطاف هو أنه ستكون هناك مواقع أخرى للتصنيع في الخارج أو في المكسيك أو شيء سيمثل البديل التالي الأفضل إذا جرى حظر المنتجات المصنوعة في الصين بواسطة الحواجز التجارية».
على الرغم من أن محللي الطاقة الشمسية والمديرين التنفيذيين يقولون إنهم لا يتوقعون أن تتوقف التنمية، إذ إن حالة عدم اليقين بشأن التسعير وضعت بالفعل بعض المشاريع - خاصة مزارع الطاقة الشمسية الكبيرة الجديدة التي تخطط لبيع الطاقة إلى المرافق - على أرضية مهزوزة.
وقال شايل خان، نائب رئيس بمعهد GTM للأبحاث إن الزيادات جاءت في وقت صعب للغاية، نظرا لأن المطورين وقعوا اتفاقيات شراء للطاقة مع المرافق العامة بأسعار منخفضة ربما سيكون من الصعب الوفاء بها إذا ارتفعت تكاليف المعدات.
وفي الصين، أثير قلق هؤلاء الصناع بسبب إمكانية فرض تعريفات أعلى، على الرغم من تقلص اعتمادها على السوق الأميركية، مما دفع على الأقل بعض المسؤولين التنفيذيين إلى النظر في تحويل الإنتاج إلى أماكن أخرى، ربما إلى الولايات المتحدة. قلصت بالفعل التعريفات الحالية من مبيعات الألواح الشمسية الصينية إلى الولايات المتحدة، لدرجة أنها تمثل أقل قليلا من عشر مبيعات الصناعة الصينية في جميع أنحاء العالم.
وقال ستيفن هان، محلل في مجال صناعة الطاقة الشمسية بمعد (SWS) للأبحاث، محلل استثماري مقره في شنغهاي، إنه من دون فرض رسوم جمركية إضافية، سوف تشكل الشركات الصينية من اثنين إلى ثلاثة جيجا وات من إجمالي خمسة جيجا وات التي تنتجها السوق الأميركية هذا العام. وعلى النقيض من ذلك، تزود الشركات الصينية معظم السوق الصينية، الأكبر في العالم، والتي يمكن أن تصل إلى 14 جيجا وات هذا العام. كما أنها تشحن أيضا نحو خمسة جيجا وات لكل من الاتحاد الأوروبي واليابان كل عام، بالإضافة إلى شحنات أصغر إلى أسواق مثل تايلاند.
ولكن ربما لا يزال سوق الولايات المتحدة يوضح الفرق بين تعافي ربحية المصنعين الصينيين والخسائر المستمرة. ودفع الانخفاض الحاد في الأسعار بدءا من عام 2010 حتى عام 2013 ببعض المصنعين الصينيين، مثل صن تك، بتفكيك جزء من قدرة مصنعها، مما أدى إلى توازن الأسعار منذ يناير (كانون الثاني) من هذا العام.
وإذا رفعت الولايات المتحدة الرسوم، يمكن أن ينهار التوازن بسبب ضغوط الخصم المتجددة. وقال هان: «يعتبر كل سوق مهما للغاية» لامتصاص الإنتاج الصيني.
وسجلت شركة «جي إيه سولار شنغهاي»، إحدى أكبر الشركات المصنعة الصينية للوحات الطاقة الشمسية من حيث الإنتاج، إصدار ما يصل إلى 250 مليون دولار أوراقا مالية في الولايات المتحدة هذا الشهر دون تحديد نوع الأسهم. وكتب غاري دفورشاك المتحدث باسم الشركة، في رسالة عبر البريد الإلكتروني أن التسجيل «يزيد من مرونة الشركة المالية بشأن أي فرص تلوح في الأفق» لكنه امتنع عن قول ما كان يجري متوقعا.
وقال يوان رئيس شركة (Grape Solar) إن شركة «جي إيه سولار» أرادت بناء مصنع للوحات في الولايات المتحدة لتلافي التعريفات الأميركية، كما فعلت كثير من شركات صناعة السيارات اليابانية منذ ثلاثة عقود لتلافي القيود المفروضة على الواردات الأميركية. وأضاف يوان أنه قدم المشورة للشركة وعرض على مسؤوليها مواقع محتملة في ولاية أوريغون، ولكن، كما قال، كان من المرجح أن يقع اختيارهم على ولايات أخرى تقدم حوافز ضريبية أكثر سخاء.
ليس بالضرورة أن يكون التصنيع في الولايات المتحدة أكثر تكلفة لقطاع الأعمال كثيفة رأس المال مثل صناعة الألواح الشمسية.
حيث أوضح يوان أن «العنصر الوحيد مرتفع التكلفة هو العمالة، وهو ما يمكن أن يجرى موازنته عن طريق مستوى أعلى من التشغيل الآلي، إلى جانب إنتاجية العمال الأميركيين والقوة العاملة المستقرة».



الذهب يواصل مكاسبه مع ضعف الدولار وسط ترقب لبيانات الوظائف الأميركية

رقائق من الذهب في «غاليري 24»، وهي شركة بيع بالتجزئة للذهب مملوكة للدولة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)
رقائق من الذهب في «غاليري 24»، وهي شركة بيع بالتجزئة للذهب مملوكة للدولة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)
TT

الذهب يواصل مكاسبه مع ضعف الدولار وسط ترقب لبيانات الوظائف الأميركية

رقائق من الذهب في «غاليري 24»، وهي شركة بيع بالتجزئة للذهب مملوكة للدولة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)
رقائق من الذهب في «غاليري 24»، وهي شركة بيع بالتجزئة للذهب مملوكة للدولة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)

واصل الذهب مكاسبه، يوم الاثنين، ليتداول فوق مستوى 5 آلاف دولار للأونصة بقليل مع انخفاض الدولار، بينما ينتظر المستثمرون تقريراً هاماً عن سوق العمل الأميركي من المقرر صدوره في وقت لاحق من الأسبوع لتقييم مسار أسعار الفائدة.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 5026.04 دولار للأونصة بحلول الساعة 03:33 بتوقيت غرينتش بعد ارتفاعه بنسبة 4 في المائة يوم الجمعة. وارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 1.4 في المائة إلى 5046.10 دولار للأونصة.

قال تيم ووترر، كبير المحللين في شركة «كي سي إم»: «بشكل عام، يشهد الذهب ارتفاعاً اليوم، وإن كان حذراً، في ظل ترقب بيانات الوظائف الرئيسية هذا الأسبوع، مدعوماً بانخفاض الدولار. وقد دفع الإقبال على الشراء الذهب مجددًا فوق مستوى 5 آلاف دولار».

وكان الدولار الأميركي عند أدنى مستوى له منذ 4 فبراير (شباط)، مما جعل المعادن الثمينة، التي تُباع بالدولار، أرخص للمشترين الأجانب.

وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها تعتقد أن خفض سعر الفائدة مرة أو مرتين إضافيتين قد يكون ضرورياً لمواجهة ضعف سوق العمل.

ويتوقع المستثمرون خفض سعر الفائدة مرتين على الأقل بمقدار 25 نقطة أساس في عام 2026، مع توقع أول خفض في يونيو (حزيران). ويميل الذهب، الذي لا يُدرّ عائدًا، إلى الأداء الجيد في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة.

قال ووترر: «أي تباطؤ في بيانات الوظائف قد يدعم انتعاش الذهب. لا نتوقع خفضًا لسعر الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي حتى منتصف العام، إلا إذا شهدت بيانات الوظائف انخفاضاً حاداً».

انتظر المستثمرون بيانات الوظائف غير الزراعية الأميركية لشهر يناير (كانون الثاني) يوم الأربعاء للحصول على مزيد من المؤشرات حول مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. وقد تأخر صدور التقرير عن الأسبوع الماضي بسبب إغلاق جزئي للحكومة استمر أربعة أيام وانتهى منذ ذلك الحين.

وصرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم الأحد بأن الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم أمر أساسي لنجاح المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة. وأجرى دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون محادثات غير مباشرة في سلطنة عمان يوم الجمعة، بهدف إنعاش الجهود الدبلوماسية وسط حشد القوات البحرية الأميركية بالقرب من إيران.

وارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 4.3 في المائة إلى 81.11 دولار للأونصة بعد مكاسب تقارب 10 في المائة في الجلسة السابقة. بلغ سعره أعلى مستوى له على الإطلاق عند 121.64 دولار في 29 يناير.

في المقابل، انخفض سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.2 في المائة إلى 2091.54 دولار للأونصة، بينما ارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1723.37 دولار.


من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
TT

من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

بعث مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة في نسخته الثانية العام الحالي، رسالة حاسمة إلى العالم مفادها أن «زمن التبعية قد انتهى».

وأطلق وزير المالية السعودي محمد الجدعان، من قلب الحدث الذي يشارك فيه وزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية وقادة مؤسسات دولية، «بيان الثقة»، مختصراً رؤية المملكة لتمكين الاقتصادات الناشئة في 3 رسائل حاسمة: الأولى، أن استقرار الاقتصاد الكلي هو «الأساس المتين» لأي نهضة تنموية وليس عائقاً لها كما يُشاع؛ والثانية، أن مصداقية السياسات لا تُبنى ببراعة الخطط الورقية، بل بـ«جسارة التنفيذ» على أرض الواقع؛ والثالثة، أن الأسواق الناشئة لم تعد تابعة، بل باتت «المحرك السيادي» الذي يقود 70 في المائة من النمو العالمي.

من جهتها، رسمت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، مشهداً قلقاً حيال ارتفاع مستويات الدَّين، معتبرةً أن تمكين القطاع الخاص هو المخرج الآمن لتعزيز النمو.


التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».