خلافات الحكام على السلطة تعمّق جراح الجنوب الليبي

بين تراجع الخدمات ونقص الوقود... وهيمنة الجماعات المسلحة

أحد أحياء فزان التي تعرضت للإقصاء والتهميش («الشرق الأوسط»)
أحد أحياء فزان التي تعرضت للإقصاء والتهميش («الشرق الأوسط»)
TT

خلافات الحكام على السلطة تعمّق جراح الجنوب الليبي

أحد أحياء فزان التي تعرضت للإقصاء والتهميش («الشرق الأوسط»)
أحد أحياء فزان التي تعرضت للإقصاء والتهميش («الشرق الأوسط»)

عندما جرى اختطاف مسؤول طبي يُدعى «مفتاح» في مدينة سبها، الواقعة على بعد نحو 800 كلم إلى الجنوب من طرابلس، على يد مسلحين، لم يكن الأمر مجرد حالة معزولة، بل حلقة في مسلسل طويل لوقائع الخطف التي تعرض لها عشرات الليبيين خلال الأسابيع الأخيرة بهدف الحصول على فدى مالية من ذوي المخطوفين وقبائلهم.
في هذا الإقليم المنسي، المعروف تاريخياً باسم «فزان»، تنتشر جماعات من المتطرفين وقطاع الطرق بين دروب طويلة تربط مدناً عدة. وفي هذا السياق، قال مسؤول أمني في سبها «بعد أن هجمت ثلاث سيارات على مفتاح، وهو في طريقه إلى عمله، ابتعدت به عشرات الكيلومترات، ثم اتصلت بقبيلته لسداد مبلغ يقدر بنحو نصف مليون دولار، أو قتله».
وبينما يستعد لتفقد الدروب الصحراوية المجاورة، يضيف المسؤول شاكياً: «إمكاناتنا ضعيفة، وسياراتنا الصحراوية قليلة، وتسليحنا بسيط؛ مجرد بنادق كلاشينكوف، بينما الجماعات الإرهابية تملك مدافع عيار (14.5) ولا نعرف كيف نتصرف في مثل هذه الأحوال».
يحرص معظم القادة الأمنيين والقبليين في الجنوب على عدم التورط في خلافات مع حكام الشمال المتصارعين بين سلطتين، إحداهما بقيادة فايز السراج في مدينة طرابلس غرباً، والأخرى برئاسة عبد الله الثني في مدينة البيضاء شرقاً.
بدوره، يؤكد عيسى عبد المجيد، رئيس الكونغرس التباوي، وهو مجلس يمثل قبيلة التبو التي تتمركز في الجنوب، الذي كان في السابق مستشاراً لرئيس مجلس النواب، ولعب دوراً في تهدئة الأوضاع في مدن عدة، أن «الخدمات في المدن الرئيسية بالمنطقة تراجعت إلى حد مخيف، رغم أن الجنوب يحوي مخزوناً ضخماً من النفط والغاز والمياه والذهب، وغيره». ويقول بنبرة مليئة بالاحتجاج، «يبدو أن جنوب ليبيا سقط من ذاكرة الحكام المتصارعين على السلطة... في حين أن جماعات (داعش) وآخرين من المسلحين التشاديين يشنون هجمات على أبناء الجنوب، دون أي قدرة على الحماية من جانب الأجهزة المسؤولة في الدولة».
في فزان تنتشر قبائل «التبو» و«الطوارق» و«أولاد سليمان» و«المقارحة» و«القذاذفة» و«زويّة»، بالإضافة إلى من يطلق عليهم «الأهالي». وقد دخلت معظم هذه القبائل في صراعات مسلحة خلال الشهور الماضية. ويبدو أن هذا الأمر مكَّن مسلحين غرباء من استغلال الموقف، والتمركز بسيارات الدفع الرباعي، المزودة بالمدافع على تخوم المدن، بحثاً عن الأموال.
وتستهدف عمليات الخطف شخصيات ثرية، أو شخصيات تنتمي لقبائل يمكنها أن تلزم أبناءها بالمشاركة في سداد المبلغ المطلوب للمسلحين، لإنقاذ أحد أفرادها. وقد تراجعت حركة السيارات بين مدن الجنوب، بعد تزايد سطوة المسلحين على الطرق، وأصبح الانتقال من مكان إلى آخر، حتى بين الأقارب، محفوفاً بالمخاطر. كما سيطرت جماعات متطرفة على شاحنات نفط مخصصة لكثير من محطات التموين في مدن فزان.
في عهد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، كانت توجد خمسة مطارات جوية، تعمل على ربط سكان الجنوب بباقي ليبيا، وكذلك بالعالم الخارجي مباشرة. لكن كل هذه المطارات باتت متوقفة الآن، حسب عبد المجيد الذي أوضح أن «حكام الشمال يعلنون بين وقت وآخر عن تخصيص ملايين الدولارات لمدن فزان. لكن لا نرى شيئاً على الأرض. فأين تذهب كل هذه الأموال؟ لا أعرف».
وبعد شهور من الاقتتال، أصبحت غالبية قبائل الجنوب تبحث عن حل للمعاناة التي تعيشها، خصوصاً بعد أن ظهر على الساحة خصوم جدد للجميع، وهم الجماعات المسلحة المكونة من متطرفين ومتمردين قادمين من دول أخرى. ونتيجة لذلك أصبحت وفود قبلية تنتقل من اجتماع لاجتماع، أملاً في إصلاح ما يمكن، كان آخر هذه الاجتماعات في مكتب عميد بلدية مدينة تازربو، حيث تشعب الحديث إلى اجترار ذكريات إقليم فزان، حين كان في النصف الأول من القرن الماضي، من مراكز مقاومة الاحتلال الأجنبي المهمة بسبب وجوده في قلب الصحراء.
ورغم أن عدد سكان فزان يبلغ نحو نصف مليون نسمة، أي ربع عدد سكان إقليم طرابلس تقريباً، إلا أن الخدمات التي يتلقاها السكان تعتبر ضئيلة مقارنة بطرابلس. يقول أحد قادة القبائل معلقاً على ذلك، «لم يصل من السلع الغذائية المدعومة إلى مدن فزان خلال الشهور الأخيرة، سوى نحو مليوني دولار، مقارنة بما وصل إلى إقليم طرابلس، التي تقدر قيمتها بنحو 25 مليون دولار... وهذا ينطبق على باقي الخدمات... ظلم في القِسمة، وتدهور في مرافق الصحة والتعليم والزراعة».
وتتشابه شكاوى برقيات أرسلها قادة قبليون وعمداء بلديات من إقليم فزان إلى الشمال، في الآونة الأخيرة، حيث يتضمن معظمها تحذيراً من نزوح للسكان من المنطقة، ومن انتشار الجماعات المتطرفة والمسلحة القادمة من خارج ليبيا، بالإضافة إلى النقص الحاد في السيولة بالمصارف التي ما زالت تعمل، ومنها فروع المصارف الزراعية.
وحتى 19 من الشهر الحالي، لم تكن ميزانيات عدة بلديات قد وصلت إلى مصارف فزان. وفي هذا الصدد يقول مسؤول في بلدية تازربو، البالغ عدد سكانها نحو عشرة آلاف نسمة، «مئات العائلات نزحت من هنا، بعد تدهور الأمن، وانتشار المسلحين، وإغلاق معظم المصارف لأبوابها».
في السياق ذاته، يؤكد عبد المجيد أن الحكومتين المتنافستين لا تتحركان إلا إذا حدثت مشكلة كبيرة في الجنوب، حيث تسارع كل منهما للإعلان عن تخصيص أموال لمدن الجنوب «لكن للأسف لم نر أي إنفاق على الأرض».
وبينما يشكو الناس من العوز، قامت مجموعة مسلحة في مدينة «أم الأرانب» بخطف عدد من المواطنين، كما جرت عملية أخرى ضد نحو عشرة من أبناء منطقة الفقهاء، فيما قام «الدواعش» باختطاف عدد آخر من أبناء الجنوب. وبهذا الخصوص يقول رئيس الكونغرس التباوي «حدث كل هذا بشكل متتابع... لقد استشهد أيضاً خمسة من أبناء التبو. وأربعة من أهالي المنطقة الجنوبية. فأين المسؤولون من كل هذا؟».
ومع دخول فصل الشتاء، بدأ السكان يعانون من نقص حاد في أسطوانات غاز الطهي، وتضاعفت أسعار الأسطوانة عدة مرات خلال أسابيع، خصوصاً في مدينة مرزق. فيما يسرد أبناء المدينة معاناتهم اليومية مع نقص العلاج، والاضطرار إلى السفر براً عبر الطرق البرية الطويلة وغير الآمنة للوصول إلى طرابلس أو بنغازي.
ومما زاد الطين بلة، توقف ماكينة التصوير الخاصة بجوازات السفر في مرزق، وهو ما أرغم المواطنين الراغبين في العلاج خارج ليبيا على السفر مئات الكيلومترات باتجاه مدن الشمال من أجل استخراج جواز سفر. يعلق عبد المجيد على هذا الوضع قائلاً: «هذه جريمة. فكيف يُطلب من الإنسان المريض أن يقطع كل هذه المسافة لكي يستخرج جواز سفر. كثير من المسافرين يموتون قبل الوصول للشمال... والسفر على هذه الطرق المتفرعة من طريق سبها - طرابلس أصبح مجازفة»، مضيفاً أن الحالة التي وصل إليها الجنوب «باتت مروعة... فلو نجوت من الإرهاب، فلا توجد أمامك أدوية في المستشفيات... مستشفيات غير صالحة للاستعمال... شلل في الخدمات بمدن مرزق، وسبها، وأوباري، وأم الأرانب، والقطرون وغيرها».
علاوة على ذلك كله، أغلقت معظم محطات الوقود أبوابها بسبب نقص البنزين والديزل. يقول عبد السلام محمود، وهو مسؤول محطة لتموين السيارات على طريق سبها، إن جماعات مسلحة تستغل الفراغ الأمني استولت على حصته من البنزين. وأضاف هذا الرجل، الذي ينتمي لقبيلة «أولاد سليمان» كبيرة العدد: «نريد من ينجدنا».
في فزان تنتشر آلاف الآبار المغذية للنهر الصناعي الذي تعتمد على مياهه مدن الشمال. ويوجد حول بلدة تازربو وحدها نحو مائة بئر من هذا النوع. وبين حين وآخر يستهدف المسلحون مضخات الآبار لتعطيل تدفق المياه، في محاولة للتأثير على صناع القرار في طرابلس والبيضاء، كما حدث مرات عدة منذ الصيف الماضي حتى الآن.
لقد كانت أنظار الليبيين تتجه إلى محاولات دولية وإقليمية لتوحيد الدولة تحت سلطة محددة المعالم. لكن يبدو أن كل الجهود ما زالت تراوح مكانها، بما فيها المؤتمر الأخير الذي انعقد برعاية إيطالية في مدينة باليرمو قبل أسبوع. وبدلاً من التوصل إلى حكومة واحدة، أصبح الانقسام في البلاد يثير مخاوف الجميع، ويعزز من تدهور أوضاع إقليم فزان. على سبيل المثال، فإن تمويل الخدمات في تازربو يعتمد على الحكومة المؤقتة في البيضاء، بينما تعتمد بلديات أخرى مجاورة في الإقليم على حكومة الوفاق المنافسة في طرابلس.
الأخطر من ذلك كله يكمن في ارتفاع وتيرة التنافس على الصعيد العسكري، حيث شهدت طرابلس مؤخراً اجتماعات لقادة جماعات مسلحة محسوبة على المجلس الرئاسي، لترتيب نشر قوات موالية للسراج في فزان، في محاولة على ما يبدو لاستباق جهود يقوم بها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، لبسط يده على كل الإقليم. ولا تعطي حالة تربص لميليشيات عدة للسيطرة على طرابلس، فرصة لقوات حكومة الوفاق للانتقال للجنوب أو التأثير فيه. كما أن استقالة نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، موسى الكوني، ابن قبيلة الطوارق ذات الحضور في فزان منذ بداية العام الماضي، ساهم في فقد المجلس بوصلة الجنوب، رغم وجود نائبين آخرين يمثلان المنطقة، إلا أنهما لا يعكسان أي ثقل قبلي يذكر، وذلك بسبب ارتباط أحدهما بجماعة «الإخوان»، وضعف الآخر على المستوى السياسي والاجتماعي، كما يقول المستشار السابق لرئيس مجلس النواب.
ويوجد مسؤول عن الجنوب كذلك في الحكومة المؤقتة، إلا أن مكتبه الدائم يقع في بنغازي، وليس في فزان، يعلق على ذلك عيسى عبد المجيد بقوله «كان ينبغي على المجلس الرئاسي أن يعين بديلاً لموسى الكوني... كما كان ينبغي على الحكومة المؤقتة أن يكون مكتبها الخاص بالجنوب في إحدى مدن فزان. وعدم اهتمام حكومتي الشرق والغرب بالجنوب أدى لانتشار الفوضى، والإرهاب، و(الدواعش)».
وبعيداً عن هذا التشتت، يعوِّل قادة قبائل في فزان على نتائج زيارات قام بها المشير حفتر لدول مثل تشاد والنيجر في الأسابيع الماضية لكبح جماح المسلحين الذين يخترقون الحدود الجنوبية.
وسبق للعميد أحمد المسماري، المتحدث الرسمي باسم الجيش، أن شدد على ضرورة رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي حتى يتمكن من الإسراع في مهمته للقضاء على العصابات المسلحة التي تخترق الحدود، وتثير الفوضى في الجنوب. وقال إن «الجنوب بات عرضة لعدد من المجموعات المسلحة القادمة من وراء الحدود، ولعصابات إجرامية أخرى... دخلوا حين وجدوا أرضاً مفتوحة ومستباحة. وانتشر خطف المواطنين، والابتزاز، وطلب الفدى».



نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».


اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
TT

اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)

كشفت مصادر طبية يمنية عن تفشي موجة جديدة من الأوبئة في مناطق عدة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في مقدمها «الكوليرا» و«الإسهالات المائية» ومختلف أنواع الحُميات، وسط تحذيرات من كارثة صحية تهدد ملايين السكان، في ظل الانهيار المستمر للقطاع الصحي وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.

وأفادت المصادر بظهور تقارير وبلاغات يومية تُسجل مئات الإصابات بالحُميات وحالات الاشتباه في الكوليرا والإسهالات الحادة بعدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وسط عجز متصاعد عن توفير الرعاية الصحية، واتهامات للحوثيين بمواصلة استهداف القطاع الصحي، وعدم تنفيذ حملات استجابة طارئة تحد من تفشي الأمراض وتوفر بيئة صحية مناسبة للسكان.

ووفق تقارير طبية، فإن معدلات الإصابة بهذه الأمراض تشهد ارتفاعاً متسارعاً خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل آلاف الحالات المشتبه فيها بمحافظات: صنعاء، وحجة، والحديدة، وإب، وعمران، وذمار.

الحوثيون يواصلون إخفاء أرقام ضحايا الكوليرا بمناطق سيطرتهم (أطباء بلا حدود)

ويؤكد أطباء وعاملون صحيون أن تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وغياب الرقابة الصحية، أسهمت جميعها في اتساع رقعة انتشار الأوبئة، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية الأساسية.

ولفت هؤلاء إلى أن غالبية المرافق الصحية باتت عاجزة عن استيعاب الأعداد المتصاعدة من المرضى، خصوصاً الأطفال وكبار السن؛ في ظل انقطاع المرتبات، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجع الدعم الإنساني الدولي، فضلاً عن استمرار تخصيص الجماعة عدداً من المستشفيات لخدمة أتباعها.

ويُعدّ اليمن من أعلى دول العالم تضرراً من وباء الكوليرا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تسبب الانقلاب والحرب المستمرة منذ سنوات في انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية؛ مما جعل ملايين السكان عرضة للأوبئة والأمراض المُعدية.

3 آلاف إصابة

في تقرير حديث، كشفت «منظمة الصحة العالمية» عن تسجيل أكثر من 3 آلاف حالة جديدة مشتبه في إصابتها بالكوليرا والإسهال المائي الحاد في اليمن خلال الربع الأول من العام الحالي، في مؤشر على استمرار تفشي الوباء وتداعياته الصحية على السكان.

ورصدت المنظمة نحو 3177 حالة إصابة مشتبه فيها منذ مطلع يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية مارس (آذار) الماضيين، إلى جانب 3 حالات وفاة مرتبطة بالوباء خلال الفترة نفسها.

الحوثيون متهمون بتسخير موارد القطاع الصحي للمجهود الحربي (أطباء بلا حدود)

ووفقاً للتقرير، فقد حل اليمن في المرتبة الـ5 عالمياً من حيث عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما جاء ثانياً على مستوى إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان من حيث عدد الإصابات والوفيات.

وشهد شهر مارس الماضي وحده تسجيل 969 إصابة جديدة، بينها حالتا وفاة، ليصبح اليمن رابع أعلى دولة عالمياً من حيث عدد الحالات الجديدة المسجلة خلال ذلك الشهر.

مخاوف من موجة وبائية

يخشى مراقبون وعاملون في القطاع الصحي اليمني من تحوّل الوضع موجةً وبائيةً واسعةً مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وهي ظروف تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.

ودعت منظماتٌ إنسانية المجتمعَ الدولي إلى التدخل العاجل لدعم القطاع الصحي في اليمن، وتوفير التمويل اللازم لبرامج مكافحة الكوليرا وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، محذرة بأن استمرار الحرب، والأزمة الإنسانية، يزيدان من تعقيد جهود احتواء الوباء والسيطرة عليه.

ويتزامن ذلك مع مواصلة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تقديم دعمه للقطاع الصحي في اليمن عبر برامج طبية وإغاثية؛ تستهدف تعزيز الخدمات الصحية والحد من انتشار الأوبئة في المناطق الأكبر احتياجاً.

ووفق تقارير محلية، فقد شهدت الفترة ما بين 25 و31 مارس 2026 تقديم خدمات طبية وإغاثية لأكثر من 10 آلاف و466 مستفيداً، ضمن جهود مشتركة من «مركز الطوارئ لمكافحة الأمراض الوبائية» بمحافظة حجة، و«مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا» في عدد من المحافظات اليمنية.


أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended