«جزء مؤلم من حكاية»... التاريخ خادماً للنص السردي

تبدأ أحداثها من النهاية التي انشطرت إلى نصفين

«جزء مؤلم من حكاية»... التاريخ خادماً للنص السردي
TT

«جزء مؤلم من حكاية»... التاريخ خادماً للنص السردي

«جزء مؤلم من حكاية»... التاريخ خادماً للنص السردي

يهيمن المناخ الغرائبي على رواية «جزء مؤلم من حكاية» للكاتب السوداني أمير تاج السرّ الصادرة عن دار نشر «هاشيت أنطوان» ببيروت، وهي رواية ميتاسردية في كثير من جوانبها، حيث يتماهى الواقع بالخيال، ويتلاقح التاريخي بالأسطوري لينجز الروائي في نهاية المطاف نصاً مُهجّناً يخدم فيه التاريخُ الروايةَ ويخضع لشروطها الأدبية والفنية. ولكيلا نشتطّ بعيداً في التنظير نقول إن النَفَس الميتاسردي لهذه الرواية يقتصر على استدعاء الأساطير وتوظيفها في المتن السردي للرواية، خصوصاً فيما يتعلق بالجن وظهورهم كشخصيات سردية مشاركة في صُنع الأحداث، الأمر الذي يعزّز المنحى الغرائبي لهذه الرواية التي تنتمي قلباً وقالباً إلى الواقعية السحرية «العربية»، التي انغمس فيها تاج السرّ في العديد من رواياته السابقة.
تبدأ أحداث الرواية من النهاية التي انشطرت إلى شطرين في لعبة سردية تخالف ما اعتاده القرّاء من بنية تصاعدية وزمن خطّي، وهي لعبة ذكية تضفي على الشكل والمضمون السرديين نكهة جديدة، وآلية تلقٍّ مغايرة في أضعف الأحوال، فيما يبقى النسق الخطي المتصاعد محصوراً ضمن بنية دائرية تفضي إلى النهاية.
أما الزمان الذي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 1750م بمملكة «طير» فيبدأ قبل ذلك بسنوات سابقة لم يحددها الكاتب لكنها يمكن أن تمتد للقرن السابع عشر في مملكة «قير»، وكلا المملكتين من صنع مخيلة الكاتب، ويمكن إسقاطهما على دول كثيرة في العالم.
لابد لقارئ هذه الرواية أن يتساءل أولاً: ما الحكاية التي يقوم عليها النص الروائي؟ وما الجزء المؤلم فيها؟ هل هو الاغتصاب وسرقة براءة الأطفال، أم القتل وسرقة أرواح الكبار؟ أم طبيعة هذا القتل سواء أكانَ طعناً بخنجر مسموم، أم خنقاً بحبل رفيع، أم حرقاً بالنار، أم ضرباً بمطرقة ثقيلة، أم موتاً شفّافاً بأقل قدرٍ من السحجات والتشوّهات؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال الجوهري الذي تتأسس عليه الرواية، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الرواية هي رواية شخصيات وأحداث متشابكة يرويها البطل «مرحلي سواركي» بصيغة المتكلم، لكنه يتيح المجال لشخصيات أخرى أن تمارس فعل السرد وتوضح ما يلتبس عليه من أمور معقدة قد لا تستوعبها قدراته العقلية؛ فثمة شخصيات أخرى يشهد، هو قبل غيره، بذكائها، وتوهجها الذهني مثل سيّده «ديباج كوثري»، أو قارئ الأخبار «المريد مرجان»، أو «خفير جوكو» الذي أتقن مهناً متعددة في فترة زمنية قصيرة. يبدو أن «مرحلي» هو أعقد الشخصيات وأكثرها إشكالية، ولو تتبعنا المحطات الأساسية في حياته لوجدناه متنقلاً بين مهن متعددة؛ أولها مهنة الحاوي التي تعلّمها عند ساحر مغرور يُدعى «الطبطب»، قبل أن ينتقل من بلدته في الشمال إلى كونادي، ثم انتقل إلى صناعة الأقفاص قبل أن يُصبح غاسلاً للموتى تحت إشراف «قدار» بتوصية من «ديباج»، صانع التمائم، كي يكتسب الخشونة، والجَلّد، ومواجهة الموت، ثم أصبح قاتلاً مأجوراً تأتيه الرسائل من «ديباج» وينفذها في الحال من دون أن يعرف الضحية أو الذنْب الذي ارتكبته، والأغرب من ذلك أن «ديباج كوثري» لا يعتبر نفسه قاتلاً، وإنما ناقل رسائل فقط متناسياً أنه أعاد صياغة «مرحلي» وحوّل الشرّ داخله إلى وظيفة، بعد أن أيقن أنه رجل بلا مشاعر. حين هوت على رأس «مرحلي» مطرقة أو صخرة ثقيلة وغرق في الموت استعاد العديد من ضحاياه الذين بلغوا خمس عشرة أو ست عشرة ضحية أبرزهم «صدقات الفارسي»، صياد السمك، وهو ابن عم ديباج وزوج أخته، وسلالة، العروس النضرة، وحرقل، طبّاخ الملك، والياطور حسن، الناشط الاجتماعي المُعارض للسلطة، ومن خلال هذا الأخير نفهم أن كل الجرائم مدبرة بدقة عالية من قِبل بلاط مملكة «قير»، وإن كان الأمير كرم، قائد الشرطة ونجل الملك يدّعي بأنه يطارد القتلة واللصوص في أرجاء المملكة، ويحاول أن يبثّ في أرجائها الأمن والطمأنينة والسلام.
وبموازاة عالَم القتلة والمنحرفين الذي يؤرِّق الناس ويقضّ مضاجعهم يشمخ عالَم الإخباريين الذين يحيطون الشعب بالأخبار والمستجدات اليومية التي تتمحور على جفاف الآبار، واغتصاب الأطفال، وزواج الشيوخ والتجّارة للمرة العاشرة، كما يسرّبون، بين حين وآخر، بعض الأخبار عن عمليات القتل الوحشيّة التي تحدث في العاصمة كونادي، ويتكتمون على البعض الآخر منها بهدف إدامة زخم الترويع، وإبقاء البلاد في حالة توتر دائمة.
وأبرز هؤلاء الإخباريين هم المُريد مرجان الذي صعد نجمه، وحظي بمنزلة رفيعة في القصر الملكي الذي توّجه بوسام الخلود بينما أسرّ إلى مرحلي، القاتل المأجور، بأنه مغتصب الأطفال في المملكة وسارق براءتهم. وبما أن الرواية مليئة بالمفاجآت، وهي أحد عناصر نجاحها، فإن مرجان سيُقتل طعناً بالسكين، وسوف تحوم الشبهات حول «مرحلي» لكننا سنكتشف أن الإخباري الثاني لؤي البرهان هو القاتل، وأنه هو الملثّم الليلي الذي يغتصب الأطفال، وسوف يحل محله في الركن الإخباري بسوق المدينة عبد الحكيم الزرافة. كان مرجان قوي الملاحظة، لذلك سمّوه لحّاظاً، ومن دلائل ملاحظاته الحادّة أنه أخبر «مرحلي» ذات مرة بأنه لا يتردد على ركن الأخبار منذ عشر سنوات، لكنه يأتي مسرعاً بعد حدوث أي جريمة قتل في كونادي، وهذه الملاحظة الذكية تؤشر في الأقل على وجود علاقة ما بين «مرحلي» والجرائم البشعة التي تقع في أرجاء العاصمة القيرية، خصوصاً أنه يذهب بصحبة سيّده لتأدية واجب العزاء، فهما يقتلان القتيل ويسيران في جنازته. ربما تكون المفاجأة الأكبر في هذه الرواية هي تكليف «مرحلي» بالسفر إلى مملكة «طير» المجاورة لهم لكن «ديباج كوثري» يشترط عليه ألا يقرأ الرسالة إلاّ بعد وصوله إلى العاصمة «بوادي» لتنفيذ مهمته الأخيرة. وهناك يقف القارئ أمام نهايتين، الأولى أمام امرأة لامعة الجسد في نحو الثلاثين من عمرها قد تكون «أغنية» التي هربت من كونادي، واستدرجته إلى شرك الفتنة والإغواء، وهناك هوت على رأسه مطرقة ثقيلة فغرق في الموت وبدأ يستعيد ضحاياه. أما النهاية الثانية فإن مَنْ باعه إلى طائفة الرجال الموشومين في جباههم بوشم القراصنة سمحوا له بقراءة الرسالة السريّة قبل أن يموت حرقاً، وعليهم أن يسرعوا لأن النار المتقدة أوشكت على الانطفاء.
يقوم المستوى الثالث من الرواية على عالَم الجن، وعودة الأموات، وتواصل الأساطير القديمة في الزمن الحاضر ولعلها تمتد إلى المستقبل البعيد. فقد رأينا الجنّ يقيمون الأعراس ويحتفلون في شوارع كونادي وأزقتها، كما رأينا العديد من الأموات يتجسدون أمام ناظري «مرحلي» في أقل تقدير وأبرزهم «سلاملي الكذّاب» وزوجته وابنه الصغير، مثلما رأينا ضحاياه وهم يعودون على شكل كوابيس ليلية مُؤرقة تسأل عن سبب قتلها الذي لا يعرفه «مرحلي»، وكأنّ الأساطير القديمة تنبعث في الزمن الجديد. نساء كثيرات لعبن دوراً مهماً في الرواية، واحتللن مساحة لا بأس بها في متن النص الروائي، مثل «مبروكة» و«كمانة الغجرية» و«أغنية»، المرأة الساحلية التي جاءت من بلاد بعيدة تشتعل فيها الحروب باحثةً عن حياة جديدة في مضارب العاصمة القيرية كونادي قبل أن تهرب منها إلى مكان مجهول.



دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
TT

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة هونغ كونغ، إلى أن دواءً شائع الاستخدام لعلاج أمراض الكلى، قد يمثل حلاً واعداً لعلاج العقم لدى النساء المصابات بقصور المبايض المبكر.

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تشكِّل تحولاً مهماً في فهم آليات العقم المرتبط بهذه الحالة وسبل علاجه. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Science».

وقصور المبايض المبكر هو حالة طبية تتوقف فيها المبايض عن أداء وظائفها الطبيعية قبل سن الأربعين، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وتأخر أو توقف نمو الجريبات التي تحتوي على البويضات. ونتيجة لذلك تبقى البويضات في حالة خمول، وهو ما يعيق الخصوبة ويجعل العلاجات التقليدية لتحفيز الحمل أقل فعالية. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة الهبَّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، بينما تقتصر العلاجات المتاحة حالياً على تخفيف هذه الأعراض دون معالجة السبب الجذري للمشكلة.

وخلافاً للنهج التقليدي الذي يركز على البويضات نفسها، وجَّه الفريق اهتمامه إلى البيئة المحيطة بالبويضات داخل المبيض، والمعروفة باسم السدى المبيضي.

وأظهرت الدراسة أن تنشيط البويضات الخاملة يتطلب وجود بروتين محدد يُعرف باسم «Kit ligand»، وأن نقص هذا البروتين، نتيجة تراكم التليُّف والكولاجين داخل المبيض، يعيق نمو الجريبات ويمنع تطورها.

وفي هذا الإطار، فحص الباحثون نحو 1300 دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية على خلايا مبيضية، صُممت لتصدر إشارة ضوئية عند إنتاج بروتين «Kit ligand».

وأسفر الفحص عن تحديد دواء «فينيرينون»، المستخدم في علاج أمراض الكلى المزمنة المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، بوصفه أحد أكثر الأدوية قدرة على تحفيز إنتاج هذا البروتين، وتحسين البيئة المحيطة بالبويضات.

وأظهرت التحاليل أن النساء المصابات بقصور المبايض المبكر يعانين من تراكم مفرط للكولاجين داخل المبيض، ما يؤدي إلى تصلُّب الأنسجة وفقدانها مرونتها الطبيعية، على نحو يشبه التليُّف أو الندبات.

ويعمل «فينيرينون» على تثبيط مستقبلات تسهم في هذا التليُّف، مما يقلل تراكم الكولاجين ويعيد للمبيض ليونته وتوازنه الكيميائي.

وللتأكد من الدور الحاسم للبيئة المحيطة بالبويضات، قام الباحثون بزرع جريبات خاملة في مبايض متصلبة ومليئة بالندبات، فلم تُظهر أي نشاط يُذكر. في المقابل، عندما زُرعت الجريبات نفسها في مبايض عولجت بدواء «فينيرينون»، بدأت الجريبات في النمو والتطور.

وانتقل الفريق لاحقاً إلى تجربة سريرية أولية شملت 14 امرأة شُخِّصن بقصور المبايض المبكر. وتلقت المشاركات جرعة مقدارها 20 ملِّيغراماً من الدواء مرتين أسبوعياً. وأظهرت النتائج أن عدداً من المتطوعات شهدن تطور الجريبات الخاملة إلى بويضات ناضجة، جرى سحبها وتلقيحها بنجاح في المختبر.

وخلص الباحثون إلى أن «تخفيف التليُّف في أنسجة المبيض باستخدام أدوية مضادة للتليُّف أُعيد توظيفها يفتح آفاقاً واعدة لاستعادة الخصوبة، لدى المريضات المصابات بقصور المبايض المبكر».

وأكدوا أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقاً، للتحقق من فاعلية العلاج وسلامته، قبل اعتماده على نطاق واسع، ما قد يمنح أملاً جديداً لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الإنجاب.


تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.