المهدي: الحوار مع الحكومة وارد... ولدينا شروط للتنسيق مع المعارضة

زعيم «الأمة» السوداني قال لـ«الشرق الأوسط»: إنه ينتظر اتفاقاً سودانياً كـ«كوديسا» جنوب أفريقيا

الصادق المهدي (غيتي)
الصادق المهدي (غيتي)
TT

المهدي: الحوار مع الحكومة وارد... ولدينا شروط للتنسيق مع المعارضة

الصادق المهدي (غيتي)
الصادق المهدي (غيتي)

قال رئيس تحالف «نداء السودان» المعارض، رئيس حزب الأمة، الصادق المهدي، إن الإجراءات التي أقدمت عليها الحكومة بإصدار مذكرة اعتقال بحقه «كيدية»، مؤكداً أنها لن تثنيه عن العودة إلى الخرطوم، في الموعد المحدد، وهو التاسع عشر من ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وقال المهدي لـ«الشرق الأوسط» إن الحوار مع الحكومة «وارد باستحقاقاته عن طريق الآلية الأفريقية الرفيعة»، واصفاً توحيد المعارضة بـ«الطوباوية»، (بعيد عن الواقع)، وأضاف: «للتنسيق مع أي قوى معارضة نشترط رفض العمل على إسقاط النظام بالعنف، وتجنب مطالب تقرير المصير، وتجنب الاستنصار بإسرائيل، وتجنب التركيز على معارضة المعارضة». وأكد المهدي أنه ينتظر تحقيق اتفاق بين القوى السودانية على غرار «كوديسا» جنوب أفريقيا الذي رسم الطريق للخلاص من نظام الفصل العنصري.

> الحكومة تنتظر عودتك لاعتقالك بعد صدور قرار من نيابة أمن الدولة وربما تواجه المحاكمة، هل تعتقد أن الحكومة ستمضي في هذه الإجراءات أم ستصدر عفواً عاماً؟
- الحكومة اعتادت التعامل معنا بصورة متناقضة، عرضوا علينا ثلاث مرات المشاركة في أعلى المستويات وبأعلى النسب، ورفضنا أي مشاركة لا تقوم على أساس يكفل السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي، وعليه ظلت الحكومة تقوم بهذه الإجراءات منذ وصولها إلى السلطة وعلى مدى سنوات طويلة، والآن فتحت ضدي 6 بلاغات، على الرغم من أن القوى المسلحة التي نتعامل معها معترَف بها أفريقياً ودولياً وهي لا تقوم بأي أعمال إرهابية، والنظام الحاكم نفسه يحاورها في مواقع كثيرة، ووسائلنا في «نداء السودان» خالية من العنف.
نحن نعتبر هذه الإجراءات ضدنا، مكايدات، تفسر ما بلغَنا من بعض أهل النظام الحاكم الذين يعتقدون أنهم جرّدونا من السلطة، ولكن لم يجردونا من الشرعية، لذلك إما أن نشاركهم وإما أن يقضوا علينا، وهذه البلاغات الكيدية أساليب للقضاء علينا قانونياً، وداخل النظام يعلنون تجاوز البلاغات الكيدية وآخرون يزفّون وعيداً، والنظام فيه مراكز قوى مختلفة... وحتى الآن لا أستطيع أن أجزم ماذا هم فاعلون. سوف نصمد على مواقفنا المبدئية ونتحمل نتائجها وندعو الله والشعب تأييد مسعانا.
> هل ستدخل في حوار مع الحكومة وفق إطار ما أُطلق عليه بالهبوط الناعم؟
- الحوار الوارد هو الحوار باستحقاقاته عن طريق الآلية الأفريقية الرفيعة.
> الآلية الأفريقية وأطراف دولية طرحوا عليكم المشاركة في لجنة الدستور والدخول في انتخابات 2020، بيد أن قضايا مثل وقف الحرب والتحول الديمقراطي لن تكون ضمن أجندة التفاوض.
- الحكومة أرسلت للآلية الرفيعة خطاباً أطلعتنا عليه، وفيه الاستعداد للحوار معنا عبر خريطة الطريق، وأي قضية مثل الانتخابات والدستور... فإن مكان بحثها هو أجندة الخريطة، وطبعاً لنا في كل هذه البنود مبادئ واضحة سوف تُبحث هناك، وهي توجب بحث كل القضايا، وأجندة التفاوض لا يجوز لأحد الأطراف إملاؤها بل ستكون نابعة من الخريطة.
> توازن القوى الآن في صالح حكومة عمر البشير، وفي المقابل فإن المعارضة غير فاعلة.
- ما مقاييس توازن القوى في نظرك؟ نظام بعد 30 عاماً سجل إخفاقات غير مسبوقة في كل المجالات والآن على حافة الإفلاس الاقتصادي، والحالة الاقتصادية وحدها تكفي لزعزعة موقف الحكومة.
وفي العلاقات الدولية فإن دولاً تدرك ضعف النظام وتنتهز هذه الفرصة لإملاء شروطها، مثل الشروط الأميركية الداعية للنظام إلى تأهيل نفسه بكفالة حقوق الإنسان وإبعاد الإخوان المسلمين، وتجنب المناورة بين المحاور والتجاوب مع المصالح الأميركية... الذي أعلمه يقيناً أن الدول تتعامل مع النظام على أنه مترنح وتملي شروطها عليه.
> تشهد أوساط المعارضة انشقاقات مما يُضعف مواقفها أمام الحكومة، هل لديكم مبادرة لوحدة قوى المعارضة؟
- التطلع إلى وحدة كاملة للمعارضة «طوباوي» (بعيد عن الواقع)، ولكن الجسم الذي يمثل التجمع الأكبر في المعارضة هو «نداء السودان» وهو متماسك، وتحالف قوى الإجماع مع أنهم وقّعوا مع تحالف قوى «نداء السودان» صاروا يرفضون أي حوار مبدئي، مع أن الحوار باستحقاقاته جزء من الذي وقّعوا عليه وهنالك آخرون لم يوقّعوا معنا لكنهم يرفضون الحوار مبدئياً، وهنالك معارضة ناعمة مثل تحالف 2020، وهنالك معارضون متطرفون أمثال عبد العزيز الحلو رئيس الفصيل الثاني لـ«الحركة الشعبية – شمال»، وعبد الواحد محمد نور، رئيس فصيل حركة تحرير السودان.
لقد مددنا أيدينا لتوحيد المواقف عبر التوقيع على ميثاق لبناء الوطن، وسوف نعمل على اتفاق الجميع عليه وعلى سلمية تحقيق أهدافه وقلنا إننا على استعداد للتنسيق مع أي قوة معارضة بأربعة شروط، وهي تجنب العمل على إسقاط النظام بالقوة، بل بالوسائل السلمية، وتجنب المطالب بتقرير المصير فهو حق للشعوب المحتلة أجنبياً، وتجنب الاستنصار بإسرائيل، وتجنب التركيز على معارضة المعارضة.
> يردد ناشطون وقادة أحزاب أنكم تدخلتم في تحالفات مع المعارضة ولكن سريعاً ما تفضونها.
- آفة الأخبار رواتها، تحالف التجمع الوطني الديمقراطي، الذي أُسس في عام 1989 كان بمبادرة منّا، وكنا المهندسين لمؤتمر القضايا المصيرية في أسمرا 1995، وأيّدنا دخول الحركة الشعبية في الحوار مع الحكومة ضمن مبادرة الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (إيقاد)، وكانت لنا شروط وعندما رُفضت رأينا أن نفتح الحوار مع النظام، وأفضى إلى اتفاق جيبوتي عام 1999، واتفاق السلام الشامل بين الحكومة والحركة الموقّع في 2005، ونشرنا نقدنا فيه، والناقدون بلا دراية يقولون إننا إنما حاورنا النظام للانضمام إليه، وكانت النتيجة أن أحزاب التجمع هي التي انضمت إلى النظام لمدة 6 سنوات، ونحن وحدنا الذين لم ننضمّ إليه في أي مرحلة، إذن مَن الذين فككوا تحالف المعارضة.
شاركنا في مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية في جوبا في سبتمبر (أيلول) 2009 وشكّلنا قوى الإجماع، واتضح بعد ذلك أنه يحتاج إلى مراجعة على ضوء التجربة، واتفقنا على ضبط العمل، ولكنّ الآخرين تجنبوا تنفيذ ما اتفقنا عليه وجمّدنا عضويتنا، حتى يُنفذ ما اتُّفق عليه، وعند إعلان ميثاق الفجر الجديد من قِبل الجبهة الثورية وعدد من قوى المعارضة تحفظنا عليه في أمرين: عبارة الوحدة الطوعية، واعتبار إطاحة النظام بالعنف من الخيارات. ولكن لم نقطع العلاقة مع الجبهة الثورية، وواصلنا الحوار، وتوصلنا إلى إعلان باريس في أغسطس (آب) 2014، ثم «نداء السودان» في ديسمبر 2014، وهذا دور توحيدي للقوى السياسية حرصنا عليه وواصلناه حتى يومنا هذا.
> سبق أن عقدتم مصالحة مع الرئيس الأسبق جعفر نميري (1969 - 1985م) في منتصف السبعينات، كما وقّعتم عدداً من الاتفاقيات مع الرئيس الحالي عمر البشير (اتفاقيات نداء الوطن، والتراضي الوطني)، وهذا ما يجعل كثيرين يوجّهون إليكم انتقادات حول التعامل مع الأنظمة العسكرية، ما ردكم على ذلك؟
- الحوار مع النظم القابضة من حيث المبدأ أمر لا يرفضه إلا واهم، فقد قاد المناضلون الوطنيون حواراً مع دول الاحتلال الأجنبي، والتحولات نحو الاستقلال كانت ثمرة لهذا الحوار.
وحوارنا مع الرئيس الأسبق المرحوم جعفر نميري مع أنه لم يحقق أهدافه لكنه حقق مناخاً هو الذي أدى إلى نجاح انتفاضة أبريل (نيسان) 1985 التي قمنا فيها بدور مشهود، ونتيجة تعاملنا مع النظام الحالي لم تكتمل. نحن حرصنا على مطالب الشعب المشروعة بينما كثيرون حاوروا وانخرطوا، ونحن صمدنا، مما أدى إلى خريطة الطريق ينبغي أن تثمر سلاماً عادلاً شاملاً وتحولاً ديمقراطياً، وإن استحال ذلك فالربيع السوداني الثالث خيار وارد، و«لا يُعاب على القوى السياسية الحوار» كما قال نلسون مانديلا، ما يُعاب حقاً هو الاستسلام.
> كيف تنظرون إلى مستقبل السودان مع هذه الأوضاع المعقدة داخلياً وإقليمياً ودولياً؟
- رأس المال البشري السوداني ممتاز، وموارد السودان الطبيعية كثيرة، والقوى السياسية تُجمع على أمرين مهمين: الصلابة والمبدئية، والصفات التسامحية التي تجعل الآيديولوجي «الإسلامي، والشيوعي، والبعثي، والأفريقي»، أكثر تسامحاً من أمثاله في غير السودان. هذه المقومات يمكن أن تحقق اتفاقاً مثل «كوديسا» جنوب أفريقيا، أو انتفاضة سلمية كثورة أكتوبر 1964. والحركة السياسية السودانية هي الأنضج في المنطقة، لأنها انطلقت من ليبرالية ليس لحرياتها مثيل، وخاضت تجارب يسارية، ويمينية، شيوعية وإسلاموية، ومع إخفاقات هذه التجارب فإنها كوّنت ثقافة سياسية ثرية سوف تسعف السودان مستقبلاً في بناء الوطن على أساس مستفيد من كل هذه التجارب.



«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.