استقالة ليبرمان تزعزع ائتلاف نتنياهو الحكومي

تقديرات اعتبرتها مناورة لاستبعاد بينيت من الانتخابات المقبلة

وزير الدفاع الإسرائيلي المستقيل أفيغدور ليبرمان خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الإسرائيلي المستقيل أفيغدور ليبرمان خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
TT

استقالة ليبرمان تزعزع ائتلاف نتنياهو الحكومي

وزير الدفاع الإسرائيلي المستقيل أفيغدور ليبرمان خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الإسرائيلي المستقيل أفيغدور ليبرمان خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)

دخلت الحكومة الإسرائيلية، أمس (الأربعاء)، أزمة سياسية جدية، مع استقالة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، منها، وانسحابه وحزبه من الائتلاف الحكومي. إذ أصبحت القاعدة البرلمانية هشة (61 مقعداً من مجموع 120 مقعداً في البرلمان)، أي نفر فيها يهدد بسقوطها. لكنّ المراقبين لم يستبعدوا، في الوقت نفسه، أن تكون هذه مناورة حزبية، جرى تنسيقها بين ليبرمان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بغرض تبكير موعد الانتخابات وعزل حزب «البيت اليهودي» المتطرف، الذي يمثل مصالح المستوطنين. وهناك من يرى أن هذه الاستقالة تساعد نتنياهو على التعاطي الإيجابي مع «صفقة القرن»، التي سيطرحها الرئيس دونالد ترمب خلال الشهرين المقبلين.
وكان ليبرمان قد أعلن عن استقالته في خضمّ موجة احتجاج كبيرة على الاتفاق بين حكومة إسرائيل وحكومة «حماس»، لإعادة الهدوء على الحدود بينهما. فقد خرج سكان البلدات اليهودية المحيطة بقطاع غزة في مظاهرات غاضبة متهمين الحكومة بالخنوع لـ«حماس». ومطالبين بعملية حربية تقضي على حكم «حماس»، أو عملية سلام تُنهي تماماً إطلاق الصواريخ عليهم. وأغلقوا الشوارع حول القطاع. وقرروا نقل المظاهرات إلى القدس وتل أبيب وإغلاق الشوارع فيهما. واستغلت المعارضة السياسية هذا الموقف وانضمت إلى حملة الهجوم على الحكومة، متهمينها بمساعدة «حماس» حتى لا تضطر إلى التفاوض مع السلطة الفلسطينية على سلام يحل كل المشكلات مع غزة وغيرها. وراحوا يحقّرون نتنياهو وليبرمان وغيرهما من الوزراء المتطرفين، ويتهمونهم بالركوع أمام «حماس».
وخرج رئيس حزب المستوطنين الوزير نفتالي بينيت، بهجوم كاسح على ليبرمان، واصفاً إياه بأنه «وزير الدفاع الأكثر فشلاً في تاريخ إسرائيل». وطالبه نائب آخر بالاستقالة، لأنه لا يستطيع فرض إرادته على الجيش. وكان مكتب رئيس الوزراء، قد أصدر بياناً قال فيه، إن جميع الوزراء أيدوا اتفاق التهدئة مع «حماس». وأعرب عن أسفه لأن بعض الوزراء يتفوهون داخل الاجتماعات بشيء ويعلنون للجمهور نقيضه.
إزاء كل ذلك، خرج ليبرمان بإعلانه الاستقالة من الحكومة، مظهراً أنه يردّ بذلك على كل منتقديه. وقال إنه يستقيل لأن الحكومة لم تتبنَّ موقفه الحازم ضد «حماس»، فوافقت على تحويل النقود القطرية إليها، ثم أبرمت اتفاق تهدئة معها. وقال ليبرمان خلال مؤتمر صحافي عقده بعد جلسة استثنائية للكتلة البرلمانية، إنه يعتبر وقف إطلاق النار في قطاع غزة، خضوعاً وخنوعاً للإرهاب. وقال إن المستوى السياسي في البلاد فشل ولم يتخذ القرارات الصائبة. وبيّن أن ما تقوم به إسرائيل حالياً، هو شراء هدوء قصير المدى مقابل المساس بالأمن القومي على المدى البعيد. وأضاف ليبرمان أنه لم يوافق على إدخال الوقود القطري إلى غزة، واصفاً الخطوة بالخاطئة. وأشار إلى أنه بعد أن أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بياناً خطياً، فإنه اضطر إلى الموافقة. كما كشف ليبرمان عن خلافات عديدة بينه وبين رئيس الوزراء، منها قضية إخلاء القرية البدوية الخان الأحمر إلى الشرق من القدس. وكانت استقالة ليبرمان غير متوقعة، لأنه كان يعد أحد أهم أركان الحكومة والأشد إخلاصاً فيها لنتنياهو. ولهذا، فقد بدأت التخمينات تتحدث عن خطة قديمة بين نتنياهو وليبرمان، تمت تجربتها ويجري اليوم تكرارها، تتمثل في التنسيق والتعاون بينهما على التحالف معاً نحو الانتخابات المقبلة. وكان الاتفاق بينهما أن يتصدى ليبرمان لمحاولات الإطاحة بنتنياهو، في حال تم تقديم لائحة اتهام ضده في قضايا الفساد. وأن ينضم ليبرمان، لاحقاً، إلى حزب الليكود، شرط أن يعيّنه نتنياهو نائباً له وقائماً بأعماله في غيابه. ويعني هذا الاتفاق أن يتصدى ليبرمان لكل محاولة للإطاحة بنتنياهو. ولكن، في حال الإطاحة به واضطراره إلى الاستقالة بقرار من محكمة، فإن ليبرمان هو الذي سيحل محله وليس أي قائد آخر من «الليكود».
وهذا الاتفاق بينهما يفسر سبب الهجوم المفاجئ الذي شنه نتنياهو، الأسبوع الماضي، على رفيقه في قيادة «الليكود» غدعون ساعر، واتهامه بأنه يتآمر مع رئيس الدولة، رؤوبين رفلين، لاستبعاده عن مهمة تشكيل الحكومة المقبلة. فقد زعم نتنياهو أن رفلين ينوي استغلال صلاحياته كرئيس دولة مسؤول عن تكليف نائب ما بتشكيل الحكومة، ويختار ساعر بدلاً منه، وذلك بحجة توجيه لائحة اتهام ضده. وراح مساعدو نتنياهو يعدّون لتمرير قانون يجبر رئيس الدولة على اختيار رئيس أكبر كتلة برلمانية لتشكيل الحكومة، بغض النظر عن أي شيء آخر.
وقد قصد نتنياهو بهذا الهجوم تصفية ساعر، حتى لا يعترض على ليبرمان ويهدد مكانته. بيد أن بينيت لم يقف مكتوف اليدين إزاء هذا التنسيق. فقد خرج مع عدد من نواب حزبه الثمانية يعبّرون عن تأييدهم لاستقالة ليبرمان، ويعتبرونها «اعترافاً بالفشل أمام (حماس)». ويطالبون نتنياهو باختيار بينيت بديلاً عن ليبرمان كوزير للدفاع. ويعلنون أنهم سينسحبون من الحكومة في حال رفض طلبهم.
وحاول نتنياهو استيعاب بينيت ولجم هجومه بالإعلان أنه غير متحمس لتبكير موعد الانتخابات -المقرر إجراؤها في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أي بعد سنة- وأعلن أنه سيجتمع مع قادة أحزاب الائتلاف للتشاور حول خطواته المقبلة، وأنه ينوي عمل كل ما في وسعه لمنع سقوط الحكومة والاستمرار فيها حتى أواخر السنة المقبلة.
وقد أثار قرار ليبرمان الاستقالة، موجة من ردود الفعل لدى مختلف أطراف الحلبة السياسية. فقد أعرب الوزير الليكودي تساحي هانغبي والوزير أريه درعي، عن أسفهما لقرار ليبرمان، مؤكدين أنه أدى مهام منصبه بإخلاص ومهنية، وأن استقالته ستؤدي إلى إضعاف الحكومة. أما رئيسة المعارضة تسيبي ليفني، فقد دعت إلى حل الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة. كما رحّب رئيس المعسكر الصهيوني آفي غاباي، بإعلان الوزير ليبرمان، داعياً رئيس الوزراء إلى الإعلان عن الاستقالة من منصبه هو الآخر. وقال رئيس حزب «هناك مستقبل» يائير لبيد، إن قرار وزير الدفاع يثبت حقيقة رضوخ رئيس الوزراء للإرهاب على حساب أمن سكان جنوب البلاد.
من جهته ناشد رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة، جميع أعضاء الحكومة التي وصفها بـ«اليمينية المتطرفة»، أن يحذوا حذو وزير الدفاع ويقدموا استقالاتهم. وقال: «ليبرمان ونتنياهو وغيرهما مارقون، أما نحن فلسطينيي 48 ومن ورائنا جماهيرنا، قباقون بقاء الوطن».
وقال والدا جندي الجيش الإسرائيلي هادار غولدين، الذي تحتجز «حماس» رفاته في قطاع غزة، إن تصريحات وزير الدفاع خلال الإعلان عن استقالته واضحة، ومغزاها أنه لا يمكن التوصل إلى تهدئة في غزة من دون إعادة جنود جيش الدفاع والإسرائيليين الذين تحتجزهم «حماس». واعتبراه موقفاً أفضل من موقف الائتلاف الحكومي.



الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)

أظهرت بيانات حكومية يمنية أن أكثر من 158 ألف شخص فرُّوا من المناطق التي دخلتها جماعة الحوثيين في الساحل الغربي، بينما حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين، مع فرار العائلات من العنف، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم للنازحين والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم مواردها المحدودة.

ووفقاً للوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد الفارين من مناطق الساحل الغربي والمسجلين في 8 محافظات إلى 158109 أشخاص، يمثلون 23550 أسرة، نتيجة استمرار العمليات العسكرية والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وتشير البيانات الحكومية، حتى 20 سبتمبر (أيلول)، إلى أن محافظة تعز تصدَّرت المحافظات المستضيفة، باستقبال 11867 أسرة، تضم 83123 شخصاً موزعين على 15 مديرية، تلتها محافظة لحج بـ5472 أسرة (38304 أشخاص) في 9 مديريات، أبرزها المضاربة ورأس العارة وتبن والمسيمير.

وفي العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3114 أسرة، تضم 15003 أشخاص موزعين على مديريات المحافظة، بينما سجلت محافظة الحديدة 1471 أسرة، تضم 10297 شخصاً في مديريتي حيس والخوخة.

عشرات الآلاف من اليمنيين النازحين يعيشون تحت الأشجار (إعلام محلي)

ورصدت الوحدة الحكومية حركة نزوح جديدة من مديريتي حيس والخوخة جنوب الحديدة باتجاه عدن، وقالت إنها تتابع هذه الحركة، في وقت استقبلت فيه محافظة أبين 1420 أسرة، تضم 9940 شخصاً في مخيمَي خنفر وزنجبار.

وتوزعت بقية الأسر النازحة -وفق البيانات الحكومية- على حضرموت بواقع 110 أسر، والمهرة 70 أسرة، وشبوة 26 أسرة.

وأكدت الوحدة أن معظم الأسر اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها بصورة مفاجئة، الأمر الذي فاقم معاناتها الإنسانية وزاد هشاشتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً تشمل المأوى ومواد الإيواء الطارئة والسلال الغذائية والمساعدات النقدية متعددة الأغراض، إلى جانب مياه الشرب والخدمات الصحية ومستلزمات النظافة.

أرقام أممية

من جهتها، حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين في اليمن، ودعت المجتمع الدولي إلى دعم الفارين من العنف والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم «ما تملكه من موارد شحيحة».

وأظهرت أحدث بيانات المنظمة أن 129438 شخصاً، أي ما يعادل 21573 أسرة، نزحوا في 7 محافظات منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بالقتال، مع تسجيل زيادة قدرها 11352 شخصاً خلال 3 أيام فقط، مقارنة بـ118086 نازحاً في 18 سبتمبر.

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن كثيراً من النازحين اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة بحثاً عن الأمان، محذراً من أن الأعداد «في ازدياد مستمر».

الغالبية العظمى من النازحين اليمنيين يفتقدون أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وتستضيف تعز العدد الأكبر من النازحين المسجلين لدى المنظمة، بواقع 73494 شخصاً، تليها لحج بـ33828، وعدن بـ8946، والحديدة بـ8244، إضافة إلى أبين وحضرموت ومأرب.

وقال بلبيسي إن هذه العائلات فقدت منازلها ومصادر دخلها، وتصل إلى بلدات تعاني أصلاً أوضاعاً صعبة، مضيفاً أن المجتمعات المضيفة «لا تستطيع القيام بذلك بمفردها»، في إشارة إلى الحاجة المتزايدة للدعم الإنساني.

وبالتزامن مع النزوح الداخلي، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 3106 أشخاص عبروا البحر الأحمر من اليمن إلى جيبوتي حتى مساء الأحد الماضي، مشيرة إلى أنها تقدم مساعدات عاجلة لعدد من الوافدين، ومجددة دعوتها إلى توفير مزيد من الدعم في ظل استمرار حركة الفرار.


التضليل... سلاح حوثي حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
TT

التضليل... سلاح حوثي حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)

لم يتوقف التصعيد العسكري للجماعة الحوثية عند خطوط الجبهات؛ إذ فتحت بالتوازي جبهة أخرى في الفضاء المعلوماتي، مستخدمة التسجيلات المفبركة والمقاطع القديمة والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وإشاعات الانتصارات وتهويل نتائج الهجمات لتقديم رواية مغايرة لمسار المعارك.

وتترافق الحملة الدعائية الحوثية مع نشر مقاطع تحت مسمى «توثيق انتصارات عسكرية واسعة»، بينها مشاهد للسيطرة على مواقع في تعز والجوف ومأرب، وأخرى أعيد تقديمها بوصفها لعمليات حديثة، في حين تشير الخريطة الميدانية إلى واقع أكثر تعقيداً.

جاء ادعاء الجماعة إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 في أجواء مأرب نموذجاً بارزاً؛ إذ بث إعلامها الحربي مقاطع زعم أنها لحطام الطائرة، قبل أن تكشف منصات تدقيق الحقائق عن أن اللقطات مقتطعة ومعاد تدويرها من حادثة قديمة، وجرى دمجها مع مشاهد لسقوط مسيّرة أميركية.

ويصف سكان مديرية الشمايتين جنوب غربي تعز الإشاعات التي تبثها الجماعة عن قرب سقوط مناطقهم بـ«الغزو الفيسبوكي»، بعد تدفق أنباء مفبركة حول سقوط مواقع حاكمة، عقب فشل محاولات تسلل؛ بهدف إثارة الذعر بين القوات الحكومية وسكان مدينة التربة.

يقول نجيب عباس، وهو معلم وناشط سياسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإشاعات لم تؤثر كثيراً في معنويات السكان، لكنها دفعت بعضهم إلى تخفيف الحركة في الأسواق والمرافق العامة وشراء احتياجات منزلية إضافية؛ خشية استهداف الطرق ومركبات نقل المواد الضرورية.

ويستقبل سكان مناطق تعز التي تسعى الجماعة للسيطرة عليها رسائل التودد الحوثية ومحاولات استمالتهم بالتهكم، مبدين مخاوفهم من ممارساتها ورفضهم توسعها.

وكثّفت خلال التصعيد الأخير حملات التضليل والفبركة لاستهداف المواطن اليمني بالدرجة الأولى، عبر نشر الإشاعات وإرباك الرأي العام ورفع معنويات أنصارها، مع محاولة استثمارها خارجياً لصناعة صورة غير حقيقية عن الوضع في اليمن، هذا ما يقوله وكيل وزارة الإعلام اليمنية، فياض النعمان، الذي شرح لـ«الشرق الأوسط» كيفية تعامل الحكومة مع سيل التضليل.

يوضح النعمان أن الحكومة ترصد المحتوى وتتحقق من مصدر التزييف وتاريخ نشره ومكان تصويره ومقارنته بالمعلومات الرسمية والميدانية، مؤكداً أن سرعة التحقق خلال العمليات العسكرية ضرورية لمنع تحول المعلومة الكاذبة روايةً يصعب تصحيحها.

لقطة من فيديو فبركه الحوثيون عن استهدافهم مواقع للجيش اليمني بالطيران المسيَّر (إعلام حوثي)

ومنذ إعلان الحوثيين في يوليو (تموز) الماضي بدء التصعيد في البحر الأحمر، تصاعدت روايات الجماعة عن إجبار قطع بحرية دولية على مغادرة الممر، وتدمير سفن وناقلات نفط بالكامل، مع تضخيم نتائج الهجمات البحرية لتقديم الجماعة بوصفها قادرة على تغيير قواعد الملاحة.

«معركة» الرواية

رفعت الهجمات الحوثية مخاطر الشحن وتكاليف التأمين وأدت إلى تغيير بعض الناقلات لمساراتها، إلا أن الجماعة، وبعد سيطرتها على باب المندب ناقضت نفسها وأعلنت أنها لن تمنع مرور السفن، بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب كشف فيها عن مبادرة الجماعة للتواصل مع حكومته وطمأنته بعدم الدخول في قتال معها أو استهداف سفنها. وتعمد الجماعة إلى الخلط بين الأحداث الحقيقية وتأويلها المبالغ في نتائجها، بما يجعل الرواية أكثر قابلية للانتشار.

العروض العسكرية من أهم وسائل الدعاية الحوثية (أ.ف.ب)

وتتخذ الدعاية الحوثية في مأرب طابعاً أكثر تنظيماً، يستهدف ضرب التلاحم القبلي والعسكري من خلال مزاعم «التسليم الوهمي» للمواقع، وإشاعات عن قرب دخول المدينة أو خلافات مالية داخل الجيش اليمني أدت إلى انسحابات من مواقع استراتيجية.

ويرى أنور العامري، المستشار السياسي والإعلامي لرئيس هيئة الأركان العامة السابق، أن خطورة الإشاعة تكمن في وصولها إلى المتلقي قبل المعلومة الموثقة، منتقداً عدم اهتمام الحكومة الشرعية بهذا الجانب بالشكل المناسب، بما يسهل انجرار ناشطين وإعلاميين ومثقفين محسوبين عليها إلى الاستجابة للروايات الحوثية.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن سرعة الاتصال العسكري ووضوح المعلومة يمثلان جزءاً أساسياً من الحفاظ على المعنويات، مشيراً إلى جهود وزارة الدفاع ودائرة التوجيه المعنوي في هذا الجانب.

الحوثيون استغلوا استيلاءهم على مدينة المخا لرفع معنويات مقاتليهم (أ.ب)

وينوّه إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطوراً نوعياً في أدوات التضليل، لكنه لا يلغي أساليب الحرب النفسية التقليدية، وإنما يزيد سرعة إنتاج المحتوى وحجمه وإمكانات التلاعب به. ويقسم الدعاية الحوثية إلى ثلاثة مستويات: الإشاعة والبيان الدعائي والمبالغة في الانتصارات، ثم إعادة تدوير المحتوى عبر المنصات والحسابات المتعددة، وأخيراً إنتاج وتعديل الصور والأصوات والفيديوهات والنصوص بالذكاء الاصطناعي.

انتصارات مصنّعة

كانت الجماعة الحوثية ردّت على مقاطع الجيش اليمني التي توثق استهداف عناصرها بطائرات مسيَّرة، بمقاطع مشابهة مولدة بالذكاء الاصطناعي، وظهر التزييف بوضوح في غالبيتها، في محاولة لرفع معنويات مقاتليها، إلى جانب إعادة تداول محتوى قديم أو مصطنع لتقديم صورة عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية.

ويلفت العامري، وهو إعلامي سابق في دائرة التوجيه المعنوي للجيش اليمني، إلى أن مواجهة إشاعات الحوثيين عن سقوط مناطق أو مدن تتطلب إدارة الفارق بين سرعة انتشار الرواية وقدرة الميدان على التحقق منها، محذراً من التضحية بالدقة في السباق مع الإشاعة.

الحوثيون يستخدمون مجسمات لطائرات مسيَّرة وصواريخ خلال تجمعات أنصارهم (غيتي)

ويشيد بدور الدائرة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة اليمنية في هذه المواجهة، عبر الرصد المبكر للإشاعات منذ ظهورها، وتحديد مصادرها ومضمونها ومدى انتشارها، ثم تصنيفها بين معلومة كاذبة أو ادعاء غير مؤكد أو خبر يحتاج إلى تحقق، عبر تنسيق المعلومات العسكرية وتوحيد مصدرها، ومقارنة الروايات، ثم إيصال المعلومات الموثقة بسرعة ووضوح يمنعان استغلال الفراغ المعلوماتي وتضارب التصريحات.

ولا تستهدف المواد الدعائية التي تنتجها الجماعة الحوثية القوات المسلحة الحكومية فقط؛ بل إنها موجهة أساساً إلى جمهورها الداخلي بدرجة أكبر، وإلى المجتمعات المحلية في مناطق سيطرة الحكومة، فالروايات عن السيطرة على المخا مثلاً، أو تحقيق انتصارات خاطفة يمكن أن ترفع معنويات المقاتلين والأنصار وتحجب أخبار الخسائر والتراجع الميداني.

وفي المقابل، تنقل روايات مثل «الحصار الاقتصادي» وتحميل الحكومة والتحالف مسؤولية أزمة الرواتب والأسعار النقاش من أداء الجماعة الداخلي إلى خصومها، خصوصاً في المناطق التي تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة.


معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

كثفت القوات الحكومية اليمنية، الثلاثاء، غاراتها الجوية على مواقع وتحصينات وتعزيزات تابعة للحوثيين في محافظة تعز (جنوب غرب)، بالتزامن مع استمرار المواجهات في عدد من الجبهات، بينما أعلنت القوات استعادة مواقع في جنوب وغرب المحافظة، وإسقاط طائرتين مسيّرتين، وأسر عدد من عناصر الجماعة قرب «باب المندب».

وقال محور تعز العسكري التابع للقوات المسلحة اليمنية إن الطيران الحربي شن خمس غارات على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في جبهة الأحكوم بمديرية حيفان، جنوب شرقي المحافظة، مشيراً إلى أن الضربات استهدفت، وفق مصادر عسكرية، تعزيزات كانت في طريقها إلى جبهتي حيفان والصبيحة.

وفي غرب تعز، تواصلت المواجهات في مناطق العنين وبني بكاري وجرداد والكدحة، وسط محاولات حوثية للتسلل والهجوم. وأعلن محور تعز إسقاط طائرتين مسيّرتين، إحداهما في جبل جرداد جنوب غربي المحافظة، والأخرى في جبهة الكدحة، وقال إن الأخيرة كانت محملة بقذيفة هاون قبل وصولها إلى هدفها.

وأفادت مصادر ميدانية باستعادة القوات الحكومية مواقع وتلالاً في جبهات جنوب وغرب تعز، بينها مواقع في محيط كهبوب القريبة من «باب المندب»، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين.

وقالت المصادر إن قوات «العمالقة» و«درع الوطن» استعادت عدداً من التلال المهمة والمسيطرة في كهبوب، بعدما كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الأيام الماضية. كما أعلنت القوات الحكومية أسر سبعة من عناصر الحوثيين على ساحل السقيا، جنوب «باب المندب»، والاستيلاء على عربة عسكرية تابع للجماعة.

وفي جبهة غرب جرداد بني عمر، الواقعة بين مديريتي الوازعية والشمايتين، قالت مصادر إن القوات الحكومية تصدت لهجوم حوثي وأجبرت المهاجمين على التراجع.

كما شهدت الوازعية غارات جوية استهدفت مواقع للحوثيين في منطقتي الظريفة والمشجب، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات في عدد من مناطق التماس. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات ألحقت خسائر بالجماعة وأفشلت محاولات تعزيز مواقعها والتقدم في الجبهة.

وفي جبهة كهبوب المطلة على «باب المندب»، أعلنت «ألوية العمالقة الجنوبية» أسر قيادي حوثي وأحد مرافقيه، إلى جانب تنفيذ ضربات قالت إنها دمرت آليات واستهدفت تجمعات للحوثيين في كهبوب والوازعية.

خسائر بشرية

تأتي التطورات الميدانية وسط تقارير عن خسائر بشرية كبيرة خلال اليومين الماضيين. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية من الجانبين مقتل 154 شخصاً على الأقل في المعارك التي شهدتها عدة محافظات يمنية.

وقالت مصادر عسكرية تابعة للحوثيين إن 118 شخصاً قُتلوا جراء الغارات والمواجهات والقصف المدفعي في تعز والجوف ومأرب وصعدة، معظمهم في تعز، بينما أفادت مصادر عسكرية حكومية بمقتل 36 عسكرياً خلال يومين من المواجهات، غالبيتهم في جبهات جنوب وغرب تعز.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يتصدون للهجمات الحوثية غرب تعز (إعلام عسكري)

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر ميدانية بمقتل القيادي الحوثي محمد عبد الله سعد جلافة العوير، المعروف باسم «أبو مالك العوير»، مع عدد من مرافقيه، خلال المواجهات في محيط جبل جرداد بمديرية الوازعية.

امتداد القتال

لا تقتصر المواجهات على تعز ومحيط «باب المندب»، إذ استمر القصف والاشتباكات في عدد من الجبهات الأخرى. وفي مأرب، تواصلت المواجهات في حريب والجوبة والكسارة والمشجح، من دون تغير في خريطة السيطرة.

وفي الجوف، أعلنت القوات الحكومية غارات على مواقع حوثية في رحوب وصلبة بمديرية برط العنان، ومواقع في المراشي والظاهر. كما أعلنت القوات الحكومية استهداف عناصر وعتاد حوثي في البيضاء، وإسقاط طائرة مسيّرة في شبوة.

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

وفي تطور منفصل، أدانت وزارة حقوق الإنسان اليمنية قصفاً صاروخياً استهدف سوقاً شعبية في منطقة الحجف بمديرية المضاربة ورأس العارة في محافظة لحج، وقالت إن الهجوم أدى إلى إصابة عدد من المدنيين وإلحاق أضرار بالممتلكات والمركبات.

وذكرت الوزارة أن السوق تعرضت، الاثنين، لقصف بصاروخين باليستيين سقطا بفارق زمني يقارب ساعة، مشيرةً إلى أن المعطيات الأولية المتعلقة بالتوقيت والمسار تشير، وفقاً لها، إلى إطلاقهما من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في مديرية السبرة بمحافظة إب. وأكدت أنها تواصل جمع المعلومات والتحقق من حجم الإصابات والأضرار.

هجمات الحوثيين شردت نحو 150 ألف يمني من الساحل الغربي وغرب تعز (رويترز)

وفي الصبيحة، أكد رئيس الأركان والقائم بأعمال قوات «درع الوطن»، اللواء عبد الرحمن صالح اللحجي، ثبات القوات في الجبهة، وقال إن المنطقة لن تكون طريقاً لعودة الحوثيين إلى عدن، داعياً إلى مواصلة القتال والثبات في مواجهة الجماعة.

تأتي هذه التطورات امتداداً لمواجهات شهدتها خلال الأيام الماضية المرتفعات الواقعة بين غرب تعز وشمال لحج، حيث تركز القتال حول مواقع جبلية في الشمايتين وجبل حبشي والوازعية وكهبوب، وسط محاولات متبادلة لتثبيت المواقع والتحكم بالمرتفعات المطلة على طرق الساحل و«باب المندب». وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في وقت سابق استعادة مواقع وإحباط هجمات وتسللات حوثية في عدد من هذه الجبهات.