واشنطن تتحدث عن انهيار قريب للقوات الأفغانية

«طالبان» تواصل هجماتها وتقدمها في عدد من المناطق

مسؤولون ومواطنون أفغان يحضرون جنازة طاهر خان داوار المسؤول البارز في مكافحة الإرهاب الباكستانية حيث سيتم تسليم الجثة إلى القنصل العام لباكستان في جلال آباد وسيتم نقلها عبر معبر تورخام الحدودي (إ.ب.أ)
مسؤولون ومواطنون أفغان يحضرون جنازة طاهر خان داوار المسؤول البارز في مكافحة الإرهاب الباكستانية حيث سيتم تسليم الجثة إلى القنصل العام لباكستان في جلال آباد وسيتم نقلها عبر معبر تورخام الحدودي (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تتحدث عن انهيار قريب للقوات الأفغانية

مسؤولون ومواطنون أفغان يحضرون جنازة طاهر خان داوار المسؤول البارز في مكافحة الإرهاب الباكستانية حيث سيتم تسليم الجثة إلى القنصل العام لباكستان في جلال آباد وسيتم نقلها عبر معبر تورخام الحدودي (إ.ب.أ)
مسؤولون ومواطنون أفغان يحضرون جنازة طاهر خان داوار المسؤول البارز في مكافحة الإرهاب الباكستانية حيث سيتم تسليم الجثة إلى القنصل العام لباكستان في جلال آباد وسيتم نقلها عبر معبر تورخام الحدودي (إ.ب.أ)

واصلَتْ قوات حركة طالبان تقدُّمها في عددٍ من الولايات الأفغانية مجبِرة القوات الحكومية على الانسحاب، بعد إيقاع خسائر فادحة في صفوفها؛ فقد تحدثت «طالبان»، أول من أمس، عن هجمات لقواتها في مديرية شندند بولاية هيرات غرب أفغانستان، حيث قالت الحركة إن قواتها سيطرت على عدد من المراكز الأمنية بعد قتل سبعة من أفراد القوات الحكومية، وإجبار الباقين على الفرار تاركين عدداً من الآليات المدرعة والأسلحة الخفيفة وكميات ضخمة من الذخيرة، حسب بيان حركة «طالبان». ونشرت «طالبان» عدداً من البيانات حول عملياتها في ولايات أخرى، حيث قالت إن قواتها تمكَّنَت من قتل خمسة وثلاثين من القوات الأفغانية، بينهم اثنان من كبار الضباط، في ولاية فراه غرب أفغانستان، بالإضافة إلى استيلائها على دبابتين، وجاء في بيان الحركة أن قواتها تمكَّنَت من مهاجمة قوات الحكومة في مديرية فراه رود، وتصدَّت للقوات الحكومية التي أُرسلت لدعم القوات التي تمت مهاجمتها من قبل «طالبان». وكانت «طالبان» تحدثت عن انضمام أكثر من تسعين من رجال الميليشيا الحكومية لقوات «طالبان» في الولاية ذاتها بمنطقة خاكي سفيد، بعد سيطرة «طالبان» على عدد من المراكز العسكرية الحكومية. وكانت مواجهات دامية وقعت بين قوات «طالبان» والحكومة الأفغانية في ولاية قندوز حيث ذكرت «طالبان» أن 27 من القوات الحكومية قُتِلوا في المواجهات في قلعة زال، وتمكنت قوات «طالبان» من السيطرة على المركز الأمني في المنطقة بعد تدمير دبابة والسيطرة على مخازن الذخيرة في المركز.
وأشار بيان «طالبان» إلى مقتل اثنين من مسلحي الحركة في العملية، إضافة إلى مقتل أحد عناصر الميليشيا الحكومية بواسطة قنّاص في منطقة خان آباد. وأعلنت «طالبان» سيطرتها على ستة من المراكز الأمنية في مديرية اشكامش في ولاية تاخار المجاورة لولاية قندوز. كما أعلنت «طالبان» مقتل تسعة من العناصر الحكومية في مديرية سيد آباد بولاية ميدان وردك المجاورة للعاصمة كابل من الغرب، إضافة إلى مقتل أربعة عشر آخرين في مديرية جلريز في الولاية ذاتها. واتهمت «طالبان» الرئيس الأفغاني أشرف غني بتأجيج حرب طائفية في أفغانستان من خلال قيامه بتجنيد ميليشيات طائفية في عدد من الولايات، والقول إن «طالبان» تقاتل الأقلية الشيعية على أسس طائفية. وقال بيان للحركة إن الحكومة الأفغانية جنَّدت عدداً من الميليشيات الشيعية في ولايات باميان وغزني وأورزجان وسط أفغانستان.
وقال بيان صادر عن «طالبان» إن التوجُّه الجديد لحكومة الرئيس أشرف غني هو المسؤول عن قَتل مَن يقف في وجه قوات «طالبان» التي لم تقاتلهم على أسس طائفية، وإنما لموالاتهم الحكومة الأفغانية التي تعتبرها «طالبان» غير معترَف بها ومجرد أداة بيد القوات الأميركية في أفغانستان.
وجاء في بيان «طالبان» أن خطوات أشرف غني تظهر إفلاس الحكومة الأفغانية الحالية وقرب انتهائها، لأن ما تقوم به من فرز طائفي وتوجيه نحو حرب طائفية لن ينفع الشعب الأفغاني مطلقاً. وأشار بيان «طالبان» إلى المعارك التي جرت في ولايات غزني وأوروزجان، واشتباك قوات الحركة مع ميليشيات شيعية موالية للحكومة في كابل.
من جانبه، أصدر مجلس الأمن الوطني الأفغاني أوامره للقوات الحكومية بزيادة هجماتها وتصديها لقوات «طالبان» في كل الولايات الأفغانية، وجاء في بيان مجلس الأمن الوطني أن قوات المعارضة الأفغانية تتكبد خسائر فادحة في الأفراد والمعدات، متهماً قوات «طالبان» والمعارضين المسلحين باستهداف المدنيين في أفغانستان. سياسياً، انتقد رئيس الحزب الإسلامي في أفغانستان قلب الدين حكمتيار تحالف المعارضة الوطنية وبرنامجه للانتخابات الرئاسية، حيث أعلن أحمد ضياء مسعود أن «التحالف» سيقدِّم مرشحاً واحداً للرئاسة وثلاثة نواب له، كما سيقدم مرشحاً واحداً لمنصب رئاسة الوزراء أو السلطة التنفيذية مع ترشيح ثلاثة نواب له من أحزاب التحالف.
كما انتقد حكمتيار الدعوات المطالِبة بمشاركة «طالبان» في السلطة وتشكيل حكومة انتقالية، واصفاً دعاة هذا الطرح بأنهم يريدون إحداث فراغ في السلطة في أفغانستان، وعقد مؤتمر شبيه بـ«مؤتمر بون»، الذي عُقِد في ألمانيا عقب سقوط حكومة «طالبان» عام 2001. وأعلن حكمتيار للصحافيين في كابل أن «مثل هذا المخطط لن يتم تمريره على الشعب الأفغاني مطلقاً». وتزامنت التحركات الحكومية والنشاط السياسي وهجمات «طالبان» مع اعتراف موقع مقرب من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بتراجع القوات الحكومية الأفغانية في المواجهات مع «طالبان». وقال موقع «الحرب الطويلة» التابع لمشروع الدفاع والديمقراطية المموَّل من البنتاغون الأميركي إن «طالبان» تمكنت من القضاء على القوات الخاصة الأفغانية في ولاية غزني مجدداً، رغم التعزيزات التي حصلت عليها هذه القوات من أفراد ومعدات، بعد اجتياح «طالبان» مدينة قندوز في أغسطس (آب) الماضي.
ونقل الموقع عن مراسلي «نيويورك تايمز» في أفغانستان قولهم إن القوات الخاصة التي أُرسلت لتعزيز القوات الأمنية في غزني تم القضاء عليها كلياً، وإن المسؤولين الحكوميين في المنطقة شوهدوا وهم يحاولون الفرار من أمام قوات «طالبان». وأشار الموقع الأميركي إلى تمكُّن قوات طالبان من عزل منطقة جاغوري التي تقطنها الأقلية الشيعية، وقطع جميع طرق الإمداد، لكنهم لم يهاجموا المنطقة ويحاولوا السيطرة عليها حتى الآن.
وأشار الموقع إلى وجود أكثر من ألف مقاتل من «طالبان» يحاصرون المديرية ويهاجمون مدينة غزني في الوقت نفسه، حسب ما نقله عن وكالة «خاما برس» الأفغانية المقرَّبة من الجيش. كما نقل عن مسؤولين عسكريين أفغان قولهم إنه تم إحضار إمدادات وأسلحة عبر الجو وتم تعزيز القوات، وإن الوضع تحت سيطرة القوات الحكومية الآن.
وانتقد الموقع الأميركي القوات الأميركية في أفغانستان وقوات حلف الأطلسي بالقول إنهم أشاروا على الشرطة والقوات الحكومية الأفغانية بالانسحاب من المناطق الريفية، للدفاع عن المناطق المأهولة بعدد كبير من السكان، وهو ما أدى إلى سيطرة «طالبان» على مناطق كثيرة وزيادة عدد السكان تحت سيطرة «طالبان» وتفاقم الوضع الأمني، ويضع «طالبان» في موقف أفضل لتهديد المناطق الواقعة تحت السيطرة الحكومية من خلال قطع طرق الإمدادات لها.
وقال الموقع الأميركي إن هذا الوضع أهَّل «طالبان» لبسط سيطرتها على مناطق واسعة وتعيين حكام إداريين للأرياف تحت سيطرتها، ونقل المعركة إلى مواقع جديدة، مع إمكانية تجنيد أعداد أكبر من الشباب الأفغان في صفوف «طالبان».
وختم الموقع الأميركي تعليقه بالقول إن القوات الحكومية الأفغانية غير قادرة على وضع حد لتقدم «طالبان» المطرد، كما أن حجم الجيش الأفغاني تقلّص بشكل كبير في وقت تحتاج فيه الحكومة الأفغانية إلى أعداد متزايدة من المجندين في صفوف الشرطة والجيش الأفغاني لوقف تقدم «طالبان». وكانت مواقع أفغانية وقنوات تلفزيونية في كابل تحدثت عن مقتل ما يزيد على 28000 جندي أفغاني خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما قال الموقع الأميركي نقلاً عن مسؤولين أفغان إن خسائر الجيش الأفغاني بلغت تسعة آلاف قتيل هذا العام. ووصف الموقع الأميركي الوضع العسكري بأن قوات «طالبان» هي التي تملك زمام المبادرة العسكرية في كثير من المناطق الأفغانية، مختتماً بالقول: «ليس من الواضح كم ستستمر خسارة القوات الأفغانية للأفراد والمواقع، خصوصاً مع تردِّي معنويات القوات الأفغانية، بعد الخسائر الفادحة في صفوف القوات الخاصة والشرطة».



البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
TT

البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)

معروف أنَّ دبلوماسية الفاتيكان هي الأعرق في العالم، وليس من باب الصدف، أنَّ البابا ليو الرابع عشر، اختار الرابع من يوليو (تموز)، يوم العيد الوطني الأميركي والاحتفالات الضخمة التي ينظِّمها دونالد ترمب بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، ليمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا؛ ليحيي قداساً بين المهاجرين، ويضع إكليلاً من الزهور على ضريح طفل أفريقي قضى في الثانية من عمره مع أسرته التي كانت تحاول عبور البحر إلى أوروبا.

صورة مركَّبة لبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وقبل أن يغادر روما صباح السبت، كان البابا قد وجَّه رسالةً بالفيديو إلى «المركز الوطني الدستوري» في فيلادلفيا، الذي منحه ميدالية الحرية، جاء فيها: «المجد لأولئك الرجال والنساء الشجعان الذين كانوا يحلمون بالحرية وبحياة أفضل لهم ولأبنائهم».

وتأتي هذه التصريحات لأول بابا أميركي في التاريخ، بعد أيام على صدور قرار المحكمة العليا الأميركية الذي يكبح محاولة ترمب إلغاء حق الحصول على الجنسية لكل الذين يشهدون النور على الأراضي الأميركية، والذي يُشكِّل إحدى الدعائم الأساسية في تاريخ الولايات المتحدة.

وذكّر روبرت فرنسيس بريفوست (اسم البابا عند الولادة في 14 سبتمبر/ أيلول 1955)، بفقرة من إعلان استقلال الولايات المتحدة جاء فيها: «كل الرجال والنساء يولدون متساوين بنعمة الخالق الذي يمنحهم حقوقاً ثابتة، منها الحق في الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة». ثم أضاف: «تلك الرؤية السامية جعلت من الولايات المتحدة مرادفاً للحرية، إذ فتحت الأبواب أمام موجات متتالية من المهاجرين، وسمحت لهم ولأولادهم بأن يلعبوا دوراً أساسياً في بناء مستقبل الأمة».

بارك البابا لوحةً تذكاريةً تكريماً لسلفه البابا فرنسيس بنقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط (إ.ب.أ)

وكان ليو الرابع عشر، المولود في شيكاغو من أبوين مهاجرَين، قد نأى بنفسه بعيداً عن دونالد ترمب، عندما رفض دعوة البيت الأبيض لزيارة الولايات المتحدة هذه السنة بمناسبة احتفالات مرور 250 سنة على الاستقلال الأميركي، وقرَّر تمضية هذا اليوم في الجزيرة التي أصبحت رمزاً لمأساة المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط إلى أوروبا.

وفي لامبيدوسا، قال البابا: «إن العظمة الأخلاقية للأمم تُقاس، قبل أي شيء، بقدرتها على مساندة وحماية وتقدير حياة كل أبنائها، خصوصاً منهم الضعفاء، والذين تدور شكوك حول قيمتهم بوصفهم بشراً».

وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية وزار «بوابة أوروبا» وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا (رويترز)

وأضاف: «الحرية الحقيقية أعمق بكثير من التَّصرُّف وفقاً لمشيئتنا، فهي تقوم على قدرتنا على معرفة الحقيقة، والتزام الخير مهما كان الثمن باهظاً».

ومن غير أن يسمّي الرئيس الأميركي قال: «يعرف الأميركيون جيداً أنَّ الطريق إلى بناء مجتمع يجسِّد قيم الحرية والعدالة السامية للجميع، لم يكن سهلاً أبداً، وهذه معركة تنتقل من جيل إلى آخر، على أمل أن تبقى الولايات المتحدة دائماً وفيّة للحلم الذي منحها لقب أرض الأحرار وموئل الشجعان». وذكّر البابا ليو الرابع عشر أيضاً بالحرية الدينية التي كانت دائماً من السمات المُميِّزة للمجتمع الأميركي. وأعرب عن أمله بأن يبقى هذا التقليد حياً ومثمراً للأجيال المقبلة.

يلقي موعظته خلال زيارته الجزيرة الإيطالية (إ.ب.أ)

وخلال زيارته إلى الجزيرة الإيطالية في البحر المتوسط، بارك البابا لوحةً تذكاريةً، تكريماً لسلفه البابا فرنسيس، الذي سيُطلَق اسمه فصاعداً على نقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط. وسيُطلَق على هذه النقطة، التي كانت تُعرَف سابقاً باسم «مولو فافالورو»، الآن «مولو بابا فرنسيسكو». وتهدف تلك الخطوة إلى إحياء ذكرى التزام البابا الراحل تجاه اللاجئين.

وندَّد البابا بالإجراءات الرامية إلى قمع الهجرة غير القانونية. ووصف معاملة الإدارة الأميركية للمهاجرين بأنَّها «غير إنسانية». وحضَّ المهاجرين على الاندماج من خلال تعلم لغة البلد المستضيف، واحترام قوانينه، والتَّعرُّف إلى عاداته وتقاليده.

وحثَّ البابا أوروبا على معالجة مشكلة ⁠الهجرة «بشكل شامل من خلال دمج ‌جهود الإغاثة الفورية ‌في خطة استراتيجية طويلة الأمد قادرة ​على استقبال المهاجرين وحمايتهم ‌ودعمهم وإدماجهم». وناشد أيضاً القادة الأوروبيين المساعدة في ‌تحسين الأوضاع في بلدان المهاجرين الأصلية حتى يقل عدد الذين يشعرون بأنَّهم مضطرون إلى المغادرة.

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ويحيي قداساً فيها (إ.ب.أ)

ورأى الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو أونغارو، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «وجود البابا ليو الرابع عشر يُشكِّل رسالةً واضحةً في زمن يتركَّز فيه النقاش السياسي العالمي حول الهجرة أكثر فأكثر على الحدود وسياسات المنع، بدلاً من الحماية وتقاسم المسؤولية».

وجزيرة لامبيدوسا هي ثاني وجهة أوروبية للهجرة. ويُعدُّ عبور وسط البحر الأبيض المتوسط من شمال أفريقيا أخطر مسار للهجرة في العالم، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

وتقع لامبيدوسا بين صقلية وتونس على بعد 145 كيلومتراً من السواحل التونسية، وتعدُّ الجزيرة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 6000 نسمة، منذ زمن طويل من المراكز الرئيسية للمهاجرين الذين يسافرون من أفريقيا إلى أوروبا. وقد تحوَّلت إلى أحد أبرز رموز أزمة الهجرة في أوروبا.

‌وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والبابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان (الفاتيكان)

وفي عام 2025، لقي نحو 1330 شخصاً حتفهم أو فُقدوا خلال محاولتهم عبور هذا المسار، بحسب تقارير للمنظمة. يُراقب هذا المسار عدد قليل من السفن التابعة لمنظمات إنسانية تتّهم الاتحاد الأوروبي بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات لمنع تسجيل حوادث غرق سفن.

وقال البابا في عظته في الجزيرة: «إن أوروبا قادرة (...) على معالجة الأزمة بشكل متكامل، عبر إدراج عمليات الإغاثة الأولية ضمن خطة استراتيجية طويلة الأمد، وقادرة على الترحيب بالمهاجرين وحمايتهم ودمجهم، مع العمل في الوقت نفسه على التنمية، حتى لا يضطر أحد للهجرة».

وندَّد بـ«اللامبالاة تجاه الصالح العام، والفساد في البلدان الأصلية للمهاجرين، والنظام الاقتصادي العالمي الذي يولد الفقر والإقصاء، والخوف الذي يغذي الأحكام المسبقة والازدراء (...) والحسابات الإجرامية لمَن يستفيدون من مأساة الآخرين».

البابا ليو الرابع عشر رئيس الكنيسة الكاثوليكية (رويترز)

وقبل عظته، وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية، وزار «بوابة أوروبا»، وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا، حيث وقف وحيداً على صخرة تواجه البحر، وعباءته ترفرف بفعل الرياح.

وجعل البابا من الدفاع عن المهاجرين موضوعاً أساسياً في حبريته، يركّز عليه تكراراً على غرار ما فعل خلال زيارته أرخبيل جزر الكناري الإسباني الشهر الماضي، شاكراً مَن يمدّون يد العون للمعوزين الذين يتركون بلدانهم، ومندداً بعمليات الترحيل الجماعي في بلده، الولايات المتحدة.


«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تصاعد الكلام عن أفول الشراكة عبر الأطلسي؛ بل ذهب بعض المحللين إلى حد الجزم بأن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة التراجع التاريخي. إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف؛ فالحلف لا ينهار بقدر ما يعيد تعريف قواعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي، في ظل انتقال تدريجي من نموذج اعتمد لعقود على القيادة الأميركية، إلى نموذج يقوم على توزيع أكبر للأعباء والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وطوال أكثر من 70 عاماً، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية حجر الأساس في الدفاع الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن التحولات الدولية، وتبدل أولويات واشنطن، وتصاعد المنافسة مع الصين، دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنهم. صحيح أن ترمب عبّر عن هذه المطالب بصوت مرتفع، إلا أن جذور الموقف الأميركي تعود إلى سنوات سابقة، عندما بدأت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معتبرة أن التحدي الصيني يمثل أولويتها الاستراتيجية الأولى.

جنديان نرويجيان خلال تدريب مشترك مع قوات بحرية أميركية قبالة ساحل ولاية نورث كارولاينا الأميركية (رويترز)

في المقابل، تختلف نظرة الأوروبيين إلى مصادر التهديد؛ فبالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، لا تزال روسيا الخطر المباشر على الأمن القاري، وهو ما كرسته الحرب في أوكرانيا التي أعادت الدفاع الجماعي إلى الصدارة. أما واشنطن، فترى أن المنافسة مع الصين ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، حتى إن بقيت ملتزمة بالدفاع عن أوروبا.

* «الناتو» وقدرة الدول الأعضاء على التكيّف

إلا أن هذا التباين في ترتيب الأولويات لا يعني انهيار التحالف؛ بل يفرض إعادة صَوغ العلاقة على أسس أكثر واقعية، فـ«الناتو» لم يقم يوماً على تطابق كامل في الرؤى السياسية، وإنما على وجود مصالح أمنية مشتركة وشعور بوجود تهديدات تستدعي العمل الجماعي. لذلك، فإن استمرار الحلف يعتمد اليوم على قدرة أعضائه على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وليس على العودة إلى نموذج ما بعد الحرب الباردة.

وقد دفعت هذه البيئة الجديدة، الدول الأوروبية، إلى خطوات غير مسبوقة في مجال الإنفاق العسكري؛ فبعد سنوات من الانتقادات الأميركية بشأن غياب الإنصاف في تقاسم الأعباء، رفعت غالبية الدول الأعضاء موازناتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما شرعت دول مثل ألمانيا في مراجعة سياساتها التقليدية تجاه الإنفاق العسكري، في حين تواصل بولندا ودول الجناح الشرقي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، الاستثمار بكثافة في تعزيز قدراتها الدفاعية خوفاً من روسيا.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً متزايداً لواقع أن أمن القارة لم يعد من الممكن أن يبقى معتمداً كلياً على الضمانات الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو (حزيران) الماضي (رويترز)

ولا تقتصر عملية إعادة التفاوض على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فالاستثمارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال من الأكبر عالمياً، كما أن الصناعات الدفاعية الأميركية ترى في خطط التسلح الأوروبية فرصاً اقتصادية هائلة؛ ففرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متكاملة نسبياً، بينما يعتمد معظم الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة على استيراد الأسلحة والتقنيات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى تعزيز استقلالهم الصناعي والتكنولوجي من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال الاستراتيجي واستمرار الشراكة.

*قمة «الناتو» في أنقرة

من هنا، تبدو قمة «الناتو» المرتقبة في أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف؛ إذ تمثل محطة لاختبار قدرة الطرفين على بلورة صيغة جديدة للعلاقة الأطلسية، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الوحيد لأمن أوروبا؛ بل كيف يمكن للطرفين بناء شراكة أكثر توازناً؟

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثيراً وإثارة للجدل داخل الحلف؛ فمن الناحية العسكرية، تمتلك ثاني أكبر جيش في «الناتو»، ويمنحها موقعها الجغرافي قدرة استثنائية على الربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز. ومع تصاعد التوتر مع روسيا واستمرار الاضطرابات في جوار أوروبا الجنوبي، تزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى الحلف.

لكن هذه القيمة الاستراتيجية تقابلها تحديات سياسية معقدة؛ فقد شهدت السنوات الماضية خلافات متكررة بين تركيا وعدد من حلفائها بشأن منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، والدور التركي في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص، إضافة إلى استخدام أنقرة آليات الإجماع داخل الحلف للدفاع عن أولوياتها الأمنية. لذلك، ينظر كثير من الحلفاء إلى تركيا باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه ليس شريكاً سهلاً.

دورية للشرطة في أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة أطلسية (رويترز)

ورغم ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن أهمية تركيا ترتفع كلما ازدادت الأخطار الأمنية التي تواجه أوروبا؛ ففي أوقات الأزمات، تعود الجغرافيا والقدرات العسكرية لتتقدم على الخلافات السياسية، بينما تتصدر هذه الخلافات المشهد عندما تتراجع مستويات التهديد. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحمل العبء الأمني الأوروبي بمفردها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام «الناتو» لا يتمثل في الحفاظ على شكله التقليدي؛ بل في «كتابة» صيغة جديدة لآليات عمله بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة، فنجاح الحلف سيقاس بقدرته على تحقيق توازن بين دور أوروبي أكثر استقلالية، واستمرار الالتزام الأميركي، والاستفادة من القدرات الاستراتيجية لدول محورية مثل تركيا، رغم استمرار الخلافات السياسية معها.

وعليه، فإن الحديث عن نهاية الشراكة الأطلسية يبدو سابقاً لأوانه، فما يجري اليوم ليس انهياراً للنظام الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل عملية إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، تفرضها التحولات الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى. وقد تكون قمة أنقرة واحدة من أبرز المحطات التي ستكشف ما إذا كان «الناتو» قادراً على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً وفاعلية في مواجهة تحديات العقد المقبل.


وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
TT

وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)

أعرب وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر عن شكوكه في استمرار الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال فيشر (78 عاماً) في تصريحات لصحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية: «في الواقع، الأميركيون في طريقهم إلى الخروج»، داعياً إلى أن يواصل الحلفاء المتبقون عمل التحالف من دون أميركا في حال حدوث ذلك، وأن يقيموا مظلة ردع نووي بالاعتماد على الأسلحة النووية لكل من فرنسا وبريطانيا.

ومن المقرر أن يعقد قادة «الناتو» قمة في العاصمة التركية أنقرة اعتباراً من يوم الثلاثاء المقبل.

وقبل القمة، جدَّد ترمب انتقاداته لألمانيا وحلفاء آخرين بسبب مساهماتهم في «الناتو»، رغم أنهم زادوا في الفترة الأخيرة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

وقال فيشر: «قادة الدول والحكومات الأوروبية والأمين العام للناتو يتقربون إلى دونالد ترمب بقدر كبير من التملق للإبقاء عليه داخل الحلف»، مضيفاً أنه لا ينتقد هذا السلوك، وقال: «يتعين عليهم فعل ذلك، ولا أرى بديلاً. لكنني لا أعتقد أن الناتو سيستمر على المدى الطويل بهذه الطريقة».

وأكد فيشر أنه يعول على تعزيز الطابع الأوروبي داخل الحلف، قائلاً: «يجب أن يبقى الجزء الأوروبي من الناتو متماسكاً، ويفضل أن يكون ذلك بمشاركة كندا»، وأضاف: «لدينا إجراءات وآليات مجربة، ويجب الحفاظ عليها ونقلها إلى هيكل جديد».

وفي معرض رده على سؤال بشأن استمرار المظلة النووية الأميركية، قال فيشر: «لم أعد أعول عليها»، مضيفاً أنه من الصواب «إغداق كثير من المديح على ترمب»، لكنه أشار إلى شكوكه في أن يكون ذلك كافياً «إذا وصلت الأمور إلى لحظة الحسم».

وأفاد وزير الخارجية الأسبق أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة فإنها ستسحب معها مظلتها النووية، وأضاف: «عندها سيتعين علينا أن نحاول بناء مظلة حماية خاصة بنا انطلاقاً من القدرات الموجودة في بريطانيا وفرنسا، ومن القدرات غير النووية للجزء الأوروبي من الناتو»، موضحاً أن ذلك سيعني أن تكون الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرار للرئيس الفرنسي أو رئيس الوزراء البريطاني، كما هو الحال حالياً بالنسبة للرئيس الأميركي.

وأضاف: «سيتعين التفاوض بشأن مسائل التمويل».

وشغل فيشر منصب وزير الخارجية ونائب المستشار الألماني خلال الفترة من 1998 إلى 2005 في حكومة الائتلاف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر بقيادة المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر.