إبراهيم زولي: «الصحوة» فرضت علينا المعركة... لكننا لم نستسلم

الشاعر السعودي قال لـ «الشرق الأوسط»: من دون حسّ التجريب والمغامرة يحفر الشاعر قبره بيديه

إبراهيم زولي
إبراهيم زولي
TT

إبراهيم زولي: «الصحوة» فرضت علينا المعركة... لكننا لم نستسلم

إبراهيم زولي
إبراهيم زولي

يُعتبر الشاعر السعودي إبراهيم زولي صوتًا بارزًا في المشهد الشعري الحديث الذي مزج بين التجربة الشعرية القائمة على سبر أغوار النصّ الجديد، والسير من خلال تلك التجربة في مضمار «الحداثة»، خاصة في تجلياتها الشعرية والسردية. تكونت مداركه في فترة الصراع بين التيار الصحوي، والتيار الذي أخذ على عاتقه الخروج عن النسق السائد.
ولد إبراهيم زولي في جيزان جنوب السعودية عام 1968. كتب عددًا من التجارب الشعرية جمعت بين العمودي والتفعيلة والنثر، توزعت عبر مجموعاته الشعرية المتنوعة. إلى جانب ذلك، ثمة مسحة فلسفية في شعر زولي، الذي يدير رحى القصيدة في بحور من القلق واجتراح الأسئلة.
آخر مجموعة شعرية لإبراهيم زولي كانت «حرس شخصي للوحشة» صادرة عن المركز الثقافي العربي - المغرب (2015). أما أولى مجموعاته فكانت «رويداً باتجاه الأرض» (1996)، تلاها ديوان «أول الرؤيا» (1999) و«الأشياء تسقط في البنفسج» (2006) و«تأخذه من يديه النهارات» (2008) و«رجال يجوبون أعضاءنا» (2009) و«قصائد ضالة... كائنات تمارس شعيرة الفوضى» (2010) و«من جهة معتمة» (2013) و«شجر هارب في الخرائط» (2014).
«الشرق الأوسط» التقت الشاعر السعودي إبراهيم زولي، وأجرت معه الحوار التالي...

> ماذا بقي من دراستك في المعهد العلمي؟ وكيف قاومت ما تسميه «الحشو المنهجي الذي كان لا يؤمن سوى برؤية واحدة وقول واحد»؟
- تلك مرحلة كانت تحاصر فينا التفكير والاجتهاد حتى الإبداع داخل أسوار المدرسة، غير أنني كنت أخرج من ذلك وأذهب لقراءة الروايات العالمية لمؤلفين كبار مثل ديستويفسكي وتشيخوف ووليم فوكنر، وأقرأ لكثير من المفكرين العرب أمثال محمد أركون والجابري وعبد الله العروي، وشعراء كسعدي ودرويش، وكانت الساحة الثقافية صاخبة بجدل نقدي خلّاق على صفحات «ملحق الأربعاء» وصحيفة «الندوة» وملحق «أصداء الكلمة» في «عكاظ»، وأدركت أن في تراثنا العربي والإسلامي فكرًا نيّرًا يؤمن بالاختلاف، وأصبحت مقولة محمد بن إدريس الشافعي: «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» وسواها شعارًا وأيقونة في مرحلة من مراحل حياتي.
> لستَ وحدك من الشعراء الذين تكّونت اتجاهاتهم الحداثية أثناء دراستهم في حواضن مناهضة لهذه التجربة، كيف تفسر ذلك؟
- تلك حقبة قاسية وشديدة الوطء على شاعر لا يزال يتلمس خطواته الأولى في عالم الكتابة، إنها حالة تشبه الطوفان الذي لا يمكن لأحد مجابهته، فكيف بفتى يدرس في المرحلة الثانوية؟! بيد أن الأمل في غدٍ أجمل، هو الأمل المدجج بالوعي الحاد والقراءة المكثفة. هو من أنقذ قصيدة الفتى في مجابهة السائد والمكرس والمألوف.
> ماذا علق في ذهنك من فترة الثمانينات وصعود التيار الصحوي؟
- الجيل الذي كان يتعاطى مع المشهد الثقافي في تلك الحقبة يعلم أنّ جيلاً من الكُتّاب والمبدعين وجد نفسه في معركة لم يختر زمانها ولا مكانها. هذا الجيل لم يقف مكتوف اليدين بل تصدى لأولئك الذين لم يكن العداء الثقافي إلا لافتة خادعة ومبررًا واهيًا. أولئك كانت معركتهم ضد الوطن بجميع أطيافه، وهو ما حدث فعلا مع تلاميذهم ومريديهم الذين كفَّروا المجتمع، ومارسوا ضد مدخراته التفجير والإرهاب.
> لماذا تعثّر مشروع الحداثة في السعودية؟
- القول بفشل مشروع الحداثة في البلد قول بحاجة إلى مساءلة، أقلّ ذلك على مستوى الكتابة في تجلياتها الشعرية والسردية. ما نلاحظه أنّ أغلب كتاب الثمانينات والتسعينات هم الآن من يشار إليهم بالبنان عند الحديث عن المشهد الثقافي في السعودية.
> ألم ينسحب المثقفون «الحداثيون» أو «الليبراليون» من المشهد وتركوه طويلاً لخصومهم؟
- الذين انسحبوا، ومَن فضَّل الصمت في تلك المرحلة، كانت لهم مبرراتهم القوية والمقنعة إلى حدٍّ كبير، ذلك أنّ التيار المتشدد والراديكالي كان نافذًا ومتغلغلاً، كسرطانٍ شرس، في كل مفاصل المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وكان كل صوت غير صدى صوتهم يعتبر كفرًا وزندقة ومروقًا من كل الأعراف والتقاليد. ما حدث حينذاك كان نزالاً غير بريء وغير عادل معًا، عندما تلقّى فيه معظم كُتّابنا ضربات «تحت الحزام» بسبب ودون سبب.

البحث عن الشاعر

> متى اكتشفتَ الشاعر في داخلك؟
- حتى اللحظة ما أزالُ في بحث دؤوب ومضنٍ عن الشاعر في داخلي، ومن هو هذا الذي يستطيع القول إنه وجد الشاعر الذي يبحث عنه؟! البحث وتناسل الأسئلة هو ما يحرض على الكتابة، ويوقظ القصيدة من غفوتها. لا أريد لهذه الرحلة من البحث عن الشاعر في داخلي أن تصل إلى نهايتها. لا أريدُ ذلك أبدًا.
> بين مجموعتك «رويداً باتجاه الأرض»، و«حرس شخصي للوحشة» 9 تجارب شعرية في 20 عامًا، هل اصطفتك القصيدة؟
- كلّ ما يحلم به الشاعر هو أنْ تصطفيه القصيدة، ويصل إلى مرحلة من الوجد والعشق اللانهائي. إنّ الاصطفاءَ، هنا، هو ذلك الشيء الذي لن يتأتى لكل من كتب الشعر أو هَمَّ به. كم من الشعراء على مستوى العالم كتبوا القصيدة منذ بدء الخليقة، بيد أنه لا يوجد إلا «متنبي» واحد و«رامبو» واحد أيضًا. قلة هم أولئك الذين اصطفتهم القصيدة بكل أسف.
> كيف نضجتْ هذه التجربة؟ وكيف تنّقلت بين العمودي والتفعيلة والنثر؟
- يقولون إنه بالكتابة يتعلم المرء الكتابة. ومع هذه التجارب التي تحدثتَ عنها ثمة عامل واحد هو التجريب والمغامرة في خلق لغة ورؤيا مختلفة. لم أقم بحرق المراحل كما فعل غيري. كتبت العمود الشعري وشعر التفعيلة وقصيدة النثر ولا أدّعي مجدًا مظفرًا في ذلك. كان هاجسي المغامرة من قبل ومن بعد، ومتى ذهب هاجس المغامرة من الشاعر فقد أضاع كل شيء، وانتكس في شكل وفخ شعري يتيم لن يغادره حتى آخر العمر. إنّه دون حسّ التجريب والمغامرة يحفر الشاعر قبره بيديه.

تأثير القراءة

> ما أكثر ما أثّر في تجربتك الشعرية؟
- لا شيء في تقديري يؤثر في الشاعر مثل القراءة. القراءة وحدها هي من تصنع لغة ووعي الشاعر، وتصنع رؤيته تجاه العالم والذات. الشاعر ابن مكتبته وقراءاته، لا ابن مجتمعه.
> كيف تجد مستقبل قصيدة النثر في السعودية؟
- المستقبل للإبداع دون تأطير بشكلٍ جاهز؛ لأنّ الإبداع الحقيقي يتعالى على التصنيف والتأطير. وقصيدة النثر في مدونة الشعر السعودي خطت خطوات مهمة، وقدمت أسماء لافتة وذات أهمية، لا على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى العربي أيضًا، لكنّ ذلك لا يمنع أنّ هناك دخلاء على هذا الشكل من الكتابة، مثل أي صنعة أخرى، ثمة طارئون ودخلاء. بعضهم ما تزال قصائدهم النثرية لا تتجاوز الخاطرة والتداعيات الرومانسية.
> تقول: «منذ البدء وأنا أحلم بكتابة نصّ يمثّلني، يمثّل فيّ الآن مرحلته وزمنه. لا أن يتنفّس من فم امرئ القيس، ويلتحف عباءة المتنبي، ويستعير تجارب الآخرين». هل يقوى الشاعر أن يمتلك فرادته في مجتمع يفرض سلطاته؟
- فرادة الشاعر هي أمرٌ نسبي ومرحلي، والشاعر في ذات الوقت ابنٌ بارٌ لظرفه وسياقه الثقافي والاجتماعي والسياسي. هو ليس كائنًا فضائيًا، ومع كل هذه القيود يستطيع أنْ يخلق لغته ويصنع عالمه الخاص. إن الشعراء الذين اختاروا المهاجر أو المنافي، طوعًا أو قسرًا، ربما كان مناخهم مناسبًا لخلق فرادتهم، بيد أنّ تلك الفرادة لم تتأت إلا لقلة قليلة منهم.
> كيف يحضر المكان في قصيدتك؟ أنت مسكون بتفاصيل البيئة المحلية، وتقول إن من يمتلك تفاصيل المكان ومفرداته الحميميّة يحمل في شرايينه أرضًا وشعبًا من سلالته، كيف؟
- البعض يعدّ المكان هو الأرضية الصلبة التي ينطلق منها الشاعر للعالم، مَن يمتلك تفاصيل المكان يمتلك عالمه الشعري، عالماً لا يمكن أن يضل برفقته السبيل، وحتى لا تكون القصيدة ريشة في مهب الرياح، غريبة الوجه واليد واللسان، يبقى المكان بكلّ تجلياته وتمظهراته هو الذي يمكّن المبدع من كتابة عملٍ زاهٍ، عمل يقف معه على قدمين راسختين، وقامة يمدّ عنقها إلى الفضاء.
> هل تحتاج القصيدة إلى نار المعاناة فعلاً؟
- الأوراق و16 بحرًا وقلم دون غطاء، كلها تتأهب، وقد لا تأتي الكتابة، تغضب وترمي بكلّ شيء في أقرب سلة أمامك. تختلط إيقاعات الوافر والرمل ممزوجين بالمتدارك، ثم ينتصب الخليل بن أحمد أمامك كعفريت صابًّا جام غضبه عليك. تقوم منكسرًا من مكانك الذي هيأته للقصيدة الحلم، ثم في خلسة من كلّ هؤلاء تُقْبِلُ وأنت أعزل إلا من حزنك، عاريًا إلا من البهجة بقدومها، لا لشيء إلا لأنّها هي سيّدة الزمان والمكان... طقس بحاجة إلى طقس آخر، وعملية استحضار تشبه الضرب في الرمل. هي كمَن ينظر إلى قدميه عندما يقود دراجة ليعرف كيف تتمّ عملية القيادة، ثم يتعثّر في الطريق. الكتابة موعد مع الغياب، أو هي انتظار جودو، أو «البحث عن وليد مسعود»، قد تأتي وقد لا تأتي.
> ماذا يوفر لك الفضاء الإلكتروني؟
- بسبب هذه الشبكات المعلوماتية والفضاء الإلكتروني، صار بإمكان المرء في أي ركن من أركان المعمورة، التواصل مع أخيه الإنسان «الافتراضي» في الجهة الأخرى من العالم صوتاً وصورة وكتابة. لم تعد الأخوّة في اللون أو الدين أو العرق، كما تعارف الناس، بل تبدّلت إلى معنى آخر وجديد لم يكن مألوفًا من قبل. «عالم افتراضي، أصدقاء افتراضيّون»، وهكذا. ما من شكّ في أنّ هذه الشبكات باتت تشكّل حضورًا طاغيًا في حياة الناس، بمختلف أطيافهم وشرائحهم، لم ينجُ من ذلك أحد، فقراء وأغنياء، ملونون وغير ملونين، وسقطتْ معانٍ كثيرة، فلم نعد نميّز بين الشيخ والمريد، وبين المعلم وتلميذه. هذه الهدية الكونية من اقتصاد المعرفة لم تأت حكرًا على النخب وطبقات الأنتلجنسيا الذين احتكروا ردحًا من الزمن المعلومة ومصدرها، الكِتاب ومؤلّفه، البحث ومحتواه، وبالتالي كانوا يهبون أو يمنحون - لا فرق - الثقافة لمن شاؤوا، وكيف شاؤوا. ذلك زمن ولّى وانقضى إلى غير رجعة، زمن أضحى في سلة الذكريات، زمن غير مأسوف عليه.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».