مئوية الحرب العالمية الأولى تحوّل باريس إلى «عاصمة العالم»

حضور دولي كثيف وعربي ضعيف وطموحات لتحويل «منتدى السلام» إلى حدث سنوي

الرئيس ماكرون مع المستشارة ميركل أمس يوقّعان كتاب الزوار في العربة التاريخية التي تم فيها توقيع اتفاق الهدنة الذي أنهى الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918 (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون مع المستشارة ميركل أمس يوقّعان كتاب الزوار في العربة التاريخية التي تم فيها توقيع اتفاق الهدنة الذي أنهى الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918 (إ.ب.أ)
TT

مئوية الحرب العالمية الأولى تحوّل باريس إلى «عاصمة العالم»

الرئيس ماكرون مع المستشارة ميركل أمس يوقّعان كتاب الزوار في العربة التاريخية التي تم فيها توقيع اتفاق الهدنة الذي أنهى الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918 (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون مع المستشارة ميركل أمس يوقّعان كتاب الزوار في العربة التاريخية التي تم فيها توقيع اتفاق الهدنة الذي أنهى الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918 (إ.ب.أ)

قبل مائة عام وفي الساعة الخامسة من صباح الحادي عشر من شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وقعت الهدنة التي وضعت حداً لفظاعات الحرب العالمية الأولى في عربة قطار تابعة لرئاسة الأركان الفرنسية، في غابة كومبياني (شمال باريس)، في المحلة المعروفة باسم «ريتوند». وسُميت هذه الحرب «عالمية» بسبب اتساع المناطق التي شهدت المعارك والموزعة على العديد من الجبهات والقارات، وبسبب العدد الكبير من الدول التي شاركت فيها. فما بين 1914 تاريخ انطلاق هذه الحرب، و1918 تاريخ انتهائها، شاركت فيها جيوش من نحو عشرين بلداً، وعُبئ من أجلها ما لا يقل عن 66 مليون رجل موزعين بين تحالف إمبراطوريات وسط أوروبا (الألمانية والنمساوية والمجرية والتركية والبلغارية، إضافة إلى دول أخرى)، والتحالف الثلاثي (فرنسا وبريطانيا وروسيا) الذي انضمت إليه الولايات المتحدة في العام 1917 وقبلها إيطاليا والبرتغال وصربيا... أما عدد الضحايا من العسكريين والمدنيين فكان الأكبر في التاريخ، إذ بلغ 38 مليون شخص موزعين بين قتلى وجرحى ومفقودين. كما أنها كانت المرة الأولى التي ظهر فيها السلاح الكيماوي واستُخدمت الطائرات الحربية والدبابات بحيث إنها كانت أولى «الحروب الحديثة».
كان من نتائج تلك الحرب التي انتهت ذاك الصباح البارد بتوقيع الهدنة بين وفدين عسكريين فرنسي وألماني، انهيار ثلاث إمبراطوريات، وإعادة رسم الحدود في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، وتفتيت الخلافة العثمانية/ وظهور «عصبة الأمم»، وانفلاش الحضور الأميركي عبر العالم، وقيام أول نظام شيوعي في روسيا، وولادة دول وضمور أخرى، وزرع البذور التي مهّدت الطريق للحرب العالمية الثانية.
من هنا، أرادت باريس أن تكون الاحتفالية بالذكرى المئوية الأولى لتوقيع الهدنة حدثاً عالمياً ضخماً يَظهر من خلال الحضور الدولي الكثيف الذي تستضيفه العاصمة الفرنسية طيلة ثلاثة أيام (الأحد والاثنين والثلاثاء)، والمتمثل في وجود 98 وفداً من أنحاء العالم كافة و72 رئيس دولة وحكومة (الولايات المتحدة، وروسيا، والدول الأوروبية، وعدد واسع من الرؤساء الأفارقة وبعض البلدان العربية)، إضافة إلى كبار المسؤولين من المنظمات الدولية والإقليمية. كذلك حرص المنظمون على توفير حضور واسع للمجتمع المدني ممثَّلاً في الجمعيات والشخصيات السياسية والعلمية والثقافية. ولم تكتفِ باريس باحتفالية تجمع القادة وكبار المسؤولين تحت قوس النصر، اليوم (الأحد)، في أعلى جادّة الشانزليزيه في باريس، بل أضافت إليها «منتدى السلام» الذي سيدوم ثلاثة أيام، ويتمحور حول خمسة موضوعات رئيسية عنوانها الجامع «السلام وكيفية المحافظة عليه». ويترجَم ذلك في إطار ورش عمل يشارك فيها كبار القادة، ويُنتظر منها أن تقدم رؤية وحلولاً من أجل إدارة عالم استخلص العبر من مآسي الماضي متعدد الأقطاب.
خلال الأيام الثلاثة، ستتحول باريس إلى «عاصمة العالم»، ولكن أيضاً إلى قلعة حصينة، بسبب الإجراءات التي أقرّتها وزارة الداخلية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية. وعبّر وزير الداخلية الجديد كريستوف كاستانير، عن «ثقته» بأن الأمور ستجري على ما يرام، لكنه في المقابل دعا إلى «الحذر الشديد» بسبب «التهديد الإرهابي» أكان التقليدي (أي المقصود به الإسلاموي) أو المتمثل في مجموعات يمينية متطرفة أُلقي القبض على ستة أفراد من بينها يوم الثلاثاء الماضي، وكانت تخطط لارتكاب اعتداء ضد الرئيس ماكرون يوم الأربعاء بطعنه خلال وجوده في مدينة شارلفيل ميزيير، في إطار «طريق الذاكرة» الذي شمل العديد من المدن والموقف في شرق وشمال فرنسا، حيث دارت كبريات المعارك الطاحنة. ولضمان الأمن، فإن مديرية الشرطة في العاصمة عبّأت ما لا يقل عن 10 آلاف رجل شرطة وأمن لحماية المراكز الحساسة مثل: قصر الإليزيه، ومحيط قوس النصر، وجادّة الشانزليزيه، ومقرات المنتدى في مجمع «لا فيليت» الواقع في الأحياء الشمالية من باريس، والطرقات الموصّلة من المطارات إلى وسط العاصمة. وفي باريس ستُغلق اليوم محطات المترو والطرقات القريبة من القصر الرئاسي وتلك المفضية إلى قوس النصر ومجمع «لا فيليت». ونُشرت على طول جادّة الشانزليزيه التي سيسلكها موكب الرؤساء انطلاقاً من القصر الرئاسي الحواجز المعدنية، وسيُمنع السير فيها، في ما وُضع أفراد من الأمن على سطوح المنازل المطلة على الجادة المذكورة، وهو تدبير تلجأ إليه السلطات الأمنية في المناسبات الكبرى. وما يدفع السلطات الأمنية إلى توخي أقصى درجات الحذر وجود قادة كبار الدول في وقت واحد ومكان واحد وفي مقدمتهم الرئيسان الأميركي والروسي والمستشارة الألمانية والأمين العام للأمم المتحدة وغالبية رؤساء الدول والحكومات الأوروبية وكبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي والرئيس التركي.
كذلك حرصت باريس على دعوة عدد كبير من القادة الأفارقة الذين كانت بلادهم تحت الاستعمار الفرنسي أو البريطاني وجُنِّد مواطنوهم وأُرسلوا إلى الجبهات الأمامية وسقط منهم عشرات الآلاف قتلى. وتمثل الحضور العربي في ملك المغرب، والرئيسين التونسي والموريتاني، ورئيسَي الوزراء الجزائري والفلسطيني، بينما غاب اسم رئيس الوزراء اللبناني عن اللائحة الرسمية التي وزّعها قصر الإليزيه أمس. وحضر أيضاً رئيس الوزراء الإسرائيلي. في المقابل، فإن الرئيس الصيني ورئيس الوزراء الهندي سيغيبان عن احتفالات الأحد في محيط قوس النصر. وفضلت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي كان لجيوش بلادها دور كبير في الانتصار النهائي على ألمانيا ودول المحور الاحتفال بالمئوية في بريطانيا نفسها. إلا أنها كانت إلى جانب الرئيس ماكرون بعد ظهر الجمعة لزيارة موقع معركة «لا سوم» التي شاركت فيها القوات البريطانية وخسرت فيها عدة آلاف من عناصرها.
ولن تكتفي فرنسا بالمراسم التقليدية بل تريد أيضاً مواكبتها بدعوات تبرز معالم الضيافة الفرنسية. ومساء أمس، تحولت القاعة الرئيسية في متحف «أورسيه» المطل على نهر السين إلى قاعة طعام استضافت رؤساء الدول والحكومات والبعثات. وظهر اليوم، تنتقل الشخصيات إلى قصر الإليزيه من أجل غداء رسمي، فيما زوجات وأزواج القادة مدعوون إلى غداء في قصر فرساي التاريخي الشهير الذي سيغلق أمام الجمهور وبعدها ستقدم لهم الفرقة السيمفونية للعاصمة النمساوية حفلاً موسيقياً، بينما وزراء الخارجية سيُدعون، من جانبهم، إلى قصر الوزارة.
أرادت باريس أن يكون الاحتفال تحت قوس النصر «قمة» المئوية، إلا أنها في الوقت عينه تمسكت بأن يكتمل بـ«منتدى السلام» الذي ترى فيه «مناسبة للبحث في كيفية إعادة تنظيم شؤون العالم، وتأكيد مسؤوليتنا الجماعية (في المحافظة على السلام). نحن الذي عرفنا أكثر من أسلافنا إلى أين انساقت الإنسانية في الماضي من مآسٍ وما يمكن أن يدفع بها إلى خسارتها في المستقبل». وحسب باريس، فإن «منتدى السلام» الذي هو بمعنىً ما «ردٌّ على تصاعد التوترات والحروب في العام»، هدفه الأول «الدفع باتجاه تعاون أفضل من أجل مواجهة التحديات الكبرى في عالم اليوم والوصول إلى عولمة أكثر عدلاً، وإلى نظام متعدد الأطراف أكثر فعالية في إدارة شؤون العالم». وبجملة واحدة، فإن منظمي المنتدى الأول الذي سيتحول إلى سنوي يريدون أن يكون لبنة على درب العمل من أجل السلام العالمي عبر توفير حوكمة عالمية رشيدة وتفعيل دور المنظمات الدولية والمجتمعات المدنية ومشاركة جميع اللاعبين الذين يتمتعون بقدرة على التأثير. ولا تقتصر اهتمامات المنتدى على الأزمات السياسية الكامنة أو المشتعلة بل تتناول أيضاً الإدارة الجماعية لما يشكل ثروات الإنسانية، كالبيئة، أو إصلاح قواعد التبادل والتجارة، والوصول إلى عالم أكثر عدلاً، ووضع قواعد مقبولة للعالم الافتراضي والرقمي. من هنا، فإن الهيئة الناظمة للمنتدى عمدت إلى توجيه دعوات إلى الجمعيات والشركات ومراكز البحث وممثلي الديانات والنقابات والإعلام. والأهم من ذلك، فإنها طلبت من الجميع التقدم بمقترحات مشاريع من شأنها المساهمة في تحقيق أهداف المنتدى. وفي نهاية المطاف، فإن أيام المنتدى الثلاثة ستشهد تقديم 119 مشروعاً تم اختيارها من بين 900 مشروع، وسيتم عرضها ومناقشتها من أجل إيجاد الرابط بين من يطرحها وبين الجهات التي تمتلك القرار.
في الأيام الثلاثة للمنتدى، ستدور المناقشات حول خمسة محاور رئيسية: الأمن والسلم، والبيئة، والتنمية، والتكنولوجيات الجديدة والرقمية، والاقتصاد الشامل. وبصدد المحور الأول، يرى المنظمون أن هناك حاجة إلى ردة فعل ملحّة إزاء الأزمة التي يعيشها النظام الدولي، ومن علاماتها: تراجع التعاون الدولي، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، وصعود الاتجاهات الشعبوية، وتراجع الفضاءات الديمقراطية، واستفحال غياب المساواة، وانتهاك حقوق الإنسان، وارتفاع الميزانيات الدفاعية، وتراجع المنظمات متعددة الأطراف، وغياب القواعد الناظمة للتكنولوجيات الجديدة، وفوق ذلك كله تراجع التعبئة العالمية لمحاربة التصحر والحفاظ على البيئة... لذا، فإن «منتدى باريس وُجد من أجل رص صفوف الدول والمجتمعات التي ما زالت تؤمن بالعمل الجماعي، والتعددية القطبية، وإيجاد القواعد العادلة لإدارة ثروات البشرية والخير العام، لأن في ذلك حظنا الوحيد لمواجهة التحديدات والحفاظ على السلم العالمي».
أشهر الغائبين عن المنتدى سيكون الرئيس ترمب، ربما لأن السياسة التي يتبعها منذ أن وصل إلى البيت الأبيض تتعارض تماماً مع هذه الطروحات والأهداف النبيلة. لكن المعضلة تكمن في أنها لا تحمل جديداً لأنها مبادئ المنظمات الدولية كافة وعلى رأسها الأمم المتحدة. والسؤال هو: هل سيكون للقادة والمسؤولين الذين سيجتمعون في باريس القدرة والرغبة على ترجمتها إلى أفعال أم أن أدبيات المنتدى ستبقى أدبيات صالحة فقط للوقت الذي سيستغرقه المنتدى وبعدها تعود الأمور إلى ما كانت عليه؟


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا موقع «يونيفيل» في قرية مركبا بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

من سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟... تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954 (ذا أثلتيك)

​كيف فازت ألمانيا الغربية بكأس العالم 1954؟

من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954

The Athletic (برلين)
يوميات الشرق «رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

«رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

عثر صبيان في العاشرة من عمرهما على كنز عاطفي نادر: رسالة حب مكتوبة بخط اليد، محفوظة داخل زجاجة، يعود تاريخها إلى عام 1959.

«الشرق الأوسط» (غدانسك )

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟