بكين تتأهب لزيادة التبادل التجاري مع العرب عبر السعودية إلى 600 مليار دولار

السفير الصيني لدى السعودية لـ {الشرق الأوسط}: نستهدف البنية التحتية والطاقة النووية والمتجددة والفضاء والأقمار الصناعية

جانب من مستودعات في أحد الموانئ السعودية و في الاطار سفير الصين لدى السعودية  ({الشرق الأوسط})
جانب من مستودعات في أحد الموانئ السعودية و في الاطار سفير الصين لدى السعودية ({الشرق الأوسط})
TT

بكين تتأهب لزيادة التبادل التجاري مع العرب عبر السعودية إلى 600 مليار دولار

جانب من مستودعات في أحد الموانئ السعودية و في الاطار سفير الصين لدى السعودية  ({الشرق الأوسط})
جانب من مستودعات في أحد الموانئ السعودية و في الاطار سفير الصين لدى السعودية ({الشرق الأوسط})

كشف السفير الصيني لدى السعودية، أن بلاده تخطط لتنفيذ شكل من أشكال التكاتف مع السعودية والدول العربية، لإعداد أكبر تعاون متبادل بينها وبين دول المنطقة، لجني أكبر محصلة من ثمار التنمية.
وأوضح لي تشنغ ون السفير الصيني لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط» أن بلاده تتأهب لزيادة حجم التبادل التجاري مع البلاد العربية من 240 مليار دولار عام 2013 إلى 600 مليار دولار خلال العشرة أعوام المقبلة.
وزاد أن بلاده تعتزم - في الوقت ذاته - زيادة الرصيد الاستثماري الصيني غير المالي في البلاد العربية، من عشرة مليارات دولار العام الماضي، إلى أكثر من 60 مليار دولار، مشيرا إلى أن السعودية تعد البوابة الرئيسة لتعظيم هذا التعاون المطرد.
وقال السفير الصيني إنه «خلال الثلاثة أعوام المقبلة، نعتزم تدريب ستة آلاف موهبة عربية في التخصصات المختلفة، مشيرا إلى أن تجربة الإصلاح والانفتاح التي بدأت بلاده تنفيذها منذ أكثر من 30 عاما، أكدت لهم أن التنمية أساس حقيقي بكل معنى الكلمة».
وأضاف: «خلال العشرة أعوام المقبلة، سننظم زيارات متبادلة بين عشرة آلاف فنان صيني وعربي للتواصل، وتشجيع ودعم التعاون المتخصص بين 200 مؤسسة ثقافية صينية وعربية، ودعم 500 موهبة ثقافية وفنية عربية إلى بلادي للمشاركة في الندوات الدراسية».
ولفت ون إلى أن طريق الحرير الذي ظهر منذ أكثر من ألفي سنة، يثبت لنا أنه بفضل المساواة والتواصل والاستفادة المتبادلة، أصبحت الحضارات أكثر تنوعا وروعة، وكما قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، إن الصين تسعى إلى التنمية المشتركة، ليكون الخير لنا ولغيرنا.
وعلى الصعيد السعودي - الصيني قال السفير الصيني لدى السعودية إنه خلال الأعوام الأخيرة، وتحت الرعاية المشتركة من القادة في البلدين، شهدت علاقات الصداقة والتعاون بين الطرفين نموا سريعا ومثمرا في المجالات المختلفة، مشيرا إلى تبادلات كثيفة تجرى حاليا لتعزيز تعاون بلاده مع السعودية في مجال الطاقة المتجددة والطاقة النووية، بالإضافة إلى تعاونهما في مجال النفط الخام.
وذكر ون أن السعودية أصبحت أكبر مصدر للنفط الخام للصين، وأكبر شريك تجاري في غربي آسيا وأفريقيا لمدة 12 عاما على التوالي، مؤكدا أنه عقب زيارة الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد السعودي إلى بلاده أوائل العام الحالي، حققت العلاقات الثنائية تقدما جديدا.
وأكد السفير الصيني أن تلك الزيارة أثمرت المزيد من الشركات الصينية للاستثمار والعمل في السعودية، وفي مقدمتها إطلاق مشروعات هندسية بجودة أحسن وخدمة أوفر للشعب السعودي، مشيرا إلى أن مصفاة ينبع التي ستنشأ قريبا، هي نتاج الاستثمار المشترك بين الجانبين.
ونوه إلى أن مشروع مكافحة الفيضان في جدة الذي شاركت فيه شركة صينية قد دخل بسلاسة مرحلة النصف الثاني، مشيرا إلى أنه قبل فترة وجيزة، وقعت اتفاقية بين شركة صينية وشركة «أرامكو» لمشروع محطة توليد الطاقة بقدرة 3850 ميغاوات في جيزان.
وأوضح أن الشركة الصينية المسؤولة عن تشغيل السكك الحديدية الخفيفة في مكة المكرمة تنجز أعمالا استعدادية بجد واجتهاد، لكي تضمن نقل الحجاج بسلامة وسلاسة، في ظل توقعات بتقاطر ملايين من المسلمين من جميع أنحاء العالم إلى السعودية للحج بعد شهرين من الآن.
وذكر السفير الصيني أن بناء هذه السكك تم عام 2010، وخلال الأربعة أعوام الماضية، نقلت أكثر من 12 مليون راكب، مشيرا إلى أنها عالية الدمج النظامي، وتعد حتى اليوم أكبر سكك حديدية خفيفة من حيث القدرة على النقل في العالم - على حد تعبيره.
وقال: «يسرنا أن دول مجلس التعاون الخليجي أعلنت استئناف مفاوضات منطقة التجارة الحرة مع الصين في النصف الأول من العام الحالي، حيث لعبت السعودية كدولة رائدة في المجلس دورا إيجابيا في هذا الصدد؛ الأمر الذي سيزيد قوة دافعة جديدة لتوسيع التجارة بين بلادنا والدول الخليجية، وتنمية علاقاتهما على المدى الطويل».
وأضاف السفير الصيني: «نثق في أنه انطلاقا من المنفعة المتبادلة والنجاح المشترك، فإن إقامة منطقة تجارة حرة في وقت مبكر سوف تعزز - إلى حد كبير - رخاء شعبينا، وتقدم نموذجا جديدا للتعاون بين البلدان النامية».
ولفت إلى أن مبادرة التشارك في بناء «الحزام والطريق»، الذي يعني «الحزام الاقتصادي لطريق الحرير»، و«طريق الحرير البحري في القرن الـ21»، التي طرحها الجانب الصيني، حظيت بإقبال واسع من السعودية والدول العربية الأخرى، مشيرا إلى أن الخبراء والعلماء من الجانبين يجرون مشاورات عميقة بشأنها.
وقال: «نحن على يقين أنه من خلال تناسق السياسات وترابط الطرق، وتواصل الأعمال، وتداول العملات، وتفاهم العقليات، ستصبح الدول العربية وفي مقدمتها السعودية، منطقة محورية في هذا الطريق العظيم الذي يربط قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا بريا وبحريا».
وأوضح ون أنه خلال الدورة السادسة من الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني - العربي، الذي عقد في مايو (أيار) الماضي، طرح رئيس بلاده شي جين بينغ إطار تعاون أطلق عليه (1+2+3) على أساس «الحزام والطريق»، مشيرا إلى أن (1) يمثل ضرورة اتخاذ التعاون في مجال الطاقة قاعدة أساسية. ووفق السفير الصيني، فإن (2) يمثل ضرورة اتخاذ مجالي البنية التحتية وتسهيل التجارة والاستثمارات كجناحين، أما (3) فيقصد به ضرورة الارتقاء بمستوى التعاون العملي الصيني - العربي في ثلاثة مجالات ذات تقنية متقدمة، كنقاط اختراق تشمل الطاقة النووية، والفضاء، والأقمار الصناعية، والطاقات المتجددة.
وقال إنني «كسفير للصين لدى السعودية، فخور جدا بما طرحه الرئيس الصيني؛ لأنه يتطابق تماما مع واقع التعاون العملي بين بلدينا واتجاه تطوره، حيث إن بعض الأرقام التي أوردتها في هذا التصريح ترسم - إلى حد ما - مستقبلا مشرقا للتعاون الصيني - السعودي، والتعاون الصيني - العربي في المجالات كافة».



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.